إلى هُنا مَعَ العَرَبِيّة

4 كانون الأول 2018 | 11:24

المصدر: "النهار"

صدر للباحث والمفكر والأديب والشاعر أحمد بيضون كتابه الجديد "في صحبة العربية: منافذ إلى لغة وأساليب" عن "دار الجديد". يوقّعه في جناح الدار، في إطار معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، الواجهة البحرية لبيروت، البيال سابقاً، يوم الجمعة 7 كانون الأول الجاري، من الساعة الخامسة عصراً. ينشر "موقع النهار" الألكتروني، في ما يأتي، مقدمة الكتاب:

لَمْ أُدْرِجْ نَفْسِي يَوْماً فِي مَعْشَرِ اللُغَوِيِّينَ بِمَعْنى الحِرْفةِ وَقَلَّما تَكَرَّمَ غَيْرِي عَلَيَّ بِهَذا الإِدْراجِ أَوْ فَطِنَ إلى إمْكانِه. كَثِيراً ما سَمِعْتُ إشادةً بالعَرَبِيّةِ التِي أَكْتُبُ بِها: بِأَلَقٍ ما يَجِدُها القارئُ أَوْ السامِعُ مُمْتازةً بِهِ أَوْ بِمَتانةٍ فِي سَبْكِ الكَلام. هَذا مَدْعاةٌ لِسُرُورِي غالِباً. وَلَكِنَّهُ قَدْ يَغيظُني أَيْضاً حِينَ أَشْتَمُّ فِيهِ صَرْفاً لِلنَظَرِ عَن الفِكْرةِ وَالحُجّةِ أَيْ عَمّا يُسَمّى المَضْمُون. وَهُوَ، فِي كُلِّ حالٍ، حُكْمٌ يَتَعلَّقُ بِالاُسْلُوبِ، أَيْ بِالمُعْجَمِ وَبِأَبْنِيَةِ الكَلامِ وَسِياقَتِهِ. وَالاُسْلُوبُ يَسِمُ الكاتِبَ وَقَدْ وُجِدَ مَنْ قالَ أَنَّهُ هُوَ الإنْسانُ، وَلَكِنَّهُ لا يُثْمِرُ اللُغَوِيّ. فَلِهَذا الأَخِيرِ شَأْنٌ آخَرُ: فنٌّ أَوْ عِلْمٌ آخَر.

وَما كانَ هَذا التَجاهُلُ الإجْمالِيُّ لِنِسْبَتِي إلى حِرْفةِ اللُغَوِيِّينَ لِيُضِيمَنِي أَوْ يُؤْذِينِي إِذْ كُنْتُ أَنا نَفْسِي شَرِيكاً فِيه. وَهِيَ شَرِكةٌ بَقِيتُ عَلى ما يُشْبِهُها فِي كُلِّ بابٍ مِنْ أَبْوابِ الكِتابةِ طرَقْتُه. دَرَسْتُ الفَلْسَفةَ فِي الجامِعةِ وَبَقِيتُ مُتَرَبِّصاً عَلى أَعْتابِ الفَلْسَفة. وَدَرَّسْتُ عِلْمَ الاجْتِماعِ عُقُوداً وَلَمْ أَحْتَسِبْ نَفْسِي فِي زُمْرةِ أَهْلِه. واشْتَغَلْتُ بِالنَقْدِ التارِيخِيِّ لِأَعْمالِ مُؤَرِّخِينا وَجَرَّبْتُ نَفْسِي فِي أَعْمالٍ تُنْسَبُ إلى التارِيخِ عادةً وَبَقِيَ طَمَعِي فِي الانْتِسابِ إلى هَذِهِ المِهْنةِ أَيْضاً مَحْفُوفاً بِالتَرَدُّدِ وَالشَكّ. إلخ، إلخ. هَذا كُلُّهُ مَعَ أَنَّ أَعْمالاً تَمُتُّ إلى هَذِهِ الصَنائِعِ (وَإلى غَيْرِها مِمّا لَمْ أذكُرْهُ) بِوَشائِجَ مُتَنَوِّعةٍ تَكاثَرَتْ بِمَرِّ الأَعْوام. وَلَكِنَّها تَكاثَرَتْ مُوَزَّعةً بَيْنَ حُقُولٍ لَعَلَّها أَفْرَطَتْ فِي التَكاثُرِ، هِيَ أَيْضاً، فَلَمْ يَنَلْ كُلٌّ مِنْها سِوى القَلِيلِ نِسْبِيّاً مِن العَناوِين. ثُمَّ إنَّ ما يُسَمّى الاُسْلُوبَ بَقِيَ شاغِلاً مُتَصَدِّراً فِي مُعْظَمِ الأَعْمالِ فَفاتَ هَذا أَوْ ذاكَ مِنْها أَنْ يَتَكَشَّفَ، مَثَلاً، عَنْ هَذا المَواتِ الاُسْلوبِيِّ أَوْ النُصُولِ الاصْطِلاحِيِّ الذِي يَشْرُطُ بِهِ الصِفةَ العِلْمِيّةَ رَأْيٌ شائِعٌ بَيْنَ الجامِعِيِّينَ لا أُسِيغُهُ، مِنْ جِهَتي، وَلا أُقِرُّه.


وَلَقَدْ كانَ مِنِّي حِينَ اضْطُرِرْتُ إلى البَحْثِ عَنْ صِناعةٍ أنْتَسِبُ إِلَيْها بِلا تَحَفُّظٍ، بَعْدَ أَنْ أَعْيانِي الانْتِسابُ الوَطِيدُ إلى هَذا أَوْ ذاكَ مِنْ فُرُوعٍ لِلْمَعارِفِ زاوَلْتُها تَدْرِيساً وَتَأْلِيفاً، أَنَّنِي لَمْ أَجِدْ سِوى الأَدَبِ، بِمَعْناهُ الأَصْليِّ فِي التُراثِ العَرَبِيّ، أُدْرِجُ فِيهِ جُمْلةَ أَعْمالِي، تَقْرِيباً، وإن يَكُنْ بَعْضُ هَذا الذِي أُدْرِجُهُ سِياسةً أَوْ تارِيخاً أَوْ بَحْثاً لُغَوِيّاً مَثَلاً… فِيما بَعْضُهُ الآخَرُ شِعْرٌ أَوْ خَواطِرُ مَثَلاً. وَكانَ مِنِّي أَنَّنِي صَرَّحْتُ مَسْرُوراً بِهَذا الانْتِسابِ إلى الأَدَب فِي مُناسَبةٍ مرَّتْ قَبْلَ سَنَواتٍ وَكانَتْ شَبِيهةً لِلِقائِنا اليَوْم.

اليَوْمَ تَنْسِبُني جَمْعِيّةُ السَبِيلِ مَشْكُورةً إلى جَماعةِ اللُغَوِيِّين. وَهُوَ ما يَحْمِلُنِي عَلى اسْتِلالِ كِتابَيْنِ لِي هُما مَجْمُوعا دِراساتٍ أَوْ مَقالاتٍ وَمَعَهُما أَوْراقٌ أُخْرى غَيْرُ مَجْمُوعةٍ مِنْ عَلى رُفُوفِ مَكْتَبَتِي وَمِنْ مَحْفُوظاتِ الحاسُوب. أَسْتَلُّها وَأُرَتِّبُها سَوِيّةً لأُلْقِي نَظْرةً جامِعةً عَلى ما يَجُوزُ لِي أَنْ أُسَمِّيهِ أَعْمالِي اللُغَوِيّة… فَما الذِي أَقَعُ عَلَيْه؟ هِيَ نُصُوصٌ قَلِيلةُ العَدَد. قَلِيلةُ العَدَدِ نِسْبِيّاً وَلَكِنَّها لَيْسَتْ زَهِيدةَ العَدَدِ وَلا الحَجْم. ثَمَّةَ إذَنْ ما يَحْتاجُ اسْتِذْكارُ ما فِيهِ مِنْ جانِبي إلى وَقْتٍ وجُهْدٍ غَيْرِ قَلِيلَيْنِ وَما يَحْتاجُ التَبَسُّطُ فِي عَرْضِ مَداراتِه عَلَيْكم هَذا المَساءَ إلى وَقْتٍ ما هُوَ بِالمُتاحِ لِي وَلا لَكُم. فَلا يَبْقى لِي سِوى الإلْمامِ المُتَعَجِّلِ بِأهَمِّ هَذِهِ المَداراتِ ما دامَت النُصُوصُ مَعْروضةً فِي المُدَوَّنةِ التِي أَنْشَأَتُها قَبْلَ سَنَتَيْنِ تَقْرِيباً. فَيَرْتادُ تِلْكَ المَداراتِ مَنْ تَسْتَهْوِيهِ خَفايا العَرَبِيّةِ وَهُمُومُها[AB1] وَيَنْصَرِفُ عَنْها آمِناً مَنْ يُؤْثِرُ النَجاةَ بِجِلْدِهِ إلى هُمُومٍ أُخْرى.

أَهَمُّ المَسائِلِ التِي عَرَضْتُ رَأْياً فِيها ثُمَّ تَرَكْتُه مَطْرُوحاً عَلى قارِعةِ النَظَرِ لِمَنْ قَدْ يَرْغَبُ فِي تَناوُلِهِ بِالنَقْدِ أَوْ فِي تَعْزِيزِهِ بِالمَزِيدِ مِن البَحْثِ هِيَ التالِية:

1- فِي اللِسانِيّاتِ العامّةِ: اجْتِهَدْتُ، مُسْتَهْدِياً أَمْثِلةً مِنْ مَوادِّ المُعْجَمِ العَرَبِيِّ وَمِنْ حُرُوفِ أبْنِيَتِهِ، فِي تَفْنِيدِ مَبْدإٍ اسْتَوى، مَعَ فِرْدِينانْد دُو سُوسُّور، رُكْناً لِلِّسانِيّاتِ المُعاصِرةِ، وَهُوَ مَبْدأُ تَحَكُّمِيّةِ العَلامةِ اللُغَوِيّةِ أَي اسْتِبْعادِ كُلِّ دَوْرٍ لِلْمَدْلُولِ، وَهُوَ التَصَوُّرُ، فِي تَعْيِينِ الدالِّ، وَهُوَ اللَفْظُ بِما هُوَ سِلْسِلةٌ صَوْتِيّة. هَكَذا، مَثَلاً، لا يُوجَدُ شَبَهٌ بَيْنَ لَفْظِ "بَقَرة" وَصُورَةِ البَقَرةِ فِي الذِهْن. فيَسَعُ أَلْفاظاً أُخْرى، لا تَمُتُّ إلى لَفْظِ البَقَرةِ بِصِلةٍ، أَنْ تَدِلَّ، فِي لُغاتٍ أُخْرى، عَلى المَدْلُولِ نَفْسِهِ أَيْ عَلى تَصَوُّرِ البَقَرة[AB2] … وَيَسَعُ اللُغاتِ أَنْ تَتَعَدَّدَ بِلا حَدٍّ بِالتالِي وَيَسَعُ اللُغَةَ أَنْ تَكُونَ نِظاماً قائِماً بِرَأْسِه تَسْتَقِلُّ دِراسَتُهُ عَنْ مَرْجِعِيّةِ الوُجُودِ المَوْضُوعِيِّ وَتَسْتَوِي عِلْماً مُكْتَفِياً بِغَرَضِهِ هُوَ اللِسانِيّات. فِي وَجْهِ هَذا المَبْدَإ، وَضَعْتُ ما يُفِيدُهُ كَلامُ فَرِيقٍ مِنَ اللُغَوِيِّينَ العَرَبِ لَعَلَّ أَوَّلَهُم ابْنُ فارِسٍ وَآخِرَهُم العَلايِلِيُّ فِي مُعَيْنَياتٍ يُسْتَطاعُ التَوَصُّلُ إلَيْها لِحُرُوفِ الجَدْوَلِ الهِجائِيِّ العَرَبِيّ. وَهِيَ تَتَراءى مِنْ مَنافِذَ عِدّةٍ بَيْنَها ما يُسَمّى "حِكايةَ الصَوْتِ" وَبَيْنَها ما يُظْهِرُهُ تَقْلِيبُ المادّةِ المُعْجَمِيّةِ الواحِدةِ مِنْ وَحْدةٍ فِي مَعْناها العامِّ، عَلى اخْتِلافِ المَعانِي المُشْتَقّة. وَلَعَلَّ بِنْيَةَ الاشْتِقاقِ المُجَسَّدةَ بِإثْباتِ المُعْجَمِ أَوَّلاً حُرُوفَ المادّةِ أَوْ الأَصْلِ قبْلَ الخُلُوصِ مِنْها إلى المُشْتَقّاتِ تُيَسِّرُ الوُصولَ إلى طَبَقةٍ عَمِيقةٍ مِنْ تارِيخِ اللُغَةِ تَيْسِيراً لا تُدْرِكُ مِثْلَهُ لُغاتٌ أُخْرى تَطَوَّرَتْ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الشاكِلة. وَلَعَلَّ التَعَرُّضَ بِالتَحْلِيلِ نَفْسِهِ لِلْمَوازِينِ الصَرْفِيّةِ وَلِلاخْتِلافِ المُحْتَمَلِ لِدَلالةِ الصامِتِ بِاخْتِلافِ الصائِتِ يَفْتَحُ مَنافِذَ أُخْرى إلى الغايةِ العامّةِ نَفْسِها وَهِيَ إثْباتُ مُثُولٍ لِما سَمَّيْتُهُ "المَجازَ الصَوْتِيَّ" فِي تَعْيِينِ العَلاقةِ بَيْنَ الدالِّ العَرَبِيِّ وَمَدْلُولِه. هَذا كُلُّهُ، وَمَعَهُ انْتِفاءُ التَحَكُّمِيّةِ مِن الأَنْظِمةِ الرَمْزِيّةِ غَيْرِ اللُغَوِيّةِ (مِنْ نِظامِ إشاراتِ السَيْرِ إلى الجُمَلِ المُوسِيقِيّةِ) يَسْتَبْعِدُ أَنْ تَكُونَ الصِلةُ بَيْنَ الدالِّ وَالمَدْلُولِ فِي العَلامةِ العَرَبِيّةِ اصْطِلاحاً بَحْتاً وَيُرَجِّحُ اسْتِيحاءً غائِراً فِي الطَبَقاتِ البَعِيدةِ مِن اللُغَةِ لبَعْضِ سِماتِ المَدْلُول أَوْ عَناصِرِهِ فِي وَضْعِ الدالِّ اللُغَوِيِّ عَلَيْه. وهَذِهِ، إنْ وُجِدَتْ، سِماتٌ لا أُنْكِرُ أَنَّ تَطَوُّرَ اللُغَةِ يُغَيِّرُها أَوْ يُمَوِّهُها مِنْ سُبُلٍ يَتَعَذَّرُ اسْتِقْصاؤها وَحَصْرُها. وَأَمّا كَثْرَةُ اللُغاتِ فَوَجَدْتُ تَفْسِيرَها مُوجِباً إدْخالَ المُخَيِّلةِ أَوْ ما كانَ يُسَمِّيهِ الفَلاسِفةُ الإسْلامِيُّونَ "القُوّةَ الواهِمةَ" فِي تَعْيِينِ العَلاقةِ بَيْنَ الدالِّ والمَدْلُول. عَلَيْهِ لا تَكُونُ هَذِهِ العَلاقةُ "شَبَهاً" بَلْ "تَوَهُّمَ شَبَه". وَهُوَ ما يُشْرِعُ البابَ أَمامَ الكَثْرةِ إذْ لا حَدَّ لِما يَسَعُ المُخَيِّلةَ اقْتِراحُهُ مِنْ مُقارَباتٍ للمَدْلُولِ تَمُتّ إلَيْهِ كُلٌّ مِنْها بِقَرابةٍ مُؤَكَّدةٍ فِيما هِيَ تَبْقى مُتَغايِرةً جِدّاً فِي ما بَيْنَها. ذاكَ ما تُظْهِرُ إمْكانَهُ حالةُ المُوسِيقى عَلى التَخْصِيص. وَهَذا، مَرّةً أُخْرى، فَهْمٌ لِلُّغَةِ، لا رَيْبَ فِي أَنَّ البَيِّنَاتِ العَرَبِيّةَ عَلَيْهِ تَقْرِيبِيّةٌ وَعَسِيرةُ التَحْصِيل. وَلَكِنَّهُ مَتِين. وَهُوَ لا يُخْضِعُ اللُغَةَ، عَلى غِرارِ ما ارْتَأى دُو سُوسُّور، لِضَرُورةٍ مَنْهَجِيّةٍ يُوجِبُها اجْتِراحُ عِلْمٍ مُسْتَقِلٍّ لِلُّغةِ (هُوَ اللِسانِيّاتُ) وَشَغْلُهُ مَقْعَداً فِي صَدارةِ عُلُومِ الإنْسان. وَإنَّما يَرُدُّ هَذا الفَهْمُ إلى اللُغةِ غَوْرَها الشِعْريَّ أَو المُوسِيقِيَّ إذْ يَتَلَمَّسُ لِلْكَلامِ وَظِيفةً خَفِيّةً هِيَ تَلْحِينُ الوُجُودِ غَيْرَ قاصِرٍ عَمَلَهُ عَلى وَصْفِ هَذا الأَخِيرِ بِتَحْلِيلِهِ وَتَصْنِيفِه. كانَ اعْتِمادُ هَذا القَوْلِ، قَبْلَ ٤٠ سَنةً، أَيْ فِي عَهْدٍ كانَ فِيهِ ظِلُّ البُنْيانِيّةِ لا يَزالُ مَبْسُوطاً عَلى عُلُومِ اللُغةِ وَغَيْرِها وَإِنْ يَكُنْ أَخَذَ يَنْحَسِرُ، أَمْراً مُحْتاجاً، مِنْ جِهَتِي، إلى إقْدامٍ بَلْ إلى شَيْءٍ مِن التَهَوُّر. وَقَدْ تَغَيَّرَتْ هَذِهِ الحالُ كَثِيراً فِي العُقُودِ اللاحِقةِ، وَأَصْبَحَ الوَضْعُ المَعْنَويُّ لِدِراسَتِي، فِي ما أَحْسَبُ، أَوْفَرَ حَصانةً.

2- فِي مَسْأَلةِ العَرَبِيّةِ وِالحَضارةِ العَصْرِيّةِ: اسْتَوْقَفَنِي تَشْدِيدُ المُساجِلِينَ عَلى كَفاءَةِ لُغَتِنا لِاسْتِيعابِ الجَديدِ أَيّاً يَكُنْ بِاعْتِبارِ اتِّساعِ ما يَفْتَحُهُ لَها مِنْ آفاقِ النُمُوِّ الرَحْبةِ اعْتِمادُها الاشْتِقاقَ بِأَوْزانِهِ الكَثِيرةِ أَصْلاً تَكْوِينِيّاً لَها فَضْلاً عَنْ إمْكانِ النَحْتِ وَعَنْ إمْكانِ التَعْرِيبِ حَيْثُ يَظْهَرُ لَهُما فَضْلٌ ما عَلى مُجَرَّدِ الاشْتِقاق. كانَ هَذا التشْدِيدُ يُوحِي، عَلى نَحْوٍ ما، أَنَّ ما يَتَعَيَّنُ عَلَيْنا إنَّما هُوَ تَفْعِيلُ طاقاتِ اللُغةِ تِلْكَ فَيَسْتَقِيمَ أَمْرُنا. هَذا المَنْحى فِي الحِجاجِ بَدا لِي، عَلى وَجاهَتِهِ اللُغَوِيّةِ، مُجانِباً المُشْكِلَ الفِعْلِيّ. فَفِي يَقِينِي أَنَّ العالَمَ أَو العَصْرَ هُوَ المُشْكِلُ الذِي تَتَعَيَّنُ عَلَيْنا مُجابَهَتُه. وَأَمّا اللُغةُ فيَسْهُلُ عَلَيْها أَنْ تُجارِينا فِي هَذِهِ المُجابَهةِ فَلاحاً أَوْ إخْفاقاً. وَذاكَ أَنَّنا بِتْنا نَعِيشُ فِي عالَمٍ مَصْنُوعٍ وَأَنَّنا قَلَّما صنَعْنا مِنْهُ شَيْئاً… وَأَنَّ المَعْرِفةَ بهَذا العالَمِ تَسارَعَ نُمُوُّها تَسارُعاً فاحِشاً وَأَنَّ نَصِيبَنا مِنْ هَذا النُمُوِّ زَهِيد. وَالذِينَ يَصْنَعُونَ هَذا العالَمَ وَما يَتَقَصّى أَشْياءَهُ وَبِناهُ مِنْ مَعارِفَ يَتَوَلُّونَ، بِلا مُزاحَمةٍ تُذْكَرُ، تَسْمِيةَ تِلْكَ الأَشْياءِ وَعَناصِرِ هَذِهِ المَعارِف. يُسَمُّونَها بِلُغاتِهِمْ فَتَتَلَقَّفُ عامِّيّاتُنا أَسْماءَ ما يَبْلُغُنا مِنْها بتِلْكَ اللُغاتِ وَتَحْمِلُنا عَلى الرَطْنِ بِها مُخْتارةً تَعْريبَ اللَفْظِ الأَجْنَبِيّ بِلا اكْتِراثٍ، فِي الأغْلَبِ، لِأُصُولِ هَذا التَعْرِيبِ وَمُهْمِلةً ما قَدْ يُتِيحُهُ اعْتِمادُ الاشْتِقاقِ وما يَقْتَرِحُهُ اللُغَوِيُّون. فَإنَّ العامِّيّاتِ تَهْضُمُ الحِجارةَ وَإنَّ سَطْوةَ الحَضارةِ الغالِبةِ لا يَعْسُرُ عَلَيْها أَنْ تَجْتاحَ سُلْطةَ لُغَوِيٍّ يَطْلُعُ بِفَتاوى قَلَّ أَنْ تَسْتَوْقِفَ أَحَداً. يَزِيدُ مِنْ سُهُولةِ الاجْتِياحِ أَنَّ مَرْجِعِيّاتِ الفَتْوى كَثِيرةٌ مُخْتَلِفةُ المَشارِبِ إِذ السُلْطةُ فِي الجَماعةِ اللُغَوِيّةِ، وَهِيَ سُلْطةٌ مَعْنَويّةٌ بَحْتةٌ، بِالضَرُورةِ، ظاهِرةُ التَهالُكِ والتَبَدُّدِ عَلى غِرارِ السُلُطاتِ المَعْنَوِيّة كُلِّها فِي أَقْطارِ الناطِقِينَ بِالضاد.

3- فِي المُبارَزَةِ المُتَمادِيةِ ما بَيْنَ الفُصْحى وَالعامِّيّاتِ: رَصَدْتُ ما سَمَّيْتُهُ "جَلاءَ الفُصْحى عَنْ مَناطِقِ المُشافَهة". وَلا تُسْتَثْنى مِنْ هَذا الجَلاءِ مَنابِرُ كانَتْ إلى أمْسِ حِكْراً عَلى الفُصْحى بَيْنَها مَنابِرُ التَدْرِيسِ وَمَنابِرُ الخَطابةِ بِما فِيهِ تَدْرِيسُ اللُغَةِ نَفْسِها وَبِما فِيها خَطابةُ سَدَنةِ الدِينِ الذِينَ كانُوا يُعَدُّونَ ذُخْراً لِلْفُصْحى وحُصْناً لِلْفَصاحة. وَلَقَدْ جَهِدْتُ فِي إحْصاءِ العَوامِلِ التِي آلَتْ إلى تَكْرِيسِ هَذِهِ الحالِ وَأوَّلُها هُبُوطُ سَوِيّةِ التَعْلِيمِ كُلِّهِ مَعَ سَوِيّةِ المُعَلِّمِينَ بفِعْلٍ مِن التَحَقُّقِ الواسِعِ النِطاقِ لِدِيمُقْراطِيّةِ التَعْلِيمِ ثُمَّ هُبُوطُ مَقامِ المَعْرِفةِ اللُغَوِيّةِ فِي هَرَمِ المَعارِفِ المُتاحةِ بفِعْلٍ مِنْ ذَواءِ القِيمةِ الاجْتِماعِيّةِ لِما تُتِيحُ هَذِهِ المَعْرِفةُ أَداءَهُ مِنْ وَظائِف. ثُمَّ كانَ أَن اسْتَوْقَفَنِي مُؤَخَّراً ما نُعايِنُهُ أَوْ نُزاوِلُهُ مِنْ رَواجٍ جَديدٍ لِلْعامِّيّاتِ فِي الكِتابة. وَهَذا رَواجٌ نعْلَم أَنَّ بَوادِرَهُ كانَتْ ماثِلةً فِي نُصُوصِ المَسْرَحِ وَالسِينَما وَفِي النُصُوصِ المُذاعةِ أَو المُتَلْفَزةِ وَفِي الرِواياتِ وَأَنَّ شَبَكاتِ التَواصُلِ وَقبْلَها البَرِيدُ الإلِكْتِرُونِيُّ قَدْ عَزَّزَتْهُ أَيَّما تَعْزِيز. لا أَرى مُوجِباً لِلذُعْرِ فِي هَذا الانْتِشارِ، وَقَدْ كَتَبْتُ بِالعامِّيّةِ بَيْنَ حِينٍ وآخَرَ شَيْئاً مِن الشِعْرِ وَشَيْئاً مِن النَثْرِ وَنَشَرْتُ ما كَتَبْت. وَعِنْدِي أَنَّ الذُعْرَ لَدى مُعايَنةِ هَذا النَوْعِ مِن الظَواهِرِ إنّما هُوَ ذُعْرٌ مِن الحَياةِ نَفْسِها. وَكُنْتُ وَلا أَزالُ أَدْعُو إلى اعْتِبارِ العامِّيّاتِ مُسْتَوَىً بَيْنَ مُسْتَوَياتٍ فِي اللُغةِ الواحِدةِ حَقُّهُ أَنْ يُدْرَسَ وَأَنْ تُفْرَدَ لَهُ مَعاجِمُ خاصّةٌ وَحَيِّزاتٌ فِي المَعاجِمِ الكُبْرى. فَلَيْسَ هَذا بِدْعاً بَلْ هُوَ المُتَّبَعُ فِي لُغاتِ العالَمِ الكُبْرى وَهُوَ المُتَّبَعُ أَيْضاً، وَلَوْ بتَحَفُّظٍ، فِي الكُبْرَياتِ مِن مَعاجِمِ ما نُسَمِّيهِ عَصْرَ النَهْضةِ، فَنَراها تُثْبِتُ اللَفْظَ العامِّيَّ وَتَصِفُهُ بِالعامِّيّ. هَذا تَوَجُّهٌ لا يُفْضِي البَتّةَ إلى اسْتِبْعادِ التَفْكِيرِ فِي سُبُلٍ تُشَقُّ إلى النُهوضِ بِالفُصْحى وَالدِفاعِ عَنْها وَإلى إصْلاحِ تَعْليمِها وَتَيْسِيرِ تَعَلُّمِها وتَقْرِيبِها مِنْ حاجاتِ البَشَر. فَالفُصْحى حَيَّةٌ نابِضةٌ وَلَها سِيرةٌ طَوِيلةٌ فِي إصْلاحِ نَفْسِها. وَقَدْ دافَعَ عَنْها القُرْآنُ بِلا رَيْبٍ وَتُراثُ الإسْلامِ عَلى الأَعَمِّ وَما تَناسَلَ بِها مِن تُراثٍ ضَخْمٍ فِي الشِعْرِ وَالنَثْرِ عَلى اخْتِلافِ الأَبْواب. وَلَكِنْ دافَعَ عَنْها، فِي الزَمَنِ الأَخِيرِ، شُعُورٌ قَوْمِيٌّ هِيَ عِمادُه أَيْضاً وَما تَرْعاهُ مِنْ وَحْدةٍ لِسُوقِ الكَلامِ بَيْنَ المُحِيطِ وَالخَلِيج. دافَعَت عَنْها الصَحافةُ وَالأَدَبُ العَصْرِيُّ أَيْضاً وَجَعَلاها غَيْرَ ما كانَتْ وَما فَتِئَتْ لُغَتَهُما الأُولى ولُغةَ القانُونِ وَسائِرِ المَعارِفِ المُدَوَّنة، وَهَذِهِ كُلُّها مَواطِنُ لا تَبْدُو الفُصْحى مُقْبلةً عَلى الزَوالِ عَنْها. وَإنَّما القَصْدُ أَنَّ الفُصْحى لا يُدافَعُ عَنْها فِي وَجْهِ العامِّيّاتِ بَلْ فِي وَجْهِ الجَهْلِ بِمُعْجَمِها وَقَواعِدِها وَبِتُراثِها وَبِطاقاتِها المَعْرِفِيّةِ وَالجَمالِيّة. وَقَدْ كُنْتُ شَدَّدْتُ فِي وَرَقةٍ ضافِيةٍ عَلى أَنَّ تَعَلُّمَ اللُغةِ مُتَّصِلٌ جِدّاً بِما يَنُوطُهُ المُجْتَمَعُ بِها مِنْ قِيمةٍ، عَلى اخْتِلافِ وُجُوهِ القِيمةِ، وَأَوْرَدْتُ مُقْتَرَحاتٍ لِتَحْسِينِ تَعَلُّمِ الفُصْحى لا تَفْتَرِضُ مُناطَحَتَها العامِّيّاتِ وَلا اللُغاتِ الأَجْنَبِيّةَ المُعْتَمَدةَ فِي مَدارِسِنا… وَهَذا، فِي كُلِّ حالٍ، حَدِيثٌ يَطُول.

4- وَما دُمْنا قَدْ ذَكَرْنا تَعْزِيزَ الفُصْحى وتَيْسيرَ تَعَلُّمِها فَلْأُشِرْ إلى أَنَّنِي أَبْرَزْتُ، مُؤَخَّراً، فَداحةَ العَيْبِ الذِي خَلَّفَهُ فِي الكِتابةِ العَرَبِيّةِ اسْتِبْعادُ ما يُسَمّى "الحَرَكاتِ " أَي الصَوائِتِ القَصِيرةِ مِن النُصُوصِ العَرَبِيّةِ المَطْبُوعة. هَذِهِ ضَرْبةٌ أَنْزَلَها بِالعَرَبِيّةِ اعْتِبارُ الكُلْفةِ التِجارِيّةِ وَطَلَبُ السُرْعةِ فِي الإنْجاز. لا يَزالُ القُرْآنُ يُطْبَعُ مُحَرَّكاً. وَهَذا أَمْرٌ يَفْرِضُ نَفْسَهُ جُزْئِيّاً فِي طِباعةِ المَعاجِمِ أَيْضاً. وَلَكِنَّ دُورَ نَشْرٍ عَرِيقةً كانَتْ، إلى عَهْدٍ لا أَعْرِفُ مَتى أَفَلَ بِالضَبْطِ، تَطْبَعُ دَواوِينَ مِن التُراثِ الشِعْريِّ وَكُتُباً مُخْتَلِفةً أُخْرى عَلى هَذِهِ الشاكِلةِ نَفْسِها. وَعِنْدِي طَبْعةٌ مِصْرِيّةٌ رائِعةٌ لِمُقَدِّمةِ ابْنِ خَلْدُونٍ أَظُنُّها تَرْقى إلى أَوائِلِ القَرْنِ الماضِي مُحَرَّكةٌ حَرْفاً حَرْفاً. وَقَدْ استعادَت هَذا التَقْلِيدَ الحَمِيدَ، قَبْلَ أَعْوامٍ، دارٌ بَيْرُوتِيّةٌ رَفِيعةُ العِلْمِ وَالذَوْقِ هِيَ دارُ الجَدِيد. وَلَكِنْ أرْهَقَتْها المُنافَسَةُ غَيْرُ المُنْصِفةِ، فَضْلاً عَن الكَسادِ العامِّ، فَاضْطُرَّتْ إلى التَخَفُّفِ مِنْ هَذا الهَمّ أَوْ مِنْ مُعْظَمِه. وَالحالُ أَنَّ غِيابَ الصَوائِتِ عَن المَطْبُوعِ يَقَعُ عَلَيْهِ مُعْظَمُ المَسْؤُولِيّةِ عَنْ تُهْمةِ الصُعُوبةِ الاسْتِثْنائِيّةِ التِي تُرْمى بِها العَرَبِيّةُ ظُلْماً. فَلَو انَّنا جِئْنا بِنَصٍّ فَرَنْسِيٍّ قَصِيرٍ، مَثَلاً، وَقَصَرْنا الأَلْفاظَ فِيهِ عَلى صَوامِتِها لَراعَنا أَنَّ قِراءَتَهُ باتَتْ تَمْرِيناً هَزْلِيّاً أَوْ شِبْهَ مُحال. وَالحالُ أَنَّنا نُلْفِي أَنْفُسَنا حِيالَ هَذا التَمْرِينِ نَفْسِهِ تَقْرِيباً كُلَّما وَقَعَتْ عَيْنُ واحِدِنا عَلى نَصٍّ، أيّاً يَكُنْ، مِن النُصُوصِ العَرَبِيّةِ التِي تَعْتَرِضُ سَبِيلَنا أَوْ نعْتَرِضُ سَبيلَها كُلَّ ساعة. أَقُولُ: "تَقْرِيباً" لِأَنَّ الصَوائِتَ الطَوِيلةَ تَبْقى ظاهِرةً فِي المَطْبُوعِ العَرَبِيِّ وَلِأَنَّ اشْتِقاقَ الأَلْفاظِ المُخْتَلِفةِ المَوازِينِ، بِالعَرَبِيّةِ، مِنْ مادّةٍ واحِدةٍ يُسْعِفُ السِياقَ شَيْئاً ما فِي بَيانِ اللَفْظِ المَقْصُودِ مِنْ بَيْنِ أَلْفاظٍ عِدّةٍ مُحْتَمَلة. لَكِنّ هَذا الإسْعافَ يَبْقى حَدْسِيّاً وَتَبْقى الصُعُوبةُ قائِمةً وَالخَطَأُ وارِداً. فَلَو انَّ الحَرَكاتِ أُثْبِتَتْ لانْتَفى احْتِمالُ الخَطَأِ بِما فِيهِ الخَطَأُ الصَرْفِيُّ أَو النَحْوِيُّ وَلَاسْتَحالَ النَصُّ، أَيُّ نَصٍّ، إلى وَسِيلةٍ لِتَعَلُّمِ قَواعِدِ اللُغَةِ أَوْ لِاسْتِذْكارِها. إلى ذَلِكَ، يَقْطَعُ التَحْرِيكُ السَبِيلَ أَمامَ الحُجّةِ الرَئيسةِ لِلْأَتاتُورْكِيِّينَ العَرَبِ مِن القائِلِينَ بِاعْتِمادِ الحَرْفِ اللاتِينِيّ: وَهِيَ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَفْهَمَ النَصَّ العَرَبِيَّ سَلَفاً لِتُحْسِنَ قِراءَتَه… فَفِي النَصِّ المُحَرَّكِ يَنْتَفِي احْتِمالُ الخَلْطِ بَيْنَ القِدْرِ وَالقَدْرِ وَالقَدَرِ أَوْ بَيْنَ الفاعِلِ وَالمَفْعُولِ أَوْ بَيْنَ الفِعْلِ وَمَصْدَرِهِ، إلخ… وَهَذِهِ وَغَيْرُها وارِدةٌ، إلى هَذا الحَدِّ أَوْ ذاكَ، فِي قِراءةِ النَصِّ العَرَبِيِّ المُجَرَّدِ مِنْ صَوائِتِه. وَقَدْ أَرادَ أَتا تُورْك، عَلى الأَرْجَحِ، فَوْقَ إرادتِهِ إِدْراجَ تُرْكِيا الجَدِيدةِ فِي أُورُوبّا، بَتَّ الحَبْلِ المَوْصُولِ ما بَيْنَ التُرْكِيّةِ وَتُراثِها وَبَيْنَها وَبَيْنَ التُراثِ الإسْلامِيِّ عُمُوماً… أَقُولُ هَذا كُلَّهُ فِي وَقْتٍ أَصْبَحَ فِيهِ التَطَلُّعُ إلى بَرْمَجِيّةٍ تَتَوَلّى التَحْرِيكَ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِها، بِناءً عَلى تَحْلِيلٍ نَحْوِيٍّ وَدَلالِيٍّ لِلنَصِّ، أَمْراً بَعِيداً عَنْ شُبْهةِ التَهْوِيمِ أَو الهَذَيان. بَلْ إنَّ نَماذِجَ مِنْ هَذِهِ البَرْمَجِيّةِ قَدْ أَصْبَحَتْ فِي المُتَناوَلِ فِعْلاً. فَإذا حَصَلَ التَحْرِيكُ الآلِيُّ بَقِيَ عَلى المُصَحِّحِ، وَهُوَ واجِبُ الوُجُودِ وَالكَفاءةِ فِي كُلِّ حالٍ، أَنْ يَتَدارَكَ ما تَقَعُ فِيهِ البَرْمَجِيّةُ مِنْ أَخْطاء. وَهَذِهِ أَخْطاءٌ يُفْتَرَضُ، كَما هِيَ الحالُ مَعَ بَرْمَجِيّاتِ التَرْجَمةِ، أَنْ تُصْبِحَ أَقَلَّ وُرُوداً كُلَّما تَحَسَّنَت البَرْمَجِيّةُ.

5- ذَكَرْتُ السُلْطةَ اللُغَوِيّةَ أَعْلاه. وَقَدْ كُنْتُ تَناوَلْتُها فِي مَقالةٍ قَصِيرةٍ وَفِي مَواضِعَ مُتَفَرِّقةٍ مِنْ أَعْمالٍ أُخْرى. وَقَبْلَ أَسابِيعَ، قَرَأْتُ خَبَراً مَفادُهُ أَنَّ مَجْمَعَ اللُغَةِ العَرَبِيّةِ فِي القاهِرةِ، وَهُوَ أَوْفَرُ مَجامِعِنا هَيْبةً وَلَعَلَّهُ أَجَلُّها تُراثاً أَيْضاً، يَبْتَغِي مِن السُلْطةِ العامّةِ أَنْ تُقِرَّ تَشْرِيعاً يُعاقِبُ بِغَراماتٍ فادِحةٍ، بَلْ بِالحَبْسِ أَيْضاً، مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الكِتابةَ بِالعامِّيّةِ فِي الصُحُفِ وَسائِرِ وَسائِطِ الإعْلامِ والإعْلان… وَفِي تَرْجَمةِ المُسَلْسَلاتِ المُتَلْفَزةِ أَيْضاً! هَذا هَزْلٌ تَقَعُ فِيهِ مُؤَسَّسةٌ مَعْرُوفةٌ بِالتَجَهُّمِ عادةً! وَقَدْ كُنْتُ أَرى وَلا أَزالُ أَنَّ الإصْلاحَ اللُغَوِيَّ، أَيّاً يَكُنْ، يُقْتَرَحُ وَلا يُفْرَضُ وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسايِرَ الجارِي فِي الاسْتِعْمالِ مُلْتَزِماً فِي ما يَقُولُ بِهِ حُدودَ السائِغِ وَالمُمْكِنِ، مُعْتَدّاً بِكَوْنِ الاسْتِعْمالِ سَتَبْقى كَلِمَتُهُ هِيَ العُلْيا، أَطاعَ دَواعِيَ الإصْلاحِ أَمْ عَصِيَها. هَذا، فِي كُلِّ حالٍ، شَرْطٌ مُرَجَّحٌ لِإقْبالِ مَراكِزِ الإعْلامِ وَالتَعْلِيمِ وَالنَشْرِ عَلى الإصْلاحِ المُرادِ، إذْ مِنْها، لا مِن الأَفْرادِ، يَنْطَلِقُ الإصْلاحُ وَيَنْتَشِر. وَقَدْ سَرَّنِي أَنَّ ألانْ رِيْ، الكَبِيرَ الذِي تَعَلَّمْتُ مِنْهُ، ذاتَ صَيْفٍ، بَعْضَ ما تَعَلَّمْتُهُ فِي مَيْدانِ صِناعةِ المَعاجِمِ، أَدْلى مُؤَخَّراً، فِي صَدَدِ مَسْأَلةِ لَحْظِ المُؤَنَّثِ المَطْرُوحةِ عَلى لُغَتِهِ الفَرَنْسِيّةِ، بِهَذا الرَأْيِ نَفْسِه.

6- بَقِيَتْ إشارةٌ أُخْرى إلى الأُسْلُوبِ، أَيْ إلى مُمارَسةِ اللُغةِ وَالمَعارِفِ المُتَّصِلةِ بِها، مُمارَسةً شَخْصِيّةً فِي الكِتابة. وَقَدْ حَمَلَتْنِي مُناسَبَتان عَلى تَكْرِيسِ دِراسةٍ لكَلامِ الأَغاني عِنْدَ زِياد الرَحْباني وَأُخْرى وَضَعْتُها بِالفَرَنْسِيّةِ، لِأُسْلُوبِ غَسَّان تُوَيْنِي. وَهَذانِ عَمَلانِ لا أُجاوِزُ الإشارةَ إلَيْهِما هَهُنا.

***

لَسْتُ فَقِيهاً فِي نَحْوِ العَرَبِيّةِ وَصَرْفِها وَلا بَقِيَ فِي ذاكِرَتي مِنْ عُلُومِ البَلاغةِ وَلا من عِلْمِ العَرُوضِ سِوى القَلِيلِ المُتَناثِر. أَتَحَيَّرُ أَوْ أَتَرَدَّدُ كَثِيراً، وَقَدْ أُخْطِئُ، فِي مَسائِلَ تَتَوالى مُتَّصِلةٍ بِهَذا أَوْ ذاكَ مِنْ عُلُومِ العَرَبِيّةِ المُتَرامِيةِ الأَطْراف. أُقِرُّ بِشِدّةِ قُصُورِي وَأَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَبْقى مُلازِمِي، عَلى الدَوامِ، فَأَتَناوَلُ، حِينَ أَفْطَنُ إلى جَهْلِي، كِتاباً أَوْ مُعْجَماً عَنْ رَفٍّ أَوْ أسْتَطْلِعُ (وَهَذا باتَ هُوَ المُرَجَّحَ فِي الأَعْوامِ الأَخِيرةِ) ما تَعْرِضُهُ الشَبَكة. وَالشَبَكة أَصْبَحَتْ تَعْرِضُ ما يَفِيضُ عَن الحاجةِ وَالطاقةِ بِكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ اللُغَةِ وَمَعاجِمِها. تَعَلَّمْتُ أَكْثَرَ ما تَعَلَّمْتُ مِن المُطالَعةِ لا مِن المَدارِس. تَعَلَّمْتُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ وَلَعِي بِالفُصْحى وَبِنَثْرِها وَشِعْرِها وَمِنْ مُزاوَلةِ الكِتابةِ بِها، لا رَيْبَ. مِن العامِّيّاتِ أَيْضاً وَمِن الفَرَنْسِيّةِ التِي أَكْتُبُ بِها وَأَقْرَأُ كَثِيراً تَعَلَّمْتُ أُمُوراً مُهِمّةً تَتَعَلَّقُ بِالعَرَبِيّةِ الفُصْحى! وَأَسْعَفَنِي، عَلى التَخْصِيصِ، فِي الزِيادةِ عَلى ما كُنْتُ أَعْرِفُ وَفِي تَنْظِيمِهِ عَمَلِي مُدّةَ أَعْوامٍ سِتّةٍ فِي فَرِيقٍ كانَ عاكِفاً عَلى وَضْعِ مُعْجَمٍ فَرَنْسِيٍّ عَرَبِيٍّ لِلتَلامِذة. لَمْ يُبْصِر المُعْجَمُ النُورَ، مَعَ الأَسَفِ، لِأَنَّ المَرْكَزَ الذِي كانَ مُتَوَلِّياً مَشْرُوعَهُ وَمَشارِيعَ عِدّةً أُخْرى تَعَثَّرَ وَأْسْدَلَ العَتْمةَ عَلى صَنادِيقِ البِطاقات. وَلَكِنَّنِي كَسَبْتُ، فِي هَذا المَرْكَزِ، عِشْرةَ المَعاجِم يَوْميّاً فَضْلاً عَنْ عِشْرةِ الزُمَلاء. كَسَبْتُ أَيْضاً أَبْحاثاً أَجْرَيْتُها فِي المِضْمارِ المُعْجَميّ، ولم أُشِرْ إلَيْها أَعْلاهُ، تَناوَلَ بَعْضُها تَنْظِيمَ المُعْجَمِ اللُغَوِيّ وَأَحَدُها وَضْعَ مُعْجَمٍ لِعُلومِ القُرْآنِ وَآخِرُها صِناعةَ مُعْجَمٍ جَدِيدٍ لمُصْطَلَحِ العُلومِ النَفْسانِيّةِ وَالاجْتِماعِيّة. وَقَدْ أثْبَتُّ ما وَجَدْتُ وَجْهاً لِنَشْرِهِ مِنْ هَذِهِ الأَبْحاثِ فِي كِتابَيَّ اللَذَيْنِ سَبَقَت الإشارةُ إلَيْهِما، وَهِيَ نُصُوصٌ وَعْرةٌ بَعْضَ الشَيْءِ لا أَنْصَحُ بِقِراءَتِها غَيْرَ المُضْطَرّ.

هَذا كُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً. وَما دامَ كَلامِي تَكْراراً كُلُّهُ لِكَلامٍ سَبَقَ، فَلْأَخْتِم، مَرّةً أُخْرى، بتَكْرارِ قَوْلِ القُدَماءِ مِن النُسّاخِ المَسيحِيِّينَ، حِينَ كانَ واحِدُهُمْ يَفْرُغُ مِنْ نَسْخِ مَخْطُوطٍ ما: "إلى هُنا أَعانَنِي الله!"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard