السبت - 05 كانون الأول 2020
بيروت 18 °

إعلان

"مقتل دمية" للسعودي حامد أحمد الشّريف: نحو العدالة للمرأة

المصدر: "النهار"
مارلين سعاده
"مقتل دمية" للسعودي حامد أحمد الشّريف: نحو العدالة للمرأة
"مقتل دمية" للسعودي حامد أحمد الشّريف: نحو العدالة للمرأة
A+ A-

يرى كثيرون أنّ واقعَ عصرِنا سبَّبَ تراجُعًا في الكتابة والإقبال على الكُتُب، فلم يعدِ النّاس يهتمّون باقتنائها أو قراءتها؛ في حين تُطالعُنا مواقع التّواصل بعناوينَ كثيرةٍ لإصداراتٍ جديدة، لعلّ الروايةَ تشغلُ الحيِّزَ الأكبرَ منها؛ ويُظهرُ التفاعل معها مدى اهتمام عددٍ لا بأس به من القرّاء بها. من خلال متابعتي لجديد دُور النّشر في العالم العربي بشكل عامّ، تسنّى لي الاطّلاع على العديد من الروايات، وفاجأني هذا التنوّع فيها. كما لفتني الحضور الشبابيّ البارز، وما يقدّمه من أعمال تتّصف بالحَبْكة المتقَنَة، والأسلوب الشائق، والغِنى المعرفيّ.

"مقتل دمية" للكاتب السّعودي حامد أحمد الشّريف، رواية ستَصدر قريبًا عن "دار غراب للنشر والتوزيع"؛ تسنّى لي قراءتها قبل صدورها، فجذبتني بشكل كبير، لما تتضمّنه من رسالة اجتماعيّة إنسانيّة مهمّة، تتناول حقوق المرأة العربيّة، وتهدف إلى توعيتها على كيفيّة التعامل مع واقعها الصّعب، وحثّها على تغيير هذا الواقع عوض الهروب منه. كما أنّ الرواية متقَنَة الحبكة، ولا تصنُّعَ فيها، إذ نجح الكاتب في نقل مشاعر وخبايا نفس الشّخصيّة الرّئيسة التي تسرد لنا الوقائع بدقّة وصدق متناهيَيْن، وبأسلوبٍ روائيّ غنيّ بالإثارة والتشويق، الأمر الذي جعلها قريبة جدًّا من الواقع.

اللافتُ أيضًا في الرواية، بُعْدُ الرؤية لدى الكاتب، الذي يستخلص -على لسان البطلة- العِبَرَ من الأحداث، بالأخصّ في كلامه على الوطن وصِلة الإنسان العميقة به، والمرأة وأهمّيّة نيلِها حقوقَها وحرّيّتَها، وتصدِّيها لكلّ من يحاول أن يغتصبَها منها. فجاءت الرّواية صرخةً مدوّية في وجه مجتمعٍ عاشت فيه المرأة طويلا في الظِّل، لا يحقُّ لها أن تُبديَ رأيها، إذ ثمّة من يتكلّم باسمها، ويقرّر عنها، ويُبقيها خلفه بحجّة حمايته لها وصون عِرضها وعِرضه، ويتصرّف في كلّ ما يخصُّها على أنّه ملكه، كما يعتبرها هي الأخرى كأحد مقتنياته، حتى باتت مغيَّبة بشكل شبه كامل. فتعلنُ البطلة رفضها لهذا الواقع، محاولة تأكيد العكس، وتغيير صورة المرأة في أذهان الشرقيّين والغربيّين على حدٍّ سواء: "لعلَّهم يظنُّون أنَّ المرأة العربيَّة المُغرِقة في البداوة متخلِّفة، لا تُتقن شيئًا غير أن تكونَ أنثى يفترشُها الرجل، فتُكثر سوادَ بني جنسها. وعندما تأتي بأيِّ عمل خلافَ ذلك، يُعَدُّ أمرًا خارقًا يستحقُّ الوقوفَ والتأمُّل". (ص 16).

هذه الأمور كلّها يضيء عليها حامد أحمد الشّريف من خلال روايته "مقتل دمية"، موظِّفًا موهبته ومخزونه الثقافيّ من مطالعاتٍ ودرايةٍ بفنّ الرّسم -الذي يخصّص له حيِّزًا كبيرًا في الرواية- ورحلاتٍ سياحيّة قام بها إلى أوروبّا -تحديدًا سويسرا- ليضعَنا في أجواءٍ مثيرة، أكان من ناحية اللّغز الذي يحيط بالدّمية -ما يذكّرنا بروايات أغاتا كريستي وما يكتنفها من غموض- أم من ناحية وصفه للأماكن الخلّابة التي تدور فيها الأحداث، والتي زارتها البطلة خلال هجرتها القسريَّة القصيرة إلى تلك البلاد.

البطلة إذًا شابّة سعوديّة، تهوى الرسم، هجرت بلادها لتعيش في الرّيف السويسريّ، في مدينة "أنترلكن" تحديدًا، حيث اختارت فندقًا قديمًا قرب بحيرة، ما هيّأ للرواية المزيد من أجواء الغرابة والغموض. منذ البداية يظهر شغف البطلة بالطّبيعة وبكلّ ما يحيط بها من مناظر خلّابة؛ فنجد الكاتب يضع إطارًا محدّدًا لكلّ مشهد، يحجز فيه كلّ تفصيل وكلّ حركة تقوم بها الشّخصيّة الحاضرة ضمنه، حتى لَنشعرَ أنّنا نراه يتحرّك أمام أعيننا كما في مشهد سينمائي مصوَّر.

من بداية الرواية نلاحظ لدى البطلة هذا الاهتمام الزائد بتحليل نفسيّات الأشخاص الذين تلتقيهم، وحركاتهم وسكناتهم، بشكل يبدو أحيانًا مَرَضِيًّا، لما يعتريها من شكّ وخوف من نظراتهم لها. ولكن قد نجد موقفهم هذا تجاهها طبيعيًّا حين نعلم أنّها تتنقّل بينهم بزيّها العربيّ الفريد: عباءة سوداء تستر جسدها بالكامل، وحجاب يغطّي رأسها، ونقاب يخفي وجهها فلا يظهر منه سوى عينيها. وقد أشارت خلال السّرد إلى هروبها في أحيان كثيرة من سيّارات الشرطة، مخافة أن تُجبَرَ على رفع النقاب للتأكُّد من شخصيّتها. إلّا أنّها في لحظة جموح، ودفاعًا عن كبريائها، لم تتوانَ عن التخلي عن زيّها بطرفة عين: "لا أعرف حينها سبب ما قمت به، إلّا أنّني – ودون شعور منِّي – اقتربتُ منه ونزعت النِّقاب عن وجهي والغطاء عن ورأسي. هكذا فعلت، بدون مقدِّمات. ظهرتُ أمامه بكامل زينتي، بل بالغت بنثر شعري بطريقة مستفزَّة بعد نزعِ مطّاطٍ كان يجمع شتاته." (ص 106).

لعلّ الميزةَ الأبرز في هذه الرواية تقصُّدُ الكاتب الغموض عند الحديث عن الشخصيّات، تاركًا المجال للقارئ النّبيه ليُحلّلَ ويَستنتجَ عمّن يتكلّم. فهو يقوم أحيانًا بوصف حدَث معيّن يُبقي فيه إحدى الشخصيّات مجهولة الهويّة، أو يُنهي الفصل من دون أن يوضحَ لنا حقيقة الشخصيّة التي تحدّث عنها، لنعود فنكتشفها بأنفسنا وبشكل تلقائيّ -من خلال السياق- في فصل متأخِّر. وقد برع في الانتقال من مشهد إلى آخر متوقِّفًا عند عقدة معيّنة، مولِّدًا لدينا الحشرية لمعرفة ما سيجري، لكنّه يؤخِّر تتمّة المشهد إلى منتصف أو آخر الفصل الذي يليه، أو حتّى إلى ما بعده بفصول.

أيضًا نجد ملفتًا لدى الكاتب الشابّ هذا العمق في طرح الأفكار وصَوْغ الحِكَم من الأحداث، بالأخصّ في حديث البطلة عن وطنها، وما تُسبِّبُهُ الغُربة من جراح. كما يُبهرنا بما تستعيده البطلة من مشاهد حياتِها، وحواراتها مع والدتها، التي يصوغُ جُملَها وعباراتِها كما هي، باللهجة العامّيّة، ما يُضفي على السرد مزيدًا من الصّدق والواقعيّة. ولعلّ أجملَ ما في هذه الحوارات بين الأم وابنتها، وَعيُ الابنة، بعد رحيلِها، لحقيقة وصحّة ما كانت ترمي إليه والدتُها وهي ترفِدُها النُّصح. كما يتكشّف لنا من خلال هذه الذّكريات سبب مغادرتها وطنَها وهجرتِها، وما تركه هذا الأمر من أَثَرٍ في نفسها، وشعورٍ بالغبن والظُّلم والتَّعدّي على حقوقها؛ فيتّضح لنا أنّها ابنة أسرة ميسورة، ولكنّها جُرِّدت من حقوقها وأموالها بعد موت أبيها. وهنا تنقل لنا بعضًا من مشاعرها حيال هذا الوالد، وما تفرضه العادات والتقاليد من تباعُد يحولُ دونَ التعبير عن مشاعر الأبوّة والبنوّة كما ينبغي. كما تُظهر في المقابل مدى ضعف الأم وخضوعِها، حيث لا سلطة لها على ابنِها، لمجرّد كونها امرأة، وهو رجل.

باختصار، يعرض الكاتب من خلال هذه الرواية واقع المرأة العربيّة عمومًا، والسَّعوديّة خصوصًا، مضيئًا على معاناتها، وما يَلحقُها من ظلم، بحجّة حمايتها وصون شرفها؛ وقد أحسن اختيار الشّواهد الدامغة ممّا تفرضه العادات والتقاليد، ويتحوّل إلى قيد يَحدُّ من حرّيّة المرأة، ويَخنق صوتها، ويَحرمها الكثير من حقوقها.

في مقابل هذا التشرذم الحاصل الذي أتى نتيجةَ واقع البطلة، ورمى بها في بلاد الغربة، يُدخلنا الكاتب أجواءً مختلفة من خلال قصّة حبٍّ تنشأ بين البطلة وابن صاحبة الفندق الذي تقيم فيه؛ فنختبر من جديد مدى دراية حامد أحمد الشّريف بأحاسيس المرأة، وعنفوانها الذي يتحكّم ببعض مواقفها، ولو على حساب العادات الموروثة والتقاليد؛ كما ينجح في إظهار ما يؤثّر فيها ويجذبها في الرجل. وعلى قدر احتدام نار هذا الحبّ الجارف في قلب البطلة، يأتي حجم تضحيتها به، وذلك من أجل تحقيق العدالة لنفسها ولبنات جنسها. وقد مهّد الكاتب للوصول إلى هذه المرحلة وهذا القرار، من خلال قصّة الدمية التي أدخلَنا في دوّامتها، وما تُسبّبه من رعب للبطلة؛ فتَكثر تساؤلاتُها -كما تساؤلاتُنا- حول هويّتها، وسبب زياراتها الليليّة الدائمة لها، والشّخصيّة الغامضة التي تلاحق هذه الدمية باستمرار، مضمِرةً لها الشّر، ساعية إلى قتلها والتخلّص منها. وقد وُفّق حامد أحمد الشّريف بشكل مذهل في إدخالنا أجواء الرُّعب المسيطر عليها، بأسلوبه الوصفيّ الشائق والمثير.

في الوقت نفسه، نجد البطلة -بين الوقت والآخر- تهجر مقرَّ إقامتها في "فندق القنطرة" –كما أسمته- في مدينة "أنترلكن"، هربًا من معاناتها الجديدة في بلاد الغربة، لتأخذَنا معها في رحلات سياحيّة خلّابة ( مدينة هايدي، هارْدِر كُولْم، بحيرتَي "ثُون" و "بْرِيِنْز"...)، حيث يفاجئها حبيبها بلحاقه بها في بعض هذه الرحلات، ليُمضيا معًا أسعد اللّحظات. كما يكشف لنا طيبة البطلة وتواضعها، بالأخصّ من خلال العلاقة التي تربطها بخادمة الفندق "ألكسندرا أَليتْشي" التي تشكّل الشَّخصيّة الأساسيّة في الرواية إلى جانب البطلة؛ كما من خلال علاقتها بالراهبة الأخت "سارة غرينر".

في صراعِها -على مدى الرواية- تخرج البطلة بعدد من الاستنتاجات التي جاءت كخلاصة لمعاناتها وشعورها بالغربة؛ فقد أدركت من خلال تجربتها أنّنا "نتنازل كثيرًا أمام مصالحِنا، وقد نُرخِّص أنفسَنا في سبيل ذلك." (ص 236)؛ ويتأكّد لها أنّ هروبها من بلادها كان غباءً: "كنت أظنُّ – لفرطِ غبائي – أنَّ هربي انتصارٌ كبيرٌ يُسقط خصومي؛ بينما كنتُ أكرِّس ضعفي، وأمنحهم فرصة الإمعان في قتلي أو التعدِّي على حقوقي". (ص 297). وبذلك توجّه رسالة إلى كلّ امرأة في بلادها، طالبة منها ألّا تتراجع عن حقوقها، أو تتخلّى عنها بسهولة، وأن تسعى بكلّ قوّتها لتحافظ على وجودها، وتعيش في بلادها حرّة مرفوعة الرأس، دأبها يوم كانت طفلة صغيرة لا شيء يقيّد انطلاقتها: "حين كنتُ فتاة يافعة تتفجَّر أنوثةً ولا تعي من دنياها سوى الفرح، كانت ضحكاتي تهتك أستارَ الكون، تُسمَع في أركان منزلنا." (ص 296)؛ إلّا أنّ أهل بيتها خنقوا صوتها، وقاموا باستغلالها، ما سبّب لها معاناة نفسيّة كبيرة، تجلّت في الأحلام المرعبة التي سيطرت على لياليها، ما دفعها إلى الصراخ رفضًا لهذا الظلم، كما إلى دعوة النساء في بلادها للوقوف في وجه كلّ من يحاول هضم حقوقهنّ، حتّى وإن كان من أقرب المقرّبين لهنّ، معلنة عن غايتها هذه بشكل مباشِر: "لربّما وسعني نصرة كلِّ الفتيات المضطهَدات، وتبصيرهنَّ بحقوقهنَّ المسلوبة. لا أحتاج أكثر من إطلاعهنَّ على قصّتي، حتى لا يكنَّ بعدها دمًى تُحركهنَّ مجتمعاتهنَّ المتخلِّفة، وعاداتُها البالية أو فتاويها المزيَّفة التي أُوقِفَت عليهنَّ، في وقت تغاضت عمَّا يرتكبه ذكرانها من طوامّ، وكأنَّ الحياة ابتُليت بنا ولا تستقيم إلا بوأدنا!" (ص 298)

وتختم بتصميم ووعي ورفعة: "لن أكون دمية بعد اليوم، حتّى مع هوى نفسي ونوازعِها". (ص 298)

لطالما نجحت "دار غراب للتوزيع والنشر" المصريّة باختيار الأجود، ورواية "مقتل دمية" هي واحدة من الروايات القيّمة التي تقدِّمها هذه الدار، والتي تضيء على الحضور الأدبيّ الرفيع للكاتب السعوديّ حامد أحمد الشّريف، ودوره الداعم للمرأة وحقوقها.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم