راشيا الوادي عروس جولتي البقاعية... استقلال وجمال وأكثر!

23 تشرين الثاني 2018 | 21:38

المصدر: "النهار

راشيا الوادي بعدسة نضال مجدلاني.

في هذا الأسبوع الذي احتفلنا خلاله بذكرى الاستقلال، وأشدّد على كلمة "ذكرى"، كلّي رجاء أن يستقلّوا فعلياً عن "الأنا" ويصلوا إلى اتّفاق يرسو بالبلد على برّ الاستقرار السياسي والاقتصادي، علّنا نبدأ جدّياً بالعمل على الأولويات الأخرى، ومن أهمها وقف أعمال التدمير لبعض جبالنا وطبيعتنا، ولكن طبعاً بعد الاهتمام بشؤون الإنسان كافة، وأيّ صورة يمكن أن تعبّر فعلاً عن السجن المؤقت للبلاد

وانطلاقاً من هذه الذكرى، ولدعم "مدينة الاستقلال"، ارتأيت أن أعرض عليكم مشروع "كزدورة" ليس صعباً القيام به في نهار واحد، حتّى ولو كان الانطلاق من بيروت. وهو غنيّ بالمشاهد الجميلة على طول الطريق المؤدي إليها وفيها، كما أنّه يشمل التنوّع بين التراث العريق والتاريخ الوفيّ. وطبعاً فإنّ "الكزدورة" لا تكتمل من دون التمتّع بالسفرة المميزة دائماً. أليس هذا بديلاً مناسباً لقضاء نهار عطلة بدلًا من الاسترخاء بين أربعة حيطان أو الاكتفاء بالكزدرة إلى مطعم؟!

ولا يُخفى أن راشيّا الوادي هي "مدينة الاستقلال" والمعروفة بقلعتها الشامخة حيث سُجن فيها رجالات استقلالنا عن الانتداب الفرنسي سنة 1943. وقصة الاستقلال درسناها في كتب التاريخ ويمكن تصفّح تفاصيلها عبر المراجع الرسميّة والانترنت أيضاً. ولهذا لن أغوص في هذا الشق، ولكني سأعرض لاحقاً بعض جوانب هذه القلعة التاريخيّة لعلّها تستقطبكم وتحمّسكم لزيارتها.

شخصياً، انطلقت إلى راشيا الوادي من بيروت في يوم أحد، وقد رافقني متابعيّ بجولتي عبر بثيّ المباشر والـstories على حسابيّ في إنستغرام.  تبعد البلدة عن بيروت ما يقارب 85 كلم من طريق شتورا – المصنع، ويمكن الوصول إليها عن طريق مرجعيون – حاصبيا، بمسافة 33 كلم، وتقع في قضاء راشيا ضمن محافظة البقاع، على سفح جبل الشيخ (حرمون)، أما أراضيها فترتفع تقريباً من علوّ 1300 إلى 2800 متر عن سطح البحر، أي إلى قمّة جبل الشيخ.

وقبل الوصول إلى هذه البلدة المميّزة، ما رأيكم بأخذ استراحة من السيارة والتمتّع بترويقة بلديّة على الأصول في مزارع دير تعنايل (قضاء زحلة) ومطعمها، ثم التنزّه في أرجاء أراضيه المباركة، التي تحتوي على شتّى أنواع الأشجار والطبيعة الخلابة التي تزيد من رونقها بحيرته الحاضنة للبطّ، وكنت قد وصلت إليها وقت الـ"سيستا" كما هو واضح في لقطتي.

ولهؤلاء الذين لا يبغون الذهاب إلى أبعد، يمكنهم استكشاف زوايا هذه الأرض ومزارها والتمتّع بقيادة الدراجة أو ركوب عربة الخيل والاسترخاء على صوت العصافير وحفيف أوراق الاشجار، ومن ثمّ زيارة زحلة ومعالمها والتمتّع بأطيب وجبة غداء فيها.

أمّا للمهتمّين في يوم ناشط ومتنوع، فما عليكم إلّا أن تنطلقوا مجدّداً لمسافة 40 كلم للوصول إلى بلدة راشيا. وسوف تلحظون أراضي شاسعة ومزروعة بين القرى المنتشرة على جوانب الطريق الرئيسية، كما ستمرّون بمفرق بلدة عنجر إلى شمالكم. وقبل الوصول سوف تلفت نظركم بسطات ومحالّ تعرض أعمال المنطقة الحرفيّة.

وصلت إلى هذه البلدة، التي يحدّها قضاء البقاع الغربي غرباً وقضاء حاصبيا جنوباً وقضاء زحلة شمالاً والحدود السورية شرقاً, عبر هذا الطريق

وبدأت زيارتي بلقاء هذا الأستاذ المحب لضيعته، في ساحة البلدة الرئيسية، وهو من القلائل الذين يفتحون أبواب محالّهم يوم الأحد لقلة الزائرين، حسبما اشتكى إلي، وشكواه هذه صبّت في صميم مهمّتي وهاجسي، وهو دعم ضيعنا وسكانها ولو بزيارة نقوم من خلالها بشراء منتوجاتهم ووجبة طعام، وهكذا نكون أعطينا وأخذنا وشغّلنا عجلة الاقتصاد من دون أن ندرى حتّى. ألسنا جميعاً أبناء بلد واحد ومصلحتنا واحدة؟ وأليست مصلحتنا جميعاً تشجيع القروي للبقاء في أرضه وصون حدودها من كل طامع فيها؟

وهكذا قضيت بعض الوقت أتحدّث معه وتنقّلت بين أغراض محلّه، من راديو قديم إلى هذا الجزدان العائد لتقاليد الزواج سابقاً التي كانت تقضي بإهدائه إلى العروس لملئه بالنقود، وغيرها من الأغراض والقصص.

وبعد شكره لتقديم خدماته ودعمه لما أقوم به، ودّعته متوجّهة إلى سوقها المميّز والمحافظ على الطابع التاريخيّ الأثري، بحجارة أرضيته وأبوابه الخشبيّة وأبنيته المحاوطة.


كما التقيت بهذا العم الذي سمح لي بهذه اللقطة التي تختصر حكاية زمن وثقل سنينه.

وكيفما تنقّلتم في أرجاء هذه البلدة لا يشبع نظركم من جمال بيوتها التراثية وأبنيتها وكنائسها الاثريّة ومطلّها المميّز وبيئتها المنوعة. كما أن أهلها مضيافون، لا يتركونها لا صيفاً ولا شتاءً، ويعملون جاهدين لتنميتها في شتّى القطاعات.

ولا بد من المرورعلى هذه العين قبل الوصول إلى "قلعة الاستقلال"، وهي مبنيّة من حجر راشيّا القديم، وعمقها 54 درجة.

ونصل أخيراً إلى القلعة التاريخيّة والمبنيّة في القرن الحادي عشر، وتكاد تسمع أصداء القصص التاريخيّة في زوايا غرف الاعتقال، حيث كان الطعام يُعطى لهم من فتحات في السقف، كما أن وجود صور تاريخيّة قديمة تنقلك إلى قلب الحدث والزمن.

وقبل مغادرة البلدة، لا تنسوا شجرة الأمنيات، أو النذور إذا صحّ التعبير، لتعليق أي قطعة من قماش من أثركم الخاص، وتمنّي أمنية واحدة لتتحقق بالفعل كما في التقاليد وخبرة المجرّبين. أما بالنسبة لي فقد تمنيت أمنيتين من كل قلبي وثالثة على درجة أقل ويمكن أن أقول إن أمنيتي الكبرى سائرة في طريقها الصحيح لتتحقق.

ومن هنا، من ساحة البلدية أختم زيارتي السريعة لهذه البلدة بهذه اللوحة التي تختصر حكاية بلد، جذوره وبقاؤه مرسّخ بتعانق أديانه المتنوعة كافة، تحت راية سلام واحترام ومحبّة متبادلة.

ومسك ختام هذا المشوار زيارة عنجر للتمتع بالسفرة اللبنانيّة - الأرمنيّة المميّزة وتوديع شمس النهار من مدينتها الأثرية، أو التوجّه إلى قضاء زحلة للاستمتاع بطبيعتها وسفرتها اللبنانيّة التقليديّة.

ودمتم بخير حتّى لقائنا المقبل، وكلنا أمل أن يشعَّ النور على بلدنا وننعم بكل ما نتمنّاه في ربوعه.

كما يمكنكم متابعة stories هذا المشوار وغيره عبر حسابي على انستغرام.

 وعلى فايسبوك، وتويتر، وكذلك على مدونتي. 


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard