نرسيس والأنانية المتزايدة في العصر

12 آذار 2019 | 10:56

المصدر: "النهار

تقول الأسطورة اليونانية والمؤرَّخة في القرن السابع قبل الميلاد

إن "نرسيسز" أو " نرجس" كان يتمتع بجمال فائق، ما أوقع في غرامه العديد من الحوريات أشهرهنّ "إيكو". إلا أنه عندما وُلِدَ تنبّأ له العرَّاف الأعمى تيريسياس قائلاً: "ستحيا طالما أنك لا ترى نفسك".

ذات يوم، وكان لا يزال شابًا نادرَ الجمال، انحنى وهو عائد من الصيد، نحو ينبوع لكي يشرب، فرأى نفسه، وفي الحال أُغرِمَ بها، وطفق يرغب كثيرًا الاتحاد معها، ما جعله يقفز في البحيرة علّه يجد محبوبه في القاع، ولكنه لم يجد سوى حتفه.

وهكذا صدقت نبوءة العرّاف!

ماذا تريد الأسطورة اليونانية أن تقول؟

بدايةً، دعونا نتحدث عن الأشياء المتصلة بهذه الأسطورة ومنها وردة "النرجس" التي سُمِّيت تيمناً بصاحب الأسطورة، حيث إنهم يعتقدون بأن هذه الزهرة المنتشرة كثيراً في أوروبا وأماكن عديدة في العالم، قد برزت مكان وقوعه، فنشأت تحاكي جماله الأخاذ.

كما أن هناك واحداً من أهم العُصابات النفسية يحمل هذا الاسم وهو "اضطراب الشخصية النرجسية" أو "Narcissistic Personality Disorder"، وذلك لأن صاحب هذه الأعراض يحمل أهم صفات "نرسيس"، من حيث أنه إنسان يتصف بنموذج واضح ومستمر من الإحساس بالأهمية والعظمة والرغبة في إبهار الآخرين، وعدم الاكتراث بمشاعرهم، وهذا النموذج النفسي يبدأ في مرحلة مبكرة من البلوغ، ويتميز بتوفر خمس خصائص أو أكثر من الخصال النفسية التالية وهي:

لديه شعور العظمة بأهمية الذات (يبالغ في الإنجازات والمواهب ويتوقّع أن يُعترف به كمتفوق دون أن يحقق إنجازات مكافئة)؛ مستغرق في خيالات عن النجاح اللامحدود أو القوة أو التألق أو الجمال أو الحب المثالي؛ يعتقد أنه "متميز" وفريد ويمكن أو يجب فهمه، كما يجب أن يُصاحَب فقط من قبل أناس مميزين أو من طبقة عليا، أو من قبل مؤسسات خاصة؛ يتطلّب تقديراً مفرطاً؛ لديه شعور بالصدارة (التخويل) أي توقعات غير معقولة عن معاملة تفضيلية خاصة أو الامتثال التلقائي لتوقعاته؛ استغلالي في علاقاته الشخصية، أي أنه يستغل الآخرين لتحقيق مآربه؛ يفتقر إلى القدرة على التفهم العاطفي: يرفض الاعتراف أو التماهي بمشاعر وحاجات الآخرين؛ غالباً ما يكون حسوداً للآخرين أو يعتقد أن الآخرين يكنّون له مشاعر الحسد؛ يبدي سلوكيات أو مواقف متعجرفة ومتعالية[1].

هذه الصفات وغيرها من الصفات التي يواجهها العديد منّا تجعلنا أمام إنسان نخشى التعامل معه، نحاول عبثاً جذبه إلينا، استدرار عواطفه، أو أقله استعطافه مع مآسينا وأفراحنا، نحاول دون أمل يُذكر أن نكسر الحاجز الخارق الذي يصنعه دون اكتراث للآخر. وفي النهاية، جميعنا يشعر باليأس، ونتجنب التعامل معه من قريبٍ أو بعيد.

ولكن قبل الحكم على أصحاب هذا الاضطراب، دعونا نوضح أن أسبابه خارجة عن إرادتهم، مثل علاقة باردة غير متعاطفة وغير ثابتة مع الأبوين في مراحل الطفولة الأولى، أو الإعجاب الزائد وغير الواقعي من الأهل، أو الإيذاء النفسي للطفل، حيث يساهم ذلك في تكوين ردود فعل خاصة واهتمام زائد بالذات وبحبها، وغيرها... كما أن تغيّر شخصيتهم ليس بالسهولة التي قد يعتقدها الكثيرون، فالأمر يقترن أولاً بأهمية الاعتراف بوجود مشكلة ما، ومن ثم الذهاب إلى الإختصاصيين في هذا المجال.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا:

هل النرجسية حكر على أصحاب هذا الاضطراب؟ وهل كانت الأسطورة اليونانية تهدف إلى إيصال الرسالة إليهم، أم أن بداخل كل منا نرجسية بنسب متعددة؟

لقد كان سيغموند فرويد العالم النمساوي أول من استخدم مصطلح "النرجسية" من الناحية النفسية، وقد فرّق بين نوعين: النرجسية الاوّلية وهي أننا نولد جميعاً ولدينا حبّ الذات، وتعزّز محبتنا وسعينا لإشباع رغباتنا من خلال العلاقة مع الأمّ، وهي شيء طبيعي في مرحلة من النمو، تتطور فيما بعد إلى حب الآخرين، وفي حال عدم إشباع هذه الرغبات يحدث الانكفاء على الذات والتثبت عند مرحلة حب الذات الأولى، فيولد النوع الثاني الذي يعتبر عُصاباً أو أحد الأمراض النفسية التي تحدثنا عنها.

لكننا في عصرنا الحالي تخطينا هذين التصنيفين، فأصبحنا نشهد فئة جديدة في مواقع العمل، والمجتمع، ومواقع التواصل الاجتماعي، فئةً منتشرة من أصحاب "الأيغو" المتضخم أو حب الذات وتعظيمها، ونعلم أنه ليس هناك أكثر من مداعي النرجسية غير المبررة، وجميعنا مرّ بالكثير منها، ما جعلنا، ولو لفترة، نشعر بزهو عارم قد يتوقف بعد فترةٍ وجيزة، وقد يستمر في النمو إلى أن يصل إلى المرحلة التي نقرر فيها ولوج بركة نرسيس المشؤومة. ومن يعلم إن كنا سننجو من الغرق لأجل الذات، أم أننا سنلقى طوق نجاة عند الرمق الأخير، فنصحو من هذا الوهم الكبير... وما أكثر الحالات التي نمى بها الزهو والتعجرف، حتى تحوّل أصحابها إلى أبغض الناس، فنجدهم يتعاملون باستعلاء واستخفاف بقدرات الآخرين؛ أفكارهم وحدها تحمل طابع الأهمية، بينما أفكار الآخرين التي تختلف معها هي أشياء دون المستوى. يضعون منشوراتهم مثلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فينتظرون استقبال "اللايكات" والتعليقات، بينما تقتصر تفاعلاتهم هم على طبقة معينة يتزلّفون لها لفترة محددة وفق مصالحهم.

لو سردنا العوارض الأخرى سنجد الكثير مما فاضت به السطور والأنفس.

ولكن قبل ذلك، دعونا نحلّل سلوكنا مع الآخرين، تصرفاتنا، آراءنا، لنكتشف حقيقتنا، هل تحمل الكثير من الانانية، أم تحافظ على التقدير الذاتي والثقة بالنفس؟ ويجدر إعطاء الأهمية لتقدير هاتين الصفتين، إذ إنهما بعيدان كل البعد عن النرجسية، قريبان من الناس، مستحسَنان، بل ومطلوبان بشدّة.

بعد ذلك، علينا التفكير بنتائج المداهنة أو التزلّف؛ ألا يمكن التعامل بموضوعية قدر الإمكان حتى مع أصحاب النرجسية العالية؟ فالبعض يعاني اضطراباً نفسياً، والبعض الآخر تبنّى بعض الصفات لجهل معرفي أو عاطفي أو غيره... وما أكثر الأشخاص الذين يشجعون النرجسيين والنرجسيات على تعزيز سلوكياتهم/ن بل وزيادة التمسك بها دون قصد أو معرفة.

وهنا يبقى السؤال الأهم: أي إنسان تريد أن تصبح أنت؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard