بالصور: مشواري اليوم إلى اعالي كسروان... حيث وادي الصليب

10 تشرين الثاني 2018 | 13:29

المصدر: "النهار

مشواري اليوم هو إلى كفردبيان, لكن ليس كفردبيان الاثار ولا كفردبيان المطاعم والشاليهات والقصور انّما كفردبيان الطبيعة والتاريخ والضيعة القديمة التقليدية وتحديداً الى وادي الصليب, هذا الوادي الذي لم يجزم حتّى اليوم من اين أخذ اسمه، ان كان من جراء اضاعة صليب لراهب مار من هناك أو لوجود صخرة منقوش الصليب عليها وتعرف بحجر الصليب او للدلالة على الحروب والمجاعة التي عانى منها اهله قديماً. كما أنّ إلتقاء عدّة أنهر فيه على شكل صليب قد يكون وراء هذه التسمية.


تعتبر كفردبيان من أكبر بلدات لبنان بمساحة 40 كلم مربع، تبعد 44 كلم من بيروت، على ارتفاع 600-2800 م عن سطح البحر، واسمها يعود في أصله الى السريانيّة ويعني قرية الغزلان. وهي قرية قديمة ترجع بتاريخها الى ما لا يقل عن ستة الاف سنة كما تشهد بعض اثارها كقلعة فقرا وتشتهر بالاضافة الى ما ذكرته بتفاحها ومراكز التزلج.


هي رحلة مشي في هذا الوادي للوصول الى نهره الذي يتغذى من نهر نبعي اللبن والعسل. وهو يقع في قضاء كسروان ويمتد بين القليعات وكفردبيان وفيطرون فاصلاً بين قضاءي المتن وكسروان وتتداخل ملكية الاراضي بين الكنيسة وأفراد، معظمها من هذه القرى.



وبحسب سكان كفردبيان فإنّ السكن في الوادي يعود الى سنة 1613، وكان معروفاً بأرضه الغنية والمعطاءة ومقصداً لاهالي القرى والجوار لشراء محاصيله من خضار وفاكهة ومنتوجاته. فقد اشتهر أيضاً بتربية دود القز وبمطاحن القمح والبرغل بالاضافة الى معاصر الزيت وغيره. ويُحكى أنّ في العام 1957 تركت اخر عائلة الوادي (عائلة القاعي) ليصبح مهجوراً من أهاليه وأرضه الزراعية مهملة. ويعود هذا الى هجرة أهاليه الاساسية في 1914 ومن ثمّ في الحرب العالمية الثانية جراء الجفاف والجوع، بعدما حُوّل مسار مائه لخدمة الجيش المنتدب وقتها.


ومن هنا لا بد أن يكون هذا الوادي غنيّاً بالمعالم التراثية من مخلفات الحياة التي ضجّ بها في يوم من الايام والتي نأمل أن تعود قريباً، وهو ليس بأمل وهميّ كما سأذكر في سياق مشواري معكم الان.



بالعودة الى رحلتنا التي قمنا بها منذ أسبوعين، فقد قمنا أنا ورفاقي بركن السيارة في البلدة ومشينا الطريق نزولاً حتّى النهر وهو الطريق الاقل شدّة لأنه يتطلب النزول في البدء بدلا من انهائه صعوداً، ومن هناك إلى جسر القليعات-كفردبيان، مسافة تُقارب السبعة كيلومترات. وكان البعض منّا قد ترك سياراته هناك على الجسر. ويمكنكم الاستعانة بخدمة نقل لتعود بكم الى نقطة الانطلاق وأهالي البلدة دائماً على إستعداد للمساعدة، كما اختبرت شخصياً.


وكان لافتاً المجهود المبذول من قبلهم ومن قبل القرى المجاورة للمحافظة على الوجه الارثي والطبيعي والتقليدي للوادي حيث أوقفوا أعمال تعدّيات شتّى كبناء أبنية على حدوده وإقامة المقالع، وأوقفوا أعمال السرقة لحجارة أنقاض البيوت والمعامل والتي طالت أيضاً أشجار زيتون معمّرة، ببناء بوابة حديد على مدخله عند جسر القليعات-كفردبيان، وهو الاقرب للقادمين من المتن. والجدير بالذكر انّ أغلبية السكان لا يتركون بلدتهم في فصل الشتاء بالرغم من قساوة طقسها، كما أنّ الجهود تُبذل لتصنيف هذه الارض كمحميّة طبيعية وأثريّة.



بدأنا المشي نزولا عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً بمرافقة الطيور وغنائها الممتع للسمع، وفي الفيء اذ كانت الشمس لا تزال خلف جبل الوادي. كان الجو صافياً والطبيعة مغتسلة بالمطر الذي هطل بغزارة ذلك الاسبوع وممّا جعل الدرج الروماني أو ما تبقّى منه، زلقاً الى حد ما كما لاحظ متابعون في بثيّ المباشر على حسابي على انستغرام. وهذا الدرج معروف كثاني اطول درج روماني في لبنان بعد درج جبل موسى. ومن ثمّ إلتقطت آذاننا صوت خرير الماء ونحن متشوقون للوصول الى النهر متجاهلين وعورة الطريق المغطى بالحجارة في أوّل أقسامه.



ومن أول الاثار التي تُطل علينا من بين الكثافة الحرجية هي طاحونة نصلها عبر جسر مبنيّ على نهر الصليب، وهو جسر عثماني ذات قنطرة رائعة بناه المتصرف راجا باشا سنة 1898 بحسب معلومات الاستاذ نسيب عقيقي المشكور على مساعدتي لتوثيق المعلومات إذ ليس هناك حتّى الان مراجع رسميّة. وكان هذا الجسر الشريان الاساسي لطريق المكارية والمارة والرابط بين كفردبيان والقرى المجاورة وصولا لساحل كسروان. وهذا النهر ذاته هو الذي يعرف بنهر الكلب على الساحل.

وقد ذكر الأستاذ عقيقي انه أحصيت 150 خربة، الباقي منها 45 وتضم أيضاً كنيستين في خراج بلدة فيطرون والقليعات.




ومن أروع ما رأيت في هذا اليوم وأكثر ما فرّح قلبي هو هذا البيت المُرمّم والذي يُشكّل جزءاً من مشروع يعيد الحياة لهذا الوادي الغنيّ والمهجور، بدعم من الإتحاد الأوروبي ووزارة التنمية الإدارية ويقضي بترميم ما لا يقل عن أربعين بيتاً وطواحين وتأهيل دروب بهدف "العودة الى الجذور". وقد رمّم حتى الان ثلاثة بيوت والجسر العثماني الذي كان على وشك الانهيار والجسر الخشبي وتتولى إدارة المشروع جمعية إنماء إرث وثقافة بإشراف اتحاد بلديات كسروان. ويهدف تشجيع المالكين للترميم ولجعل الوادي مركزاً سياحياً إيكولوجياً  ليحوي مستقبلا بيوت ضيافة ويغدو صورة حيّة للضيعة القديمة تدعو للتثبت بالجذور.




ومن أجمل العادات التي ما زالت قائمة هي توافد سكان قُرى القليعات وكفردبيان وفيطرون للاحتفال بالقداس الالهي في يوم عيد مار بطرس وبولس، في التاسع والعشرين من حزيران، في باحة الكنيسة التي دُمّرت بسبب تدحرج حجر ضخم عليها.

وهنا نرى إشارة صليب المذبح والقنطرة المتبقية من الكنيسة.


وكان لقاؤنا بالراعي الخفيف الظل وقطيعه مصادفة جميلة، كما التقينا بعدة عائلات لبنانية واجنبية ومجموعات من الكبار والصغار ويمكنكم مشاهدة مقتطعات فيديو للراعي وتفاصيل أخرى في صفحتي بإنستغرام باسم Hike Deir el Salib



والجميل في هذا الوادي انه يحوي على مساحة للـ picnic ومقاعد للراحة وتأمل ما اغدقه الخالق من بركات وكل ما يطلب منا أن نحافظ عليها وعلى نظافتها فـ #مش_كل_ما_كزدرنا_وسّخنا_ورانا


وأستودعكم بلوحات الغروب فوق الوادي وجبال كسروان وكلنا أمل أن تحذو قرانا وبلداتنا حذو هذه البلدة ليس فقط لنحافظ على إرثنا بل لننهض بثورة عمرانيّة، على قدر المستطاع، تعود بكل منطقة إلى قديمها الذي لا غنى عنه مهما تقدّمت بنا التكنولوجيا وحملنا "التمدّن" الى عصر جديد.


يمكنكم متابعة تجوالي عبر الـ stories على صفحتي في: انستغرام 

وفي فايسبوك على هذا الرابط (اضغط هنا)

وعلى تويتر، كذلك يمكنكم تصفح المدوّنة الخاصة على الرابط التالي: (اضغط هنا)


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard