السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

بعد 13 عاماً هل يُعاد العمل بخدمة العلم؟ التجنيد الإجباري أكثر من ضروري... ولكن

منال شعيا
منال شعيا
Bookmark
بعد 13 عاماً هل يُعاد العمل بخدمة العلم؟ التجنيد الإجباري أكثر من ضروري... ولكن
بعد 13 عاماً هل يُعاد العمل بخدمة العلم؟ التجنيد الإجباري أكثر من ضروري... ولكن
A+ A-

ليس جديدا ان يعود الحديث عن خدمة العلم في لبنان. فبين الفينة والاخرى، تبرز هذه المسألة الى الواجهة، تارة عبر اقتراحات قوانين، وطورا عبر مشاريع يستند اليها الوزراء المعنيون فور تسلمهم مهماتهم.

\r\n

هذا ما جرى اخيرا حين اعيد الحديث عن مشروع تحضّره وزيرة الدفاع زينة عكر حول اعادة إحياء خدمة العلم، على ان تكون لأشهر محددة او لفترة سنة، وتتضمن خدمات اجتماعية ووظائف ادارية وتعليما وغيرها من النشاطات.\r\n

إلا ان عكر، ومعها قيادة الجيش، تتكتم عن تفاصيل المشروع، في انتظار ان تتبلور نقاطه ويُطرح رسميا على طاولة البحث. \r\n

في الواقع ليس في الامر اي جديد، اذ ان تاريخية خدمة العلم في لبنان والخط البياني لها يشيران الى عدم ثباته، فأحيانا يرتفع لاعادة العمل الى الخدمة، واحيانا اخرى ينخفض وسط مطالبات بالغائها. فأي تاريخ يمكن تفصيله حول الخدمة الالزامية او ما يعرف بالتجنيد الاجباري؟

تاريخية الخدمة\r\n

صدر أول قانون لخدمة العلم في لبنان في 8 كانون الأول 1953، وبموجبه أدخلت وزارة التربية التدريب العسكري في مناهج طلاب المرحلة الثانوية، وقد استمر حتى العام 1975. اعتمد التدريب وليس الخدمة العسكرية كما هو متعارف عليها اليوم، بحيث كان الشباب يمضون فترة وجيزة لا تتعدى الأشهر في التدريب. واستمر هذا الوضع حتى عام 1975. أما في1983 فتم تأسيس معسكر في الجمهور ولكن لم يكن هناك أي نوع من الإنشاءات أو المباني بحيث كان المجندون يخدمون ويمضون الليل في شوادر. ولم تستمر هذه التجربة طويلا لعدم استقرار الوضع . وبالتالي فان اول معسكر رسمي تأسس عام 1993 في الوروار وعرمان.\r\n

اول معسكر رسمي لخدمة العلم في لبنان تأسس في الوروار في 1 شباط 1993، وكانت البداية مع طلب مواليد عام 1973 لتأدية الواجب، وجرى استدعاء أول دفعة من المدعوين إلى الخدمة في 2 آب 1993 ليتابعوا في المعهد دورة التنشئة الاساسية في مختلف ألوية الجيش التي سيُشكَّلون اليها.\r\n

هكذا، وبعد انتهاء الحرب اللبنانية بسنوات، كان العمل على تفعيل التجنيد الاجباري بهدف تثبيت السلم الاهلي وادماج الشباب بعضهم ببعض، من مختلف الطوائف والمناطق، بعدما كانت الحرب قد فعلت فعلها في تباعد اللبنانيين وتهشيمهم. كانت هذه الفترة اكثر من ناجحة، وانخرط خلالها الشباب اللبناني بعضهم مع بعض، وتعرّفوا الى العادات والاختلافات والهواجس.\r\n

يقول العميد المغوار المتقاعد فارس الخوري لـ"النهار": "لو كانت خدمة العلم لا تزال مطبقة حتى الآن، لما وصلنا ربما الى هذا الدرك".\r\n

هو ينطلق من ان خدمة العلم "ضرورية جدا جدا، لان السنة التي يمضيها الشباب اللبناني بعضهم مع بعض في هذا الجو التآلفي، تعطيه ايجابية على كل الصعد، الاجتماعية والعائلية والسياسية. ان خدمة العلم هي نمط تغيير حياة بكاملها. واللافت ان كثرا ممن اختبروا خدمة العلم بقوا في الجيش، مما يؤكد نجاح التجربة".\r\n

2005 والالغاء التدريجي\r\n

استمر التجنيد الاجباري 14 عاما، ولم تسجل اي حادثة خارج السياق. لا بل على العكس، كان الانصهار الوطني هو الميزة الاساسية. \r\n

في اواخر عام 2004، وبالتدريج، بدأ العمل على الغاء قانون خدمة العلم. وتحديدا في 11 تشرين الثاني 2004، أقر مجلس النواب تعديل "قانون خدمة العلم"، وشمل التعديل "خفض مدة الخدمة الإلزامية من سنة إلى ستة أشهر، تمهيداً لأن يكون قانون الإلغاء النهائي نافذاً بعد سنتين". \r\n

اما في 4 شباط 2005، وتحت القانون الرقم 665، فقد اقر مجلس النواب القانون الآتي: "خلافاً لأي نص آخر، تلغى خدمة العلم المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي الرقم 102 تاريخ 16/9/1983 قانون الدفاع الوطني، بصورة نهائية بعد مرور سنتين على نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية". \r\n

هكذا، وتدريجا حتى عام 2007، كانت خدمة العلم قد ألغيت تماما في لبنان. \r\n

يومها، كانت البلاد غارقة في ازمة الـ2005، وما تلاها من انقسامات عمودية وافقية، نخرت المجتمع اللبناني بكل اطيافه. من ازمة الاغتيالات الى الاختلافات البنيوية بين الاحزاب، ففضّل المعنيون إبعاد الجيش عن هذه الاختلافات وألغيت خدمة العلم. كانت الظروف السياسية اكثر من ضاغطة، وان كان البعض يتحدث ايضا عن ظروف مادية، فرضت نفسها، لكن التجربة الغيت... حتى اشعار آخر.\r\n

اليوم، يطلّ مشروع عكر. هو ليس بالجديد او الطارىء، اذ انه في آب 2019، اي قبل نحو عام، عاد الحديث بقوة عن خدمة العلم، وتردد يومها ان ثمة "مرسوما جمهوريا سيحال على مجلس الوزراء ويبلّغ لقيادة الجيش ويُنشر في الجريدة الرسمية، لاعادة العمل بخدمة العلم، مع تحديد الشروط، على ان تراوح مدة خدمة ما بين ثلاثة الى ستة اشهر".\r\n

ويومها ايضا، سارعت قيادة الجيش الى نفي الامر، موضحة ان لا مرسوم في هذا الصدد. \r\n

بعدها، برز الى الضوء اقتراح قانون قدمه النائب علي درويش من (كتلة "الوسط المستقل" التي يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي). وفق اقتراح القانون، لا تندرج خدمة العلم في اطار الخدمة الإلزامية المتعارف عليها، بل ستأخذ "صيغة وطنية"، بمعنى ان تساهم في تعزيز تعاطي الشباب اللبناني بشكل مسؤول مع المؤسسة العسكرية، لتحفيز انصهارهم الوطني واندماجهم في الخدمة المدنية والاجتماعية، ويمكن ان تمتد ثلاثة اشهر فقط او ستة اشهر. الا ان اي تقدم لم يوصل اقتراح القانون الى خواتيمه بعد، في وقت يطلّ اليوم الى الواجهة، مشروع الوزيرة عكر، الذي تبدو تفاصيله الاولية الضئيلة مشابهة تماما لمضمون اقتراح درويش.

أي عودة؟\r\n

والسؤال: هل الجيش جاهز اليوم لاعادة إحياء التجنيد الاجباري؟\r\n

يجيب الخوري: "بالطبع، لانه مهما كانت الظروف، ينبغي ان تبقى خدمة العلم. حتى اني اؤيد خدمة العلم للاناث ايضا، وان كانت بطابع مختلف، لكون خدمة العلم قيمة للوطن ككل".\r\n

الا ان الخوري يدرك الظروف الحالية التي تمر بها البلاد، ويقول: "لا اعرف ما اذا كانت ازمة كورونا تعوق الآن اختلاط الشباب بعضهم مع بعض، ولكن بغض النظر عن هذا الظرف الصحي الطارىء، والذي سيزول يوما، فان خدمة العلم اكثر من ضرورية للشباب اللبناني في هذه الظروف".\r\n

وما فائدتها في الظروف الصعبة التي تمر على اللبناني كالكابوس؟ يجيب الخوري: "من المهم جدا ان يجتمع الجميع تحت راية العلم اللبناني، لانه اذا كنا متعددي الانتماءات والسياسات، فانه من الملح ان نجتمع على قواسم مشتركة موجودة عند الجميع، ومؤسسة الجيش هي اكثر ما تؤمّن هذه التعددية الصحيحة والحقيقية وغير المزيفة. ففي عز الازمات، تبرز الحاجة الى الجيش وقيمه".\r\n

ولا يخفي الخوري العامل المادي، لاسيما وسط هذا الشح المالي الذي تعيشه البلاد، ويقول: "لا ارى ان ثمة تكاليف كبيرة على الخزينة، وبكل الاحوال فان على السلطة تخصيص الاموال لهذه الخدمة لما تقدمه من منافع مقابلة، وعلى كل المستويات".\r\n

بعد 13 عاما من التوقف، قد تعود خدمة العلم الى لبنان. حين يجتمع ابن طرابلس مع ابن جونيه مع ابن الجبل، حتما يزول الكثير من الفوارق. وعند اشتداد الازمات، تصبح الحاجة ملحة الى الالتقاء، والجيش هو خدمة للبنان الكيان، وهذا اكثر ما نحتاج اليه اليوم، وسط التصدع والتأزم...