جبران تويني: كلّما صاح الديك... #الحقيقة_لا_تموت

2 تشرين الثاني 2018 | 11:58

المصدر: "النهار"

عدد النهار الذي صدر بالأبيض في 11 تشرين الأول (ا ب).

لمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب، نستعيد المقال التالي للشهيد جبران تويني الذي نُشر في 7 آب 2003:

في 4 آب 1933، أسس جبران تويني جريدة "النهار". يومها لم يكن لبنان قد نال استقلاله بعد، واعتبر جبران تويني ان "النهار"، تماماً ككل صحيفة حرة ومستقلة، لها دور اساسي في معركة الاستقلال ومعركة ما بعد الاستقلال، معركة بناء الوطن والمجتمع وتحصينهما.

كان لجبران تويني حلم ورسالة عمل على اساسهما طوال حياته الصحافية السياسية، معتبراً ان الرسالة الصحافية لا تُختصر بعمر انسان، بل تتخطى الشخص وتستمر عبر المؤسسة الصحافية...

... وعلى هذا الاساس اعتبر ان المؤسسة الصحافية ذات الرسالة الواضحة لا يمكن ان يكون عمرها مرتبطاً فقط بعمر مؤسسها او مرتبطاً بعمر من يشرف عليها، بل اعتبر وعن حق ان كل من اشرف عليها كان مؤتمناً على تنفيذ الرسالة من اجل الوصول الى الهدف، هدف خدمة الحرية والحقيقة والانسان والوطن من اجل التطور الذي لا يتوقف.

... وعلى هذا الاساس، كتب جبران تويني يوم غادر لبنان الى "المنفى"، الى الارجنتين حيث عيّن سفيراً، رسالة الى ابنه وليد، ترسم بوضوح سياسة "النهار"، وكانت بمنزلة الوصية، وكأن جبران تويني كان يعرف انه لن يعود من المنفى وان "النهار" يجب ان تستمر وتدوم حتى بعد غيابه من اجل هذه الرسالة المقدسة، من اجل لبنان والحرية في لبنان ودور لبنان الريادي في العالم والعالم العربي.

كتب جبران تويني آنذاك:

""النهار" جريدة لبنانية عربية، تدافع عن لبنان واستقلاله بكل ما فيها من قوة. واذا اختلف لبنان مع اية دولة عربية او غربية كانت معه بدون تردد ولا تحيز...

سياستها لا طائفية. فهي وطنية تحلّق فوق الطوائف وتدعو الى احلال الرابطة الوطنية اللبنانية محل الطائفية المذهبية في كل المسائل العامة... .

نحن لا نعادي الاجانب عن تعصب اعمى، لأننا لا ننكر ان للاجانب فضلا على البلاد، ولكننا لا نريد ان يؤدي هذا الاقرار بالفضل الى تذويب شخصيتنا، واضاعة استقلالنا، والقضاء على كياننا. فنحن نحارب كل تدخل اجنبي في شؤوننا، ايا كان لونه، واذا وجدنا ان معونة الاجنبي ضرورية لصون استقلالنا، اخترنا اقل الاجانب ضررا بنا، وابعدهم عن ابتلاعنا.

على اننا في ميدان الثقافة نحب ان يظل لبنان ذا طابع ثقافي تقدمي، فلا ينكر كل ما يأتينا من الغرب من فنون جميلة وعلوم حديثة وآداب رفيعة، على شرط ان ندنيه من افهامنا ونقرّبه من ادراكنا اللبناني العربي، ونضمه ضماً صحيحاً لا اثر فيه للقشور، بل يعتمد على اللباب.

للبنان في العالم العربي مركز خاص، ولكنه غير شاذّ، بل يجب ان ينسجم مع المجموعة العربية. وكما اننا لا نقرّ الانحراف مع الثقافة الاسلامية (التي اشترك في تكوينها مسلمون من كل الامم) فنحن لا نقرّ الانحراف مع الثقافة المخضرمة الشعوبية، فنحن نأخذ من الغرب كل خير نافع، لنتمثله ونضمه ضمن النطاق الثقافي العربي، ونكوّن للبنان ثقافة يتميز بها عن بقية الاقطار العربية مع بقائه ضمن مجموعتها، اي ان يكون في الطليعة، من غير ان يشذّ عنها. لانه القطر الوحيد بين الاقطار العربية الذي يستطيع ان يوجد لنفسه وللعالم العربي ثقافة محررة من قيود الماضي وما يتخللها من خرافات الصقها به الجهل او التعصب. فنحن لا نريد ان نكون متعصبين لماضينا تعصباً اعمى، بل تعصباً واعياً نيّراً.

"النهار" ديموقراطية. نحن ديموقراطيون لأننا ضد كل استبداد في الحكم او في الفكر. ولكن الديموقراطية ليس معناها "الاباحية"، بل معناها مزاولة الحرية ضمن حدود السلطة الواجبة للمحافظة على كل كيان يريد البقاء حراً يتنفس تنفساً طبيعياً، يفسح المجال لكل الآراء والمذاهب الفلسفية، ويحترمها احتراماً معقولاً.

فنحن نحترم، وندافع عن النظام الديموقراطي، على شرط ان يظل ضمن الشورى. اما اذا هو خرج عن هذه الحدود فلا نرضى ان ينحرف الى شيوعية متطرفة، ولا الى استبداد جماعة او فرد بالمجموع اللبناني، لأن الديموقراطية تحترم كل الآراء ولكنها تأبى ان يستبد واحدها بالآخر...".

... هذه هي وصية جبران تويني لابنه وليد، بل لكل من ساهم في صنع "النهار" وعلى رأسهم غسان تويني الموجود دائماً وابداً في قلب "النهار"، وصية ترسم سياسة واضحة احترمتها "النهار" طوال سبعين عاماً لا لتكون وفية لمن اسسها فحسب، بل وفية لرسالتها ولاقتناعها بان هذا الخط السياسي بالذات هو السبيل الوحيد لبناء وطن حر متطور وعصري.

وعلى هذا الاساس ايها القارىء، كانت "النهار" وما زالت تعارض وتناضل، لا تهادن، وتدافع بكل قوة عن الحريات العامة وعن الانسان وعن الارض، كانت "النهار" تُتهم وتُحاكم وتُلاحق، وما زالت، وكان العاملون فيها يتحملون كل انواع الضغط وما زالوا.

سياسة "النهار" واضحة كـ"وضح النهار" (عنوان زاوية جبران تويني في "النهار")... وستبقى واضحة وثابتة ومستمرة لسبعين عاماً ولمئة عام ولأجل غير مسمى، الى جانب الوطن والقارىء، تدافع عن قضاياه، ترافق العصر، تتطور معه، بل تساهم في تطويره، تتكلم لغته، تتحرك، تقلب الطاولات، تحلم، تصرخ، تفرح وتحزن، ترفض اليأس والاستسلام، ترفض التحجر ولكنها تتمسك بمبادئها وبرسالتها...

... عمرها من عمر الايمان بالروح الابدية، لا من عمر الانسان، لذلك لا عمر لها!

عمر "النهار" اليوم سبعون عاماً، سبعون عاماً من النضال المستمر من اجل حرية الانسان وحرية الارض...

... وبعد سبعين عاماً تبقى الغصة في قلوبنا بسبب واقع وطننا الأليم، ويبقى وعدنا واحداً، وهو اننا سنبقى نعمل من اجل تكريس الحرية وتثبيت الديموقراطية واسترجاع السيادة والقرار الحر وتحصين الاستقلال وتفعيل دور لبنان في العالم حتى آخر نقطة حبر في قلوبنا وآخر نقطة دم في اقلامنا...

... معلنةً الحرية كلما صاح الديك!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard