من نهر الليطاني إلى بحيرة القرعون... الصور تتكلم عن جمال فائق رغم بشاعة الحقيقة

20 كانون الأول 2018 | 18:00

المصدر: "النهار

بحيرة القرعون-تصوير نضال مجدلاني

مشواري اليوم يختلف عن سابقيه، لا من حيث الجمال لأن كل زاوية من لبناننا فائقة الجمال كما ظهر في مقالاتي السابقة ولقطاتي غير المعدّلة.

كان بودّي أن أتوجّه في موسم الصيف الى منطقة القرعون لتبيان جمالها وكل ما يمكن أن ينشّط من سياحتها الداخلية أسوة بغيرها من مناطقنا القرويّة بهدف دعم شعبنا هناك وتشجيعه على البقاء والمحافظة على الأرض، ولكن لم يكن في اليد حيلة نتيجة معدّل التلوث في البحيرة. وفي منتصف الأسبوع الفائت، تلقيت دعوة شخصيّة من الصديقة الصحافيّة والناشطة البيئية السيدة فادية جمعة والمنسّقة لـ #مبادرة_وعي للانضمام الى مسير يدعو الى وقف تلوث نهر الليطاني للحدّ من عواقبه الوخيمة، وكانت هذه الفرصة المنتظرة، ولكن كانت من أصعب الاراضي التي مشيتها، أنا التي مشيت لبناننا وتسلّقت جبالنا كافة ووصلت الى أعمق ودياننا، لم أواجه أصعب من هذا النهار، باستثناء ذلك في #وادي_جنّة الذي هو جنّة بكل معنى الكلمة ومن أغنى المحيطات الحيوية والنادرة وموطن لشتّى الكائنات التي ستهجّر لتموت، وكل هذا ثمن ندفعه لإنشاء سد, وكأن هذه السدود ستمتلئ بعد قتل طبيعتنا والمسّ بتوازنها.

لماذا هذه الدرجة من الصعوبة؟

القلب الفرح يضخ في حامله طاقة تتفجّر نشاطاً وتطغى على أيّ تعب ينهك الجسد، أما القلب الحزين فإنّه يثقل الأرجل بحمل غير منظور لكن منهك لدرجة الدموع. وعندما لا تنفع الدموع وتموت العدسة من هول التلوث، أمد يدي لأي توجه إنقاذي بعيداً من أي تسييس خارج "السياسة" الواحدة التي أؤمن بها والتي تخص مناطق لبنان بأسرها وهي سياسة #الدفاع_عن_بيئتنا، عن بصمة لبناننا المميزة، ومن خلالها انقاذ الانسان، هذا المواطن الصامد رغم كل شيء، إذ وجوده وصحته مرتبطان مباشرة ببيئته وفرص عيشه بكرامة.

نهار الأحد الماضي، توافد اللبنانيون من كل المناطق والتوجهات والاعمار الى بلدة صغبين في قضاء البقاع الغربي، 73 كلم من بيروت وعلى معدل ارتفاع 1100 متر عن سطح البحر، وانطلقوا بمؤازرة القوى الأمنية والصليب الأحمر باتجاه بحيرة القرعون ضمن تحرك شعبي بدعم ناشطين بيئيين، وتغطية وسائل الاعلام، وهو تحرك من سلسلة تحركات سيعلن عنها لاحقا.

خلال مسيرنا، تأمّلنا جمال أرض البقاع وجمال نهر الليطاني من بعد، ولاحظنا بعض مظاهر تلوثه عن قرب، إذ إن التلوث الفاضح والمركز يكون عند أقدام المعامل غير الممتثلة لقوانين معالجة نفاياتها، إضافة الى الأبنية غير الشرعية على ضفافه وصرفها الصحي ومن جهل الانسان نفسه الذي يساهم في قتل صحته كلما تخلص من نفاياته الخاصة خارج إطارها المفروض، معتبراً النظافة فرض في بيته فقط، مبيحاً ما خلف عتبته #مش_كل_ما_كزدرنا_وسّخنا_ورانا.

وكلما اقتربنا من البحيرة تزداد لوحات الجمال والطبيعة الباهية ويزداد خطر هوائها الملوث.


وعند الوصول الى ضفاف البحيرة تخنقك الرائحة الكريهة وتصدمك الرغوة المكوّنة نتيجة النفايات الكيمائيّة ولون المياه الأسود من جهة بسبب موت طحالبها الصحية والأخضر من جهة اخرى بفعل تكاثر البكتيريا فيها. كما يلفتك انخفاض منسوب المياه الى ما يقارب 22 مليون متر مكعب بحسب الدكتور كمال سليم، ومن المعروف ان هذه البحيرة الاصطناعيّة أنشأت عام 1959 وحجمها 220 مليون متر مكعب. 

التلوث المستمر لنهر الليطاني يعود الى عشرات السنين حتّى وصل الى تهديد صحة سكان المنطقة ولبنان بأسره. وتتخذ المصلحة الوطنية لمصلحة الليطاني، بشخص مديرها العام الدكتور سامي علوية، كافة الإجراءات لإزالة الأبنية على ضفافه والتخفيف من وطأة الصرف الصحيّ التابع لها إضافة الى ملاحقة المخالفين من المعامل لمعالجة نفاياتها قبل رميها في النهر والادعاء عليها لدى القضاء.

وتبث هذه الخطوات المتخذة والإصرار على المتابعة لتطبيق القانون والملاحقة عن كثب بالأمل الكبير بوقف التدهور البيئي للنهر وربما يُدعم بخطوات لاحقة لتنظيفه وتوعية الشعب أن أرضنا ومياهنا ليست بمزبلة، هي ثروة يحلم بها كل بلد ودولة، وكلنا على يقين بطمع العدو الصهيوني بها وبحلمه ومحاولاته لاغتصابها غير مكترث لما يدفع من ثمن باهظ، ولكن عبثاً يحاولون وحماة الارض يقفون بالمرصاد.

وكم كان بودي ان أرى باب امل قريب لبحيرة القرعون التي أعلنت وفاتها منذ بعض السنين بعد ان سيطرت عليها الطحالب السامة ألسيانوباكتيريا وقتلت كل كائناتها المائية والبيولوجية باستثناء سمك الكارت الذي يعيش في المياه الملوثة والغير صالح للأكل طبعاً. هذا ما أتى به تلوث نهر الليطاني الذي يغذي هذه البحيرة ويحوّلها الى نقطة تتجمع فيها كل ما يحمله اليها من مجارير ونفايات معامل ومصانع ومزارع ومسالخ ودباغات. ولهذا تداعيات جمّة على نوعية الحياة وسلامتها في مناطق البقاع الغربي والجنوب امتداداً الى كل لبنان وبخاصة بوجود المكبات العشوائية والمزابل على أكثر أراضيه والتي يُباح حرقها من دون أي محاسبة فتصب وقوداً لتحرق شعباً أبى أن يترك الأرض مهما كان.

من الصحيح أن هذه مسألة تدق ناقوس الخطر على صعيد وطن بأكمله وأمنه الصحيّ، ولكن الجانب الأكثر تضرراً هو الأقرب. إن هذه البحيرة الجميلة كانت مقصداً سياحياً بامتياز وكانت قد أقيمت المقاهي والمطاعم قربها لتُهجر مع سيطرة التلوث. كما أنها كانت نقطة للطيور المهاجرة ومصدر رزق للصيادين وطبعاً للمزارعين. فموتها ضرب كل المرافق التي تساهم بعيش كريم وتعدّى ذلك لضرب أثمن ما في الحياة، الصحة، والحياة نفسها. فإن المنطقة، وعلى امتداد حوض الليطاني، تعاني نسبة إصابات مرتفعة في السرطان، كما ان كل لبنان يرزح تحت وطأة هذا الهجوم دون ان يرف جفن للمسؤولين والمؤتمنين على أرضٍ وشعبٍ بأسره.

ونلحظ هنا وطأة الحياة على هذا الشعب المسكين الذي يتجاهل كل تحذير يمنع استهلاك سمك الكارت المتبقي في هذه البحيرة والمُسم عندما يفتك الجوع به، ولا ننسى تربية المواشي على ضفافها وما يلحقها من ضرر وما يُزرع في أراضيها فتكاً بحياتهم

ماتت البحيرة، ويموت أهل الجنوب والبقاع الغربي كل يوم، ظلماً وإهمالاً وتعسفاً. ومن هناك الى كل زاوية من لبناننا التي ترزح غصباً تحت وطأة شتّى أنواع التلوث وكأنها مؤامرة لتيئيس شعب بأسره وحمله على ترك أرضه... ولكننا باقون.

بالرغم من كل شيء باقون،

نصرخ في وجه المغتصب، ندعم كل حق، نحارب تدمير بيئتنا ومحيطاتنا الحيوية، نفضح بشاعة المقالع والكسارات والمرامل، وندعم صناعتنا التي هي فخر لنا, وطبعاً نحمل لبناننا النادر الجمال, من خلال صورنا ونقلنا المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي, الى العالم، ليعرفوا أن هذا هو لبناننا وليس تلك الصورة المميتة والهادفة الى تدمير ما تبقّى لنا من مرافق، هذا هو لبناننا بعيداً من سياسة التهجير والقتل الغير مباشر، هذه هي أرضنا وسماؤنا وبحرنا، هذه هي الحقيقة المجردة والبعيدة عن كل ما يحاولون فرضه، وهنا قلبنا وحيث ينبض القلب تفرض الحياة وجودها غصباً عن كل شيء.

وحتى لقائنا المقبل، يمكنكم دوماً متابعة نقلي المباشر عبر حسابي على:

instagram

facebook

وعلى تويتر، كذلك يمكنكم تصفح المدوّنة الخاصة

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard