هكذا بُعثتُ

30 نيسان 2019 | 11:59

المصدر: النهار

في تلك الأمسية الّتي امتدّت لساعاتٍ مضغها الزّمن و هضمها الفيض

أذكرُ جيّدًا ليلتها عندما وقفتُ في عزلتي أناجي النّجوم ، كان صوتي يرجفُ و كأنّني أتنفّسُ من ثقبِ إبرةٍ ، لم يكن فيني أيّةُ قوّةٍ ، كنتُ أزحفُ لأخطو خطوةً واحدةً ، كنت أعرجُ لأمشي... و في لحظةٍ رفعتُ رأسي بعدما كنتُ أظنّ ألّا حياة في تلك العظمة الّتي طحنها اليأس و استولى عليها الأرق... كانت ليلةً جميلةً ، تملؤها النّجوم ، أُطفئَت عواميدُ الإنارة ، ابتلع الدّيكورُ بقايا الأضواء المصطنعة ، و بقيَ القمرُ وحيدًا في كبدِ السّماء.

كانت ليلةٌ لا غمامَ فيها ، نُثرت النّجوم بعشوائيّةٍ ، كنتُ أراقبُ المجرّات و التّشكيلات الهندسيّة الّتي تنمّ عن تفاعلاتٍ فضائيّةٍ عنبريّة الهوى ، بعيدة المدى. مراقبتي كانت فطريّة لا تعتريها المادّة ، أكادُ حتّى هذهِ اللّحظة أجهلُ تلك القوّة الّتي انتشلتني بعنفٍ رقيقٍ من عزلتي ، أكادُ أجهلُ تلك الماهية الّتي لم أكتشفها إلّا في الزّمن الرّاهن ، كيف أبصرتُ؟ كيف رفعتُ رأسي؟ كيف عادت سيرورة التّفكير أنقى من ذي قبلٍ؟ كيف شاهدتُ شهابي؟؟

في تلك الأمسية الّتي امتدّت لساعاتٍ مضغها الزّمن و هضمها الفيض ، كانت تراتبيّة الفكرِ تدور بكلّ ما أوتيَت من اندفاعٍ ، كأنّها رأس مذنّبٍ و كأنّ رأسي ذيلهُ ، كلّما اندفعُ الرّأس محترقًا لمعَ الذّيلُ المزدوج بوميضٍ أثيثٍ. كان رأسي لُجّ محيطٍ بينما السّطحُ تنتحر فيه النّجوم لتُضيءَ ادهمامَ عينٍ تقعّرَ حجرُها الشّفّاف...

كان الشّهابُ الأوّل فعل إحياءٍ ، و الثّاني فعل انبعاث ، و الثّالث فعل تفاؤلٍ ، الرّابع كان نورًا ، فيما الخامس كان قوّةً مرهونةً بزمنٍ هو على هيّنٍ...

كانت ليلةً بُعِثتُ فيها بعدما أقحمني نزاع الموتِ في مصرعي الّذي كنتُ أخالهُ مدفني الأخير... كانت ليلةً تحقّقت فيها مُنيَتي بعد زلزالٍ لمْ يبقِ عضوًا سليمًا ، نهشَ القلبَ و فتك ، فآلمني من ظهري للعظم و النّخاعِ فالصّدر... و كانت تأوّهاتي بكماء ، لكن عيناي كانتا وشايتي و مبعث الضّياءِ.

هي ليلةٌ حُييتُ فيها برجاءٍ ، لن أفصحَ أينَ هو الآن و أين يرقد و ما هو ، لكنّ التّفكيرِ بهذه اللّيلة إنفراجٌ لأساريري و شفائي مؤقّتًا ، حتّى لو متّ سريريًّا ، فإنّ ذاك الشّهاب لا زالَ يرقدُ في رحمِ الكوكبِ التّوأم ، في مداراتهِ ، يطوفُ بلا كللٍ ، بلا مللٍ ، بسرمديّة...

كيف تتفادى الجفاف في رمضان؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard