"مقايضة الصمت"

19 حزيران 2019 | 13:19

ضرب عصفورين بحجز من الخبز (من أجواء القصّة- تعبيرية).

استبدت بي قبيل نهاية الصبيحة جوعةٌ على عجلة من أمرها فخرجت من المكتب لأفطر، من جديد. رب ضارة نافعة. هكذا سأضرب عصفورين بحجر من خبز. سأقتصد ثمن الغداء، لأن الجوع الجبان يفر لأدنى لقيمات. وبحسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صُلبَه، على الأقل حتى عودته إلى البيت، فيتناولَ طعاما يعرف جيدا من هيأه وكيف.

دخلت مخبزة تروقني صنعتها لأقراص مَادْلِينَةٍ مُشَكْلَطة صغيرة. ناولتني البائعة المادلينة في عقد ضِمني غير مكتوب من آلاف العقود التي نبرم ونمضي أو نفسخ ولا نشعر. ناولتها الدراهم فجمحت بي الذاكرة بدون مزيج من الشاي، جموحا بروستيا* وعادت بي لمحاضرات القانون المدني والالتزامات والعقود وظهير 1912 ودافيد سانتيانا المستشرق الفرنسي الذي أصدره بناء على المدونة المنسوبة لنابليون، بينما عمودها الفقري فقه مالكي غنمه فقهاء نابليون ومرافقوه في حملته على مصر والإسكندرية المالكية الفقه. استلهموها ورتبوها ترتيبا، سموها زورا الفقه الروماني الجديد. وهي بضاعتنا ردت إلينا في تعليب جديد.

عدت من تطوافي السريع وخرجت من المخبزة. وما إن وقفت عند عتبتها وهممت أن أنزل درجاتها الثلاث حتى رأيتُ جالسا في المقهى اللصيق الأديب والناقد عبد الفتاح كيليطو. من جديد..

صامتا، وحيدا على مائدة مستديرة صغيرة تكفي اثنين أو ثلاثة بالأكثر. تأملته هنيهةً يحتسي كوب شاي ويرسل بصره من حين لآخر ذات اليمين وذات الشمال. وقفت مترددا هل أقتحم عليه هدْأته؟ ربما يريدها لحظة وحدة وصمت وتفكر؟ ترددت لأن من على شاكلته عادة أباعد رغم قربهم. وبرقت لي بارقة، جعلتها حصان طروادة خشبُه حدثٌ وقع لي في حضرته. أو حصان نيتشه بعبارته هو. تقدمت إليه وسلمت عليه فرد السلام وجلستُ بجواره وقلت:

- لقد حضرتُ حفل توقيع كتابك الأخير في "كليلة ودمنة" وأود أن أعتذر لك عن شيء فعلته.

التفت إلي متعجبا وهو العاشق للتعجب بامتياز إذ شعاره في حضرة طلبته. أذهلوني ..

Etonnez-moi !

أردفت: - في نفس الحفل، حدث أن تقدم إليك صديقي لتوقع له كتابك فلا أدري.. وقع لك خلط مع شخص آخر وبدَل أن تكتب "إلى سعيد.." كتبت "إلى نور الدين.." وحين نبهك صديقي لذلك، تدخلتُ أنا بكل عفوية وقلت لك "دعها أستاذ كما هي واكتب إزاءها سعيد فإنها فأل حسن.." هناك أحسستُ بانزعاج على قسمات وجهك بينما كنتَ تصحح الخطأ.. فأود أن أجدد الاعتذار عن تدخلي فيما لا يعنيني..

أجابني: - آه.. كلا بالعكس.. بل أنا انزعجت من نفسي، أنا انزعجت.. (ثم بعد صَمْت وتفكير والتفات) لأنني أخطأت..

عند جوابه وقفَتْ نفسي على رِجلين من شجاعة وسكينة وتهيأت كي أتم الكلام:

- بالمناسبة لقد كنتُ أهديتك مجموعة قصصية من تأليفي، وأرجو أن تكون قد اطلعت فيها قليلا.

- آه نعم أذكر.. (صَمْت وتفكير) لكن لم أطلع فيها بعد.. (صَمْت وتفكير) أنت في مهنة التدريس؟

اكتفيت بالنفي دون إثبات.

- لا.. لست مدرسا ولكن لدي اهتمام بالأدب..

استتب صمت خشيت أن يطول فقلت له:

- هل من توجيه حول حرفة الحَرْف؟

- (بعد صَمْت وتفكير والتفات) لا يمكن أن يوجهك إلا نفسُك.. (صَمْت وتفكير) عليها المُعول.. (صَمْت وتفكير) ثم أنصحك أن تكثر القراءة.. (صَمْت وتفكير) المشكل انعكس اليوم، يبدو أنه لم يعد غياب الكاتب... (صَمْت وتفكير) ولكن غياب القارئ.. (صَمْت وتفكير) القارئ الجيد.. كنت في المعرض الدولي بالقاهرة فلقيت الكاتب الفلاني كان أشعث الرأس كأنه يبحث عن شيء مفقود أو شخص فقيد .. حين سألته قال لي بطريقة ديوجينية: "أبحث عن قارئ.."

من عادة كيليطو أنه يلد كلماته ولادة قيصرية، أو طبيعية بمخاض عسير. أردفت قائلا:

- القارئ عدو كما قلت في "الأدب والغرابة" أو "الأدب والارتياب" .. لا أذكر..

- نعم.. (صَمْت وتفكير) في "الأدب والارتياب".. في الحقيقة العبارة ليست لي بل نقلتها عن الجاحظ..

لم يزد عليها كلمة ولم يستفض. ماذا تريد أكثر من كتاب؟ اقرأ أولا. قلت له:

- إنني أعتبر نفسي أقرأ كثيرا ولكن هل أفهم حقا ما أقرأ؟

أجابني: - ليست مشكلة. (صَمْت وتفكير) هناك أشياء يفهمها الوعي.. (صَمْت وتفكير) وأشياء يتلقفها اللاوعي (صَمْت وتفكير) ويتفاعل معها تفاعله الخاص.. (صَمْت وتفكير) انظر الشعر الحديث.. (صَمْت وتفكير) لا يُفهم جله .. (صَمْت وتفكير) ولكن تجد نفسك تتفاعل معه مِن طرف خفي.. (صَمْت وتفكير والتفات) المجموعة القصصية هي إصدارك الأول؟

- نعم أستاذ. أعترف أنني كتبت متأخرا جدا. (لست أدري لماذا وعن ماذا اعتذرت)

- لا بأس... (صَمْت وتفكير) الأمر.. (صَمْت وتفكير) ليس غريبا عن الكتابة.. (صَمْت وتفكير) هناك من يكتب بسهولة ... وهناك من يكتب (صَمْت وتفكير) ويعيد الكتابة.. يظن أنه أخطأ عند كل كلمة..

كان ينطق كلماته تارة ناظرا إلى وتارة ملتفتا، مطيلا التفاته لحد السهو عن إتمام كلامه لكنه في الآخِر كان يعود ويتم كلامه. كلمات متقطعة بسيطة قد لا تحتاج لسؤال أصلا. لكن قيمتها أنها من فم خبير. ولا ينبئك مثل خبير. لم يكن يسرد الكلمات سردا. لم يكن يريد أن يعجب، أو لم يعد. كان يتحدث بتمهل كأن لسان حاله يقول. الكلمات ليست هي كل اللغة. الكلمات بعض اللغة. تذكر ذلك رغم عشقك للكلمات..

أتذكر أنني في ختام حفل توقيعه الذي اتخذته حصانَ طروادة أو حصان نيتشه كنت سألته لماذا لا يستفيض في الكلام، كأنه أتى للحفل مرغما مكرها. أجابني: "إنه إخراج.. لا غير".

لم أستوعب كلامه لحظتها فحملته على مقتضى إشارة العارفين الذين سقط عنهم ستار الادعاء وبدت لهم أنفسهم كاذبة عارية. كما وقع للفضيل بن عياض حين بلغه أن شخصا من علية القوم يريد أن يزورَه ويُلازمَه فقال: "ما يصنع بي؟ يُظهِرُ لي محاسن كلامه وأظهرُ له محاسن كلامي، لا يتزينْ لي ولا أتزينْ له.. ذلك خير له". 

نادى كيليطو النادل وأدى واجب الشاي. ومضى لحال سبيله بعدَ أن وعدني بفرصة أخرى، إن سنحت فالحمد لله، وإن لم تسنح فسبحان الله.

اقرأ للكاتب أيضاً: فقد يأتي الضيوف...

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard