احذروا غضب النساء!

17 تموز 2019 | 18:45

الصورة عن صفحة "التجمّع النسائي الديموقراطي اللبناني" على فايسبوك.

أنتِ امرأة؟ لا يهمّ إلى أي طائفة تنتمين أو بأيّ عائلة تتحصّنين أو أيّ امتيازات تمتلكين أو في ظل أي ظروف تعيشين... فقط لأنّكِ إمرأة، فأنتِ تعاملين كناقصة أهلية وحقوق، وكأداة للمتعة والإنجاب فقط، وكملحقة بالرجل، وكناشز في حال تمرّدك على طاعة زوجك... فقط لأنّك امرأة، فأنتِ محكومة بأن تدفعي يوميًا ثمن الظلم اللاحق بكِ، جرّاء تخلّي دولتك عن واجب حمايتك وتحكّم قوانين أحوال شخصية طائفية بمفاصل حياتك وحياة أطفالك.

فتحت قضية #غدير_الموسوي النقاش على مصراعيه حول ظلم وإجحاف المحاكم الجعفرية بحقّ النساء، لا سيما في ما يتعلّق بالحضانة، فحرّكت الإعلام والساسة للتهافت على التضامن معها وإعلان مواقف نصرةً لحقوق النساء، ولعلّ أبرزها دعوة النائبة عناية عز الدين المجلس النيابي اليوم للمسارعة الى مناقشة اقتراحات القوانين المتعلقة بالمرأة وبتّها. ولكن مهلًا، هل من شأن ذلك التضامن كلّه أن يحرّك المياه الراكدة في بحر القوانين المرمية في أدراج المجلس النيابي، الذي وبآدائه الشبه متخاذل يقول يوميًا إنّ قضايا النساء ليست بأولوية، فتزويج القاصرات مباح باسم الدين ولا نقاش جدّياً لقانون تحديد سنّ الزواج بثماني عشرة سنة الذي تقدّم به "التجمّع النسائي الديموقراطي اللبناني" منذ ما يتعدى الثلاث سنوات والمرمي اليوم في أدراج لجنة الإدارة والعدل النيابية، والتحرّش بالنساء في العمل والشارع والحيز الخاص لا يستحقّ دراسة جديّة لاقتراحات القوانين المقدّمة لتجريمه، وحقّ النساء بالمواطنة الكاملة ومنح الجنسية لأسرهنّ لا يزال يشكّل خطراً كونياً على "لبنانية" هؤلاء... أمّا كلّ ما يمسّ بحياة النساء الخاصة من زواج وطلاق وحضانة ونفقة وإرث وغير ذلك، فهنا الطامّة الكبرى!

مئات النساء سبقن غدير إلى درب الجلجلة وصُلبن وفلذات أكبادهنّ على مذبح أبويّة قوانين الأحوال الشخصية الطائفية الـ15 وعنفها في لبنان. لا ليست المشكلة في المحكمة الجعفرية فحسب، بل هي مشكلة عامة عابرة للمذاهب التي تجتمع بكلّيتها على قهر النساء والتحكّم بحيواتهن. فمن منكم\ن سأل ماذا حلّ بدوللي الخباز، الأم التي آثرت الاعتصام أمام الصرح البطريركي في بكركي والإضراب عن الطعام رفضًا لقرار المحكمة الابتدائية المارونية بحرمانها من حضانة ابنتها (7 سنوات) وابنها (15 سنة)؟ ومن تابع ما يحصل اليوم بحياة ميسا منصور التي واجهت قراراً من المحكمة الشرعية السنّية يقضي بانتزاع ابنها، البالغ من العمر تسع سنوات، منها بواسطة؟ من منكم\ن يعلم عن خبايا أوجاع النساء من المذاهب الإسلامية والمسيحية كافة المهدّدات بالحرمان من أطفالهنّ واللواتي وإن حصلنا على الحضانة، فإنّ هذه القوانين البالية تحرمهنّ على أيّ حال من حق الولاية على أولادهن القصّر ممّا يبقيهن وبقوّة الدين والشرع خاضعات لمزاجية وحكم "الوليّ الجبري"؟

نحن في المجتمع النسوي، وفي حين يتفاعل الرأي العام مع هبّات إعلامية في قضية أو أخرى ثم يركد، نعايش الألم اليومي لنساء، تهدّد أمومتهنّ وخصوصيتهنّ وحريّتهن وحياتهنّ من ذكور يستندون على السلطة الأبوية التي منحتهم إياها المحاكم الروحية والشرعية في لبنان. فالتجمّع النسائي الديموقراطي اللبناني مثلًا والذي يستقبل سنويًا مئات النساء الباحثات عن استشارات ودعم قانوني وبشكل أساسي في قضايا الحماية من العنف والطلاق والحضانة، يشهد على رجال يذلّون طليقاتهم وأطفالهم بالنفقة، التي يتهرّبون منها باستمرار، وفي حالات كثيرة لا يدفعون إلى بعد إصدار قرار حبس بحقّهم، ورجال يلاحقون طليقاتهم ويرعبونهن ويهدّدونهن ويعنّفونهن على مرأى من أطفالهنّ وقوى الأمن والقضاء والمجتمع، ورجال يعاقبون النساء بمنعهنّ من حق رؤية أطفالهن، ورجال يحرمون الأمّ من حضانة أطفالها عبر خطفهم أو إخفائهم عن نظرها حتّى لو كانوا سيرمون بأطفالهم بأحضان جدّة أو زوجة أب...

إنّ معاناة غدير الموسوي ليست سوى عيّنة عن الوجع اليومي الذي نختبره في مراكزنا مع نساء من مختلف الخلفيات الدينية والمجتمعية والثقافية. نساء جلّ جريمتهنّ أنهنّ ولدن نساء في دولة ترمي بنسائها تحت رحمة مزاجية رجال الدين. نساء لن يبدّد خوفهن ويشفي وجعهنّ خبر تلفزيوني من هنا أو خطاب نيابي من هناك. نساء أقلّ ما يحقّ لهن قيام دولتهنّ بإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية يكرّس المساواة التامة في كلّ الشؤون المتعلقة بالأسرة بعيدّا من جور الدين والحاكمين باسمه. نساء إن توحّدن وثرن سيقلبن الطاولة على سلطتكم الأبوية والذكورية السّامة. فاحذروا غضب النساء!

للتبليغ عن أي حالة عنف أو طلب دعم أو استشارة قانونية، التواصل مع "التجمّع النسائي الديموقراطي اللبناني" للحصول على هذه الخدمة السرّية والمجانية عبر الرقم: 71500808.

اقرأ أيضاً: حضانتي حقي... التغيير آتٍ وهذا وعد

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard