أنتَ أيها الكلب أخي ومواطِني

12 تموز 2018 | 18:06

المصدر: "النهار"

الغلاف.

كتبتُ قبل يومين عن حياتنا اللبنانية، تحت عنوان "عيشة كلاب وميتة كلاب في جمهورية المواطنين – الكلاب" (الثلثاء 10 تموز الجاري)، وهي الحياة التي "أظنّ" أننا نحياها في ظلّ مأساتَين متوازيتَين متكاملتَين؛ مأساة غياب أخلاقيات السياسة وقيمها في ممارسات أهل السلطة، ومأساة غياب المواطن.

هذان الفريقان، السلطة والمواطن، الطبقة السياسية الحاكمة وطبقة المحكومين، يعزّ عليَّ أن أستنتج أن كلّاً منهما – وإلى حدٍّ كبير، لكن مع وجود استثناءات طبعاً - "تآخى" مع مفهوم "الحياة – الكلبة"، إلى حدٍّ بات معه الفرار أو الموت أو النسيان أو الجنون، أغلى ما يمكن أن يشتهيه المرء، الذي يرفض التدجّن والرضوخ لهذه المعادلة الكابوسية تحت "سماء لبنان".

لم يكن في بالي قطّ، أن أقلّل قدْر الكلب؛ هذا "الحيوان"، الصديق الجميل العزيز الوفيّ الراقي الحنون المخلص الملتزم الصدوق الطيّب الرؤوف السَّكوت الناطق بألف مغزى ومعنى ووجع وقصيدة، الذي جعلته "لوموند ديبلوماتيك" ملفّاً للبحث، وعنواناً لغلافها عن شهر تموز 2018: "الحيوان، أيمكن اعتباره مواطناً كالآخرين؟".

في غمرة هذا السقوط النافر، الذي يأخذ معه كلّ شيءٍ تقريباً إلى القعر، أتطلّع إلى ملفّ الفساد اللامسبوق، ملفّ الفضائح الضخم، ملفّ الصفقات، ملفّ البيئة القتيلة، ملف تأليف الحكومة، وملفّ الخطاب السياسي المهين، فلا أعثر في مناورات أهل السياسة، من أعلى الهرم إلى أسفله، إلاّ على تجليات "الكلبية السياسية" cynisme politique، حتى لأسأل نفسي بعجبٍ ذاهلٍ: كيف، إلى حدّ الآن، لم يتبلور مشروعٌ ثقافيّ – فكريّ – أخلاقيّ – قيميّ – سياسيّ – وطنيّ، يضع برنامج عمل لصناعة "النخب البديلة" في الميادين كافةً، بهدف إحداث عملية التغيير الدؤوبة المنشودة، و"الاستيلاء" على السلطة، من "طريق الضغط الديموقراطيّ المنظّم" الذي يفترض أن تمارسه هذه "النخب البديلة"، بوعيٍ استراتيجيٍّ متكامل؟

كيف يمكن "المواطنين" في معظمهم أن يعيشوا هذا الغياب المريب والمخيف والمخزي لمشروعٍ كهذا؟ كيف يمكن أن يتحمّلوا هذا العيش العفن النتن العاهر المدقع الفقير المنزوع الأمل؟

شخصياً، أجدني أصرخ بهذا الحبر المتواضع: يا لهول العار الذي أشعر به كمواطنٍ مكسور، لأني لا أستطيع أن أساهم جيّداً، وبمنهجيةٍ رؤيويةٍ خلاّقة، في زحزحة هذا الحجر الثقيل عن قبر لبنان؟

على هامش هذا الظلام المهيمن، ينبثق ضوءٌ نوعيّ، يعمل بصمت؛ ضوء "فرح العطاء"، معبّراً عن "اليقين" بأن لا قوّة، مهما بدت غاشمة، يمكنها أن تنتصر على الحبّ، وأن يستتبّ "أمنها" و"سلطانها".

أعود إلى "الحيوان"، إلى الكلب، لأستغفره، وأستميحه عذراً. هذا الحيوان، هو "مواطِني" بامتياز، على سنّ الرمح، وفوق السطح، أكثر بكثير من "مواطنيَّ اللبنانيين"، أكانوا – ومن دون تعميم أيضاً - في الطبقة السياسية الكريمة التي تحكم لبنان بغبار الأكاذيب والفتن والنهب والفساد والتأجيج الطائفي والمذهبي والغرائز والعنف والمرض والفقر والقهر، أم كانوا في صفوف أبناء هذا "الشعب". 

حتى لأصرخ بهذا الحبر النظيف، النقيّ، المجروح، قائلاً: هذا الكلب، هذا الحيوان هو أخي ومواطِني. وإذا كان عليَّ أن أختار، فأنا لا أتردد في هذا الخيار: أنتَ، أيها الكلب، أنتَ أخي ومواطِني.

Akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard