الحكومة "الى العمل" ومعارضتها "الى الشارع": التفاوض المستحيل؟

21 شباط 2019 | 14:38

المصدر: "النهار"

الحكومة تقول انها ذاهبة "الى العمل" ومعارضتها تتنادى اسبوعيا للتوجه "الى الشارع".

يحمل شعار "الى العمل" دلالتين، الأولى إيجابية والثانية سلبية.

الإيجابية في الشعار هو أنه يلمح إلى ان المسؤولين لن يكتفوا بعد الآن بالكلام، بل سيقرنون كلامهم بالعمل، اي بالتنفيذ. فالأزمة الاقتصادية والمالية داهمة وتحتاج إلى عمل ملحّ ومتواصل.

طبعا لم يكن المسؤولون كسولين في السابق، بل كانوا يعملون ايضا، لكن في اغلب الاحيان عكس ما يقولون. فإذا نادوا بمصلحة الشعب، عملوا لمصلحتهم الخاصة. واذا طالبوا بوقف السرقة والهدر، امعنوا في السرقة والهدر. واذا أدانوا الفساد، توسعوا فيه وقدموا له التغطية اللازمة.

اذا كان للشعار ان يحمل معنى ايجابيا ما، فعليه أن يضيف ان العمل الموعود سينفذ الخطط والوعود.

اما سلبية الشعار فتكمن في أنه يوحي وكأن وقت الكلام قد انتهى وحان وقت العمل فحسب.

اي انه لم يعد لدى الحكومة مسائل للتداول فيها ومناقشتها، لا بين اعضائها، ولا مع افراد مجتمعها، أكانوا معارضين ام غير معارضين.

فما كُتب قد كُتب، بيد الحكومة السابقة، وبإيحاء الجهات الدولية المشاركة في اجتماع "سيدر1" في باريس السنة الماضية، وتوقيعها.

حتى ان الأطراف في الحكومة الذين كانت لديهم ملاحظات في السابق على مقررات "سيدر1"، يبدو انهم اليوم أكثر اقتناعا بها، بعد ان بني البيان الوزاري على معادلة "المقاومة مقابل سيدر1"، اي الاعتراف باستمرار دور المقاومة، مقابل تقبل مقررات "سيدر1"، ولو على مضض من الجانبين.

اقول "على مضض"، لان الذين قبلوا باستمرار المقاومة بدوا مستسلمين للامر الواقع، في حين ان الذين قبلوا "بسيدر1" لا يزال بعضهم يشارك في الشارع مع معارضي سياسات الحكومة.

شعار المعارضة بدوره له ايضا دلالتان، واحدة إيجابية والثانية سلبية.

الإيجابية الكبيرة في شعارها، هي دعوة الناس للنزول "الى الشارع"، اي الى الخروج عن صمتهم المزمن ومغادرة منازلهم والتعبير عن معاناتهم وعن رفضهم لواقعهم المتردي، من خلال رفع الصوت في الشارع.

الدعوة تتناسب مع حجم المعاناة التي يرزح تحتها معظم الشعب اللبناني، على المستوى المعيشي والصحي والبيئي خاصة، وعلى مستوى القلق على المستقبل.

والشارع هو المكان الافضل لتفريغ هذا الغضب الكبير الذي يعتمر في صدور اللبنانيين.

وقد عرفت المعارضة كيف تبلور مطالبها، من خلال اقتراح سياسات اقتصادية ومالية بديلة، لا تحمل الفئات الشعبية إعباء الازمة، بل تسعى لتوزيع هذه الأعباء بشكل عادل. ومن أبرز مطالبها سياسة ضرائبية عادلة تطال خاصة المتمولين والمصارف وأصحاب الريوع.

اما الدلالة السلبية لشعار المعارضة، فهو أنه يكاد يحصر الحراك في الشارع. المعارضة لا تقول ذلك، لكنها تتصرف كأنها تقول ذلك. فهي تكرر تحركاتها في الشارع منذ ما قبل تأليف الحكومة بأشهر. وقد تناقص عدد المشاركين بشكل ملحوظ في التظاهرة الأخيرة، ربما كمؤشر إلى ضرورة المراجعة.

لا اريد ان أكرر ملاحظاتي حول هذه التحركات التي وردت في مقالي الذي نشر في "النهار" في بداية السنة تحت عنوان "التحركات المطلبية مع بداية 2019: ملاحظات واقتراحات".

اريد ان أركز على سؤال مركزي: كيف تحول المعارضة صراخها في الشارع، إلى أداة للتأثير في القرارات السياسية، ولا سيما ان الحكومة ومن خلال شعارها تبدو كأنها غير مستعدة للاستماع إلى رأي آخر؟

أجيب فورا اني شخصيا لا أملك الجواب. لكني في المقابل اتوقف عند الملاحظات الآتية التي قد تساعد في الاجابة:

- تتألف معارضة "الشارع" من أحزاب سياسية ذات تأثير معدوم او شبه معدوم في مجلس النواب وفي الحكومة.

- تشارك في معارضة "الشارع" نقابات عمالية قريبة من الحزب الشيوعي الأكثر وزنا في التظاهرات، بالإضافة إلى هيئات مدنية، وأفراد مستقلين. هؤلاء جميعا ذوو صفة تمثيلية جد محدودة.

- الشرائح الكبرى للعمال والموظفين، المنخرطين في النقابات او غير المنخرطين، هم غير معنيين حتى الآن بتحركات الشارع. مما يجعل اللجوء الى الاضراب كوسيلة ضغط من المستحيلات. مع العلم ان الرد الافعل على شعار "الى العمل"، هو "وقف العمل" عندما لا يستجيب مطالب العمال والموظفين.

- الامر نفسه ينطبق على فئات المستهلكين، المنظمين أو غير المنظمين، الذين لا يبدون حتى الآن في معظمهم، حماسة لتحركات الشارع.

- غياب أكثرية العمال واكثرية المستهلكين عن تحركات الشارع، يضعف المشروعية الشعبية لمطلب السياسة الضرائبية البديلة، وهو في رأيي المطلب الاهم لحراك الشارع، مما يحتم التنسيق المفقود كليا، مع الحركة النقابية، وشبه المفقود مع فئات المستهلكين.

***

ربما كان مفيدا للحكومة ومعارضتها التأمل في قول جبران في "النبي".

"الحركة عمياء ان لم ترافقها المعرفة،

والمعرفة عقيمة ان لم يرافقها العمل،

والعمل بلا ثمر ان لم يقترن بالمحبة".

المحبة هنا، هي محبة الشعب ومصالحه.

لن تتخيّلوا كيف عايد والدته في عيد الأم!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard