التمييز الاقتصادي والعنف: دائرة مفرغة

3 كانون الأول 2018 | 20:47

المصدر: "النهار"

تكاد طرقات لبنان لا تخلو من إعلانات الهيئات والجمعيات حول حقوق المرأة ووجوب حمايتها.

من الإعلان عن الخط الساخن الذي استحدث أخيراً بهدف الإبلاغ عن العنف الأسري وطلب التدخل، إلى المطالبة بإقرار القوانين التي تجرم #التحرش الجنسي وتزويج الطفلات وتلك المطالبة بتشديد العقوبات على المغتصب، يظهر جلياً تعدد الجهات العاملة على حقوق المرأة. كما نشعر بثورة الغضب على أحوال النساء ومحاولات إسماع الصوت ورفع الوعي حولها. ومع بروز دراسات عدة عن التكلفة الاقتصادية للعنف وأثر التمكين الاقتصادي في التصدي له، يتبين أن قضايا المرأة حلقة مترابطة. ونتساءل عن وضع القوانين التي ترقد في سبات تشريعي عميق في أدراج مجلس النواب والخاصة بشؤون المرأة والتمييز ضدها، وإذ لم يئن الاوان بعد بنظر المشرعين لادراجها ضمن الاولويات. اذ لطالما وضع المشرعون، وغالبيتهم من الذكور، شؤون المرأة في المراتب الدنيا لاولوياتهم، وكلما هبت الرياح السياسية، قذفت بأجندة المرأة الى قعر الاهتمامات الحكومية والبرلمانية بالرغم من أثرها الإنساني والتنموي.

تشير كافة الدراسات الحديثة الى الكلفة الاقتصادية المرتفعة التي تتكبدها البلدان من جراء التمييز الجندري وخسارة المشاركة الفعالة للمرأة.

ووفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة ماكينزي McKinsey عام 2015، يُقدّر أن استثمار إمكانات وقدرات المرأة الكبيرة للمساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية سيوفر 600 مليار دولار من التأثير السنوي المحتمل (Potential annual Impact). ومن شأن سد الفجوة بين الجنسين في معدلات المشاركة في القوى العاملة أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 47% في عام 2025 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إن تعزيز مشاركة الاناث في القوى العاملة يعطي دفعة للنمو في الاقتصاد من طريق تخفيف اثر انكماش القوى العاملة وفقاً لدراسة صندوق النقد الدولي، اذ ان الشعب اللبناني يتجه نحو الشيخوخة كما تظهر دراسة لصندوق الامم المتحدة للسكان.

في دراسة نشرتها منظمة العمل الدولية يتبين ان نسبة مشاركة المرأة اللبنانية في اليد العاملة تقدر بـ 24% فقط علماً ان 54% من خريجي الجامعات هن من الاناث، وان اغلاق الفجوة الجندرية للمشاركة الاقتصادية بنسبة 25%، سيساهم برفع الدخل القومي العام بما يقدر بـ9 مليارات دولار كقوة شرائية (Purchasing Power Parity) .

ولرفع هذه النسبة وتحقيق النمو المرجو، وجب وضع خطة استراتيجية وطنية لتمكين المرأة اقتصاديا.

علينا بمنظومة قانونية متطورة تزيل التمييز من القوانين الحالية كقانون الضمان الاجتماعي، وقانون التجارة، وقانون العمل وتبني أرضية للحماية الاجتماعية تتضمن إقرار القوانين التي تجرم التحرش الجنسي، المساواة بالأجر، الاعتراف بعمل المرأة غير مدفوع الاجر والعمل غير المهيكل.

نظام يؤمن التوازن

وضع نظام يؤمن التوازن بين الحياة العائلية والحياة العملية للمرأة كما فعلت الدول الاسكندينافية كالنروج والسويد وايسلندا، يتضمن وضع أنظمة لرعاية الطفولة المبكرة، ذوي الحاجات الخاصة وكبار السن وجميعهم ممن تقع مهمات رعايتهم بشكل رئيسي على النساء بسبب أدوار الرعاية التقليدية، واصلاح نظام الاجازة الوالدية ووضع المرأة بعد الولادة.

تحويل الانماط والصور الاجتماعية عن عمل المرأة، فأطفال المرأة العاملة هم اكثر تمكيناً ونجاحاً وفق دراسة نشرتها جامعة هارفرد في تموز 2018، كما ان المرأة تعيد استثمار 90% من مدخولها في عائلتها مما يساهم في تنمية العائلة والمجتمع.

تهيئة ظروف متكافئة حيث يجري العمل على توجيه الفتيات نحو المهن العلمية والمستقبلية كي لا يعانين من البطالة التي تستهدف الإناث مرتين اكثر من الذكور في لبنان.

هناك حاجة لاتخاذ قرارات جريئة لتغيير ثقافة الشركات والمؤسسات. فتوظيف النساء يتيح الاستفادة بدرجة اكبر من المواهب المتاحة، وتمثيل المرأة في مجالس الإدارة يساهم في كسر السقف الزجاجي ويحفز الأجيال الشابة من الفتيات على العمل، وينعكس نموا من خلال تعزيز الحكم الرشيد. ولعل تطبيق مجلس الوزراء برئاسة دولة الرئيس سعد الحريري لكوتا نسائية في التعيينات الإدارية أتت لأول مرة بعدد غير مسبوق من النساء إلى المراكز القيادية يشكل قدوة.

على الدولة العمل على جندرة الموازنة فهي إحدى الأدوات المساعدة في تحقيق التوازن الجندري وإزالة التمييز اذ انها تبين كيفية رصد الأموال وصرفها على المشاريع وما اذا كانت تستهدف الاناث مباشرة او يستفدن منها، علما ان أموال موازنتي الهيئة الوطنية لشؤون المرأة ووزارة الدولة لشؤون المرأة مجتمعتين لا تتعدى مبلغاً مرصوداً لمشروع صغير في اية وزارة.

علينا العمل على إزالة الحواجز والمعوقات الأخرى التي تواجه المرأة كالوصول الى المعلومات والى الموارد المالية من خلال تحديث أنظمة التسليف والإسكان.

ولعلنا نقتدي بتونس حيث أقرّ قانون شامل لحماية المرأة من كافة اشكال التمييز، واقر مجلس وزرائها قانون المساواة بالارث اعترافاً بقدرات النساء وحقوقهن ومنع تهميشهن والتمييز ضدهن ومن اجل ضمان وصولهن الى الموارد.

وأخيراً، فإن التمييز هو أحد اسباب العنف، وهو دائرة مفرغة يجب كسرها ليس فقط من أجل تنمية قدرات المرأة بل من أجل تنمية المجتمع ككل.

ويصح قول الدكتورة نوال السعداوي ان "المرأة كالدولة... إن لم تنفق على نفسها بمالها، فقرارها ليس بيدها". 


*نائب رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard