الأربعاء - 24 نيسان 2024

إعلان

البطالة القاتلة في لبنان وسبل التغلب عليها!

المصدر: النهار
البطالة القاتلة في لبنان
البطالة القاتلة في لبنان
A+ A-

فادي جواد

روي عن الإمام عليّ عليه السلام :"ليس بين الحق والباطل إلا أربع اصابع (وهي المسافة بين الأذن والعين): الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت".

في 30 كانون الثاني 2020 صدر مرسوم يحمل الرقم 6134، أقرته الحكومة اللبنانية ووقّعه رئيس الجمهورية، تناول اتفاقاً بين مجلس الإنماء والإعمار وفرنسا، لتنفيذ عمليات تدريب ومشاريع ريفية وتحريج في المناطق الأكثر تأثراً من الأزمة السورية. وكان من ضمن اشتراطاته أن تكون نسبة العمالة اللاجئة 50% ولمدة 4 سنوات.

في مقابل هذا المرسوم، صدرت أرقام مخيفة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أشارت الى هبوط حركة التوظيف بنسبة 71% في العام 2020. وبينت الأرقام الصادرة عن الصندوق أن 37.5% من الأجَراء المصرح بهم للضمان يعملون براتب شهري بالحد الادنى للأجور البالغ 675,000 ليرة (حوالى 90 دولاراً) أي أقل من خط الفقر، بتراجع نسبته حوالى 80% عن العام الماضي، في حين يعمل 86% بأقل من 3 ملايين ليرة (400 دولار).

تتجه اليوم نسبة البطالة لتلامس 65% من حجم القوى العاملة في لبنان البالغة نحو مليون و794 ألف عامل، وذلك حسب أرقام سابقة أعلنها الإحصاء المركزي اللبناني في أواخر 2019، لنصل قريباً الى رقم مرعب يبلغ مليونا و166 الف عاطل عن العمل.

وصل لبنان في الذكرى المئوية لتأسيسه، إلى حال لم يدركها سابقاً من الانهاك والاستنزاف والاستهتار والاهمال والحماقات الاقتصادية والاستعباط السياسي. هذا كلّه أدى بالشعب اللبناني الى الشعور بـ"انهيار" إنساني وفكري ومعنوي وعاطفي وصولاً الى حالة من الغضب والقهر وإحساس بالذل والحسرة.

لقد مارست المنظومة السياسية، الغارقة والملوثة، فساداً متأصلاً في عروقها، جعلنا نتربع على الدرجات الأولى من سلّم مدركات الفساد في العالم. وكانت احدى نتائجه "انهيار" المنظومة الاقتصادية للبلاد بفقدان الشعب لودائعه التي هرّبها إلى الخارج حيتان المال والسياسيين، مروراً بـ"انهيار" العملة الوطنية وصولاً الى"انهيار" الرواتب وفقدان أكثر من 50% من الشعب لوظائفه حتى اليوم .

مطلوب، والحالة هذه، خطة انقاذ دولية للبنان وخطة وطنية شاملة لإنقاذ الشباب اللبناني من هذه الفاجعة التي اوقعه فيها ساسة البلاد. بصفتي خبيرا في تنمية الموارد البشرية في العالم العربي، أضع تصوراً لهذه المرحلة الحرجة بعيداً من السياسة، تتكون من نقاط تشارك بها الدولة عبر وزارة العمل، وزارة التنمية الادارية، المؤسسة الوطنية للاستخدام، القطاع الخاص، ومجالس الاعمال اللبنانية في بلدان الاغتراب والقطاع الخاص.

هذه النقاط هي:

اولاً: اقتصاد العمل الحر "Gig Economy". فمع تطور الاقتصاديات العالمية وانخفاض أعداد الوظائف برزت فكرةGE لتكون احد الحلول لمشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب اللبناني. وهي تعتمد على توظيف الشباب بناء على الاحتياجات الموقتة للمؤسسات في مختلف المناطق اللبنانية بدون تحديد منطقة جغرافية معينة ووقت معين لأداء العمل.

ثانياً: "ريادة الاعمال". للاسف أصبح سوق العمل مشبعاً، وبالتالي يجب أن نشجع الشباب للتوجه الى ريادة الاعمال، وأن يبحثوا عن شغفهم في عمل ما، ويطوروه، وخصوصاً مع وجود مبادرة مصرف لبنان (التعميم رقم 331 عن البنك المركزي في العام 2014) لتشجيع مبادرات رواد الاعمال والشركات الناشئة.

إنّ دعم المشروعات الصغيرة وتشجيع حاضنات الاعمال وتشجيع رواد الاعمال، كلها تساهم في حل مشكلة البطالة. أذكر أنه تم استثمار اكثر من 950 مليون دولار في هذا المجال، في الشرق الاوسط وشمال افريقيا في عام 2018.

ثالثاً: العمل عن بعد Work Remotely اثر جائحة كورونا استطاع عدد كبير من الموظفين القيام بأعمالهم من المنزل. وأثبتت هذه الثقافة أنها أصبحت مقبولة من أصحاب الاعمال والموظفين. وأرى اليوم أن الفرص مؤاتية لأن نتعاون مع مجالس الاعمال المنتشرة في الخليج والعالم لفتح باب التوظيف للخزان البشري اللبناني من الشباب المؤهل للعمل من لبنان مع اهم الشركات عن بعد وبعدد ساعات مرن، مما يؤمن وظائف ومردودا و"فريش ماني" للاسواق المحلية.

رابعاً: تعزيز المحتوى المحلي "Local Content" وذلك عبر اعطاء الاولوية للمؤسسات والشركات الوطنية وعدم فتح المجال للشركات الاجنبية للدخول ومنافسة الشركات الوطنية بدون وجود شراكة حقيقية فعلية مبنية على تطوير الموارد البشرية وتأهيلها للعمل والمنافسة في خطوط العمل المطلوبة. كذلك على الدولة اجبار الشركات الموردة على استعمال المحتوى المحلي Local Content في جميع منتجاتها سواء أكانت غذائية أم صناعية. ونتيجة ذلك في النهاية، تشغيل اكبر، واستعمال اوسع للموارد المحلية من الطاقة العاملة.

خامساً: "التدريب من اجل الاصلاح Training to Reform . لقد دعا تقرير البنك الدولي الى المسارعة في اعادة تأهيل الجيل القديم من موظفي القطاع الحكومي بالاخص والقطاعات الاخرى لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة التي تعرف بالثورة التكنولوجية. وعليه، يجب ان نضع خطة وطنية متكاملة لتنفيذ ما جاء في التقرير من حيث اعادة تأهيل قدرات ومهارات الموظفين وخصوصا القدامى منهم لمعالجة المهارات الوظيفية التي يفتقرون اليها في تنفيذ اعمالهم مما يضمن لهم البقاء في وظائفهم وعدم انضمامهم إلى قائمة البطالة.

سادساً: "وظائف النفط والغاز". خلق فرص وظيفية في مجال النفط والغاز. هذه الصناعة المقبل عليها لبنان سوف تخلق 20 ألف فرصة وظيفية. وتزداد هذه الفرص مع الصناعات والخدمات المواكبة لها. لذا يجب أن نؤهل الشباب وندربهم على الانخراط فيها فور جهوزها للإنتاج. وأرى أنه يجب إنشاء مركزين للتدريب الفني في الشمال والجنوب، ذلك أن عكار خزان للعمالة اللبنانية والوقود البشري القادر على تغطية جميع الاحتياجات بعد تدريبها وتأهيلها. علينا من الآن أن نؤهل مواردنا البشرية لتكون جاهزة للعمل عند بدء الانتاج والتسويق .

سابعاً: "الفجوة الرقمية في التعليم".

يجب معالجة الفجوة الرقمية في التعليم في لبنان. هذه الفجوة التي أشار اليها توماس فريدمان في معرض شرحه عن التباعد بين النمو المستمر للتطور التكنولوجي وأسلوب تكيف النظام التعليمي معها، الذي يؤدي الى بطالة لجيل من الشباب لا يملك القدرات والتخصصات التي يجب ان تواكب الثورة التكنولوجية المتسارعة.

اليوم، نحن على ابواب خلق جيل جديد من الشباب اللبناني العاطل عن العمل. جيل من الشباب يعاني من الاخفاقات، مهمش يائس. واذا لم نسارع إلى اانقاذه فسوف نفقده بسبب الهجرة والجنوح نحو ما لا تحمد عقباه. علينا مسؤولية اخلاقية تجاه لبنان وشعبه وشبابه بأن يبقى ولا يزول! فكفى استنزافا لهذه البلاد وخيراتها وخبراتها، ولننظر الى الأخطار الاقتصادية المحدقة بنا والتي سوف تغير خريطة المنطقة، ولنطالب اليوم بإنشاء وزارات او هيئات لمعالجة اوضاع مستقبل الشباب اللبناني مثل: تنمية الشباب ومبادراتهم، الذكاء الاصطناعي وتنمية المعرفة التكنولوجية، تطوير الاستثمارات والتنمية المستدامة، تنمية الموارد والثروات الطبيعية والوطنية يترأسها نخبة من الشباب القادر على نقلنا الى مراحل متقدمة نحلم بها في هذا الوطن!

¶ خبير نفط وغاز وتنمية موارد بشرية ومؤسس مبادرة "لبننة".

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم