أبواب الجحيم لن تقوى على مصرف لبنان

6 أيار 2019 | 16:01

المصدر: "النهار"

من الأرشيف.

إذا أحصينا عدد المقالات السنوية التي هاجمت فيها بعض الصحف مصرف لبنان وحاكمه لوجدنا أنها تفوق عدد أيام السنة. هذا الكمّ الهائل من المقالات لا ينبع إلا من خطّة مُمنهجة تقودها جهات خارجية وتُنفّذها للأسف أيدٍ لبنانية.

لماذا الهجوم على مصرف لبنان؟ هل مصرف لبنان هو المسؤول عن دين بقيمة 86 مليار دولار أميركي؟ هل مصرف لبنان مسؤول عن هيكلية الاقتصاد؟ هل مصرف لبنان هو المسؤول عن الفساد المُستشري في كل البلد (قطاع عام وخاص)؟

الواقع هو أن مصرف لبنان ارتكب خطيئة عظمى لأنه نجح في مهامه المنصوص عليها في المادة 70 من قانون النقد والتسليف. نعم ارتكب خطيئة عظمى لأنه على عكس كل مؤسسات الدوّلة، هو مؤسسة ناجحة بكل المعايير المالية والإدارية.

المُتضرّرون من أداء مصرف لبنان كثرٌ، لكن تجمعهم صفة مشتركة هي أنهم أعداء للوطن. نعم، إنهم أعداء للوطن لأنهم يصوبون سهامهم على أهم نقطة فيه ألا وهي الليرة اللبنانية. لا أفهم حتى الساعة لماذا الإمعان في ضرب الليرة إذ لم يكن خدمة لأعداء الوطن؟

يستخدم "أعداء الوطن" حججًا كثيرة في هجومهم على مصرف لبنان وحاكمه نذكر منها:

أولًا – إن تراكم الدين العام في لبنان مسؤول عنه مصرف لبنان وسياسته النقدية

ثانيًا – يعتبرون أن الهندسات المالية التي يقوم مصرف لبنان تهدف إلى أخذ الأموال من الدوّلة وإعطائها للمصارف

ثالثًا – تثبيت سعر صرف الليرة يُكلف الدوّلة اللبنانية أموالًا طائلة

رابعًا – تحرير سعر صرف الليرة سيعود بالخير على الاقتصاد اللبناني.

بالطبع هذه الحجج هي نسج خيال هؤلاء وتُشير إلى أمر من أمرين: إمّا دلالة على جهلهم في السياسات النقدية أو دلالة على تواطئهم ضد مصلحة لبنان وأمنه النقدي.

مصرف لبنان هو مؤسسة مُستقلّة إداريًا وماليًا عن الدوّلة اللبنانية. وبحسب قانون النقد والتسليف لا تخضع موازنة مصرف لبنان لمصادقة الدوّلة بل لرقابةٍ على تنفيذها يقودها مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان ومفوّضو الرقابة (شركتا تدقيق مالي عالميتان).

لا سلطة للدوّلة على مصرف لبنان إلا من خلال المجلس المركزي (سلطة القرار العليا في المصرف المركزي) المُعيّن كله من قبل الحكومة اللبنانية (الحاكم ونوابه، مدير عام المالية ومدير عام الاقتصاد). هذا المجّلس يمتلك حرّية وضع وتنفيذ السياسة النقدية ضمن الصلاحيات المُعطاة له في قانون النقد والتسليف.

وبالتالي، فإن أموال مصرف لبنان مفصولة كلّيًّا عن أموال الدوّلة اللبنانية. وقرارات الصرف تعود حصريًا إلى المجلس المركزي وليس للحكومة اللبنانية. وفي المقابل، لا سلّطة لمصرف لبنان ولا لمجلسه المركزي ولا لحاكمه على أموال الدوّلة التي تخضع حصريًا لسلطة وزارة المال ومن خلفها مجلس الوزراء مُجتمعًا.

إذاً، القول إن تراكم الدين العام مسؤول عنه مصرف لبنان هو جهل مُدقع لا يمّت إلى الحقيقة بصلة، وذلك أن أي قرار صرف مال يعود حصريًا للحكومة اللبنانية ووزير المال.

وكنتيجة لهذا الأمر لا تتحمّل خزينة الدوّلة كلفة الهندسات المالية ولا كلفة تثبيت سعر صرف الليرة. إذًا، من المُعيب ترديد هذا القول لأن في ذلك عتراف بجهل قائل هذه العبارة.

مصرف لبنان يدعم المصارف وهذا أمر مفروض عليه في المهمة الثالثة المنصوص عليها في المادة 70 من قانون النقد والتسليف، وعدم القيام بهذا الأمر يُعدّ مخلفة للقانون. إذًا، على ماذا يُلام مصرف لبنان؟ لتطبيقه القانون؟

على كلٍّ، أهم ما في الأمر أن كل دعم يُقدّمه مصرف لبنان للقطاع المصرفي يتحمّل كلفته حصريًا مصرف لبنان وليس خزينة الدوّلة. الجدير ذكره أن أموال مصرف لبنان المؤلّفة من أموال للدولة، أموال للمصارف، أموال للمودعين، أموال لمؤسسات عالمية أو مصارف مركزية عالمية، مفصولة كلّيًا عن أموال مصرف لبنان.

ويأتيك جهابذة السياسة النقدية ليقولوا إن تحرير صرف العملة ومدّ السوق بالسيولة سيُكبّر من حجم الاقتصاد. إلا أن ما يجهله هؤلاء هو أن اقتصاد لبنان مدولَر بنسبة 70%، ما يعني أن أي خفض لقيمة الليرة لن يكون له أي تأثير على الاقتصاد. أَضف إلى ذلك أنه في الأعوام المنصرمة حين وصل مستوى الفائدة إلى أدنى مستوى له، إمتنع المُستثمر من الإستثمار في الاقتصاد وحتى حين استثمر فإنه استثمر في القطاعات الخدماتية.

هل مصرف لبنان هو المسؤول عن السياسة المالية للدوّلة اللبنانية؟ بالطبع لا. إنها مهمة دستورية أعطاها الدستور للحكومة اللبنانية وحصر في مصرف لبنان مهام السياسة النقدية. إذًا، تردّي المالية العامة وضعف هيكلية الاقتصاد تتحمّلها وحدها الحكومات المتعاقبة ومن خلفها القوى السياسية.

إن المساس باستقلالية مصرف لبنان هو هرطقة قانونية، وتداعياتها قد تكون كارثية مع هروب رؤوس الأموال من لبنان. والأصعب في الأمر أن المسّ باستقلالية مصرف لبنان سيؤدّي إلى تقديم لبنان هدية على مذبح العقوبات الأميركية. وهنا نسأل عن مدى ترابط مشروع توطين النازحين بالهجوم على مصرف لبنان.

إن الفوضى الاجتماعية التي ستنتج عن انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية نتيجة المساس باستقلالية مصرف لبنان أو بسياسته النقدية، ستتحمّل نتائجها الحكومة اللبنانية ومن خلفها القوى السياسية. لذا نتمنّى على فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء الحفاظ على هذه الاستقلالية رأفة بالمواطن اللبناني.

يبقى القول إننا نتفهّم مخاوف موظفي مصرف لبنان وبالتالي الإضراب ليومين في الأسبوع المنصرم، إلا أننا لا نتفهّم ولا نتقبّل إضرابهم المفتوح نظرًا إلى التداعيات الخطرة التي قد تنشأ عن مثل هذا الإضراب، خصوصًا إذا ما استمر إلى فترة تفوق الأسبوع.

ولحين تقشّع الحقيقة من جلسة مجلس الوزراء، نرى أن لا مخاوف على الليرة اللبنانية ولا على السيولة ولا على التحاويل نظرًا إلى قدرة مصرف لبنان من خلال الـ Business Continuity Plan الذي يسمح له بالاستمرار خلال فترة مقبولة لحين عودة الأمور إلى نصابها.

كيف تتفادى الجفاف في رمضان؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard