خطة "ماكينزي" والإنماء المتوازن

15 آذار 2019 | 23:12

المصدر: "النهار"

ماكينزي هي شركة للاستشارات المالية العالمية تشتهر بتقديم الحلول للشركات والحكومات. أسّسها جيمس ماكينزي عام 1926 في شيكاغو، وبعد وفاته عام 1937 تسلّم إدارتها مارفن باور فحوّلها إلى شركة بارزة في الاستشارات الإدارية في الولايات المتحدة.

نجحت هذه الشركة بتقديم الخطط الاستراتيجية للعديد من الشركات في الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم. لكنها لم تسلم من بعض الإخفاقات، حيث أعلنت بعض الشركات التي استعانت بها إفلاسها بعد سنة من تطبيق خططها، مثل الخطوط الجوية السويسرية وشركة الطاقة الأميركية "إنرون" عام 2001.

أما بعد أن أصبح لبنان في المركز الثالث من حيث المديونية العامة في العالم بحسب وكالة "بلومبرغ"، ارتأت الحكومة اللبنانية أن تستعين بشركة ماكينزي لتضع رؤية شاملة للبنان بهدف تغيير مسار اقتصاده من ريعي الى منتج. وقد جاءت هذه الخطة الاقتصادية لتستكمل مؤتمر "سيدر" الذي يعوّل عليه اللبنانيون الآمال للنهضة ببلدهم على الصعد الإنمائية.

انطلقت الدراسة من تحليلات للوضع الراهن في القطاعات المنتجة مع ما تبرزه من ميزات تفاضلية، ثم استندت إلى دراسة قديمة سبق أن أعدّتها شركة "بوز أند كومباني" لمصلحة الدولة اللبنانية عام 2010، لتخرج بخطوط عريضة لمجموعة من الاقتراحات ركّزت فيها على ست قطاعات تجدها "كفيلة بإخراج الاقتصاد اللبناني من دوّامته"، وهي الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات المالية واقتصاد المعرفة والمنتشرون.

وقد أشارت وكالة "بلومبرغ" الى أنّ هذه الشركة قد حدّدت رؤيتها لاقتصاد لبنان وخرجت ببعض التوصيات التي تضمن له بعض "الأرباح السريعة" والتي يأتي من ضمنها: بناء مركز لإدارة الثروات والاستثمار والبنوك، فتح أسواق جديدة لمحاصيل لبنانية ذات مردود مرتفع كالأفوكادو والبندورة و"الحشيشة" أو "القنب الهندي" التي توصي بتشريع بيعه لغايات طبيّة. إضافة إلى بنود أخرى متنوعة، كالدفع بالسياحة، تربية المواشي، رفع إنتاجية المحاصيل من خلال استخدام التكنولوجيات الحديثة في الزراعة كما في غيرها من القطاعات المنتجة كالصناعة والخدمات المالية واقتصاد المعرفة، وإنشاء منطقة لبناء المنازل الجاهزة للسكن لاستخدامها لاحقاً خلال إعادة إعمار سوريا والعراق.

كذلك اشترطت خطة ماكينزي إجراء الإصلاحات المطلوبة من "سيدر"، وأوصت بتنفيذ المشاريع المطروحة فيه، فضلاً عن إطلاق مشاريع جديدة غير مشمولة به كبناء مركز المعرفة في بيروت، وتحويل صور وجبيل وبيروت إلى مدن سياحية.

بالخلاصة، تقدّم الخطة مجموعة من الاقتراحات والتوصيات التي تشدّد على ضرورة مضاعفة التركيز على القطاعات المُنتجة ذات القيمة الإضافية العالية، كما تقترح تحويل لبنان إلى مركز حضاري وتجاري وسياحي. وهي تفترض أن اتخاذ بعض الاجراءات كخفض أجور القطاع العام، و"تنشيط العمل التشريعي وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتحفيز الخصخصة ومكافحة الفساد كفيلة بالوصول إلى الأهداف المنشودة".

لا شك في أن هذه الدراسة قامت بالدور المنوط بها لناحية تقديم الاقتراحات التي تسمو بالقطاعات المنتجة، وهي تشير إلى احترامها للمشاريع المقترحة من السلطات التنفيذية في المناطق اللبنانية كافة. لكن السؤال الذي يُطرح : هل شملت فعلاً كل المناطق بشكل عادل وبخاصة تلك المحرومة منها؟

تظهر التوصيات أن الدراسة لم تنطلق من الحاجة المناطقية كما فعل البنك الدولي الذي سبق وصنّف بعض المناطق بالمحرومة أوالفقيرة، بل اكتفت بطرح أفكار تطويرية للقطاعات دون التركيز على مبدأ الإنماء المتوازن ودون الاستفادة من نقاط القوة الموجودة في بعض المناطق.

كيف مثلاً لا تصنّف طرابلس أسوة بجبيل وبيروت وصور كمدينة سياحية، بينما هي المدينة الأكثر غنى بآثارها وأبنيتها التراثية من عهد الفينيقيين والصليبيين والمماليك مروراً بالعثمانيين ووصولاً إلى مرحلة الانتداب الفرنسي؟ كيف يمكن أيضاً اختزال المشاريع التنموية في عكار بالتشجيع على زراعة الأفوكادو وغيرها من منتجات ذات مردود عالي دون الأخذ بعين الاعتبار أن عكار تتمتع بطبيعة عذرية خلابة في جبالها وفي شاطئها..؟

وفي حين أن طرابلس احتلت المركز الأول في نسبة البطالة وفي الفقر على حوض البحر الابيض المتوسط بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2017 وكانت بالتالي تستوجب خطة إنقاذية مستعجلة لانتشالها من حالتها الاجتماعية والاقتصادية، تكتفي خطة ماكينزي باقتراح بناء مكاتب تابعة للمنطقة الاقتصادية الخاصة ضمن أرض معرض رشيد كرامي الدولي!

وكما لأهل طرابلس وعكار تساؤلات عن جدوى هذه الاقتراحات لحل مشاكلهما المزمنة، فإن لباقي المناطق المحرومة تساؤلات أخرى عن أسباب عدم الانطلاق من مبدأ الإنماء المتوازن والعادل!

من الجيد أن تكون هناك دراسة مقترحة من مؤسسة خارجية، لكن الأجدى أن توضع الخطة النهضوية للاقتصاد اللبناني بشكل تشاركي محلي وبشكل يراعي خصوصية كل منطقة.

لذلك تطبيقاً لنظرية التنمية الشاملة التشاركية، فإن الحكومة مدعوة إلى مشاركة الرأي العام في المناطق بالمشاريع المقترحة الخاصة بها ضمن خطة ماكينزي، وذلك من خلال ورش عمل مناطقية يشارك فيها المعنيون من سلطات محلية ومجتمع مدني، والمتخصصون والأكاديميون، وصولاً إلى وضع أسس مشتركة عادلة للنهضة الاقتصادية بالبلد يتشارك بمسؤوليتها الجميع.

"كل ما اسمعها، بتوجعني معدتي"!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard