فيينّا أصغر من أن تمتصّ التعقيدات الدوليّة في سوريا؟

26 كانون الثاني 2018 | 17:15

المصدر: "النهار"

دي مستورا.

بدأت في فيينّا يوم أمس الخميس جولة جديدة من المحادثات بين وفدي النظام والمعارضة برعاية الأمم المتّحدة. المفاوضات التي تنتهي اليوم الجمعة تصطدم، كما حصل سابقاً، بنقطة خلافيّة أساسيّة بين الطرفين تتمحور حول مصير الرئيس السوريّ بشّار الأسد. وكان المبعوث الخاصّ للأمم المتّحدة ستيفان دي ميستورا يشدّد دوماً على رفض "الشروط المسبقة" خلال محطّات تفاوضيّة سابقة. ففي أواسط كانون الأوّل الماضي، قال عقب انتهاء محادثات جنيف-8 إنّ "طلب الحكومة (السوريّة) أن تسحب المعارضة موقفها الوارد في بيان الرياض، هو غير منطقيّ وشرط مسبق". 

وكان المعارضون قد أكّدوا في السعوديّة خلال شهر تشرين الثاني أنّ "العمليّة الانتقاليّة لن تحدث من دون مغادرة بشار الأسد وزمرته عند بدئها وأنّ المفاوضات المباشرة غير المشروطة تعني طرح ونقاش المواضيع كافّة، ولا يحقّ لأحد وضع شروط مسبقة". لكنّ دي ميستورا انتقد المعارضة في أيلول الماضي أيضاً لاشتراطها رحيل الأسد مشيراً إلى أنّ "السؤال هو ما إذا كانت المعارضة السوريّة قادرة على توحيد صفوفها والتحلّي بواقعيّة كافية لتدرك أنّها لم تربح الحرب".

"مرحلة حرجة جدّاً جدّاً"

ويُتوقع لاستمرار الخلاف حول هذه النقطة ولو بشكل غير مباشر أن يكون له التداعيات نفسها على فيينّا اليوم، إذ تتمسّك المعارضة بالقرار 2254 القائم على عمليّة الانتقال السياسيّ وتشكيل هيئة حكم انتقالية. وقد اجتمع دي ميستورا أمس برئيس وفد النظام بشّار الجعفري والتقى بعدها وفد ممثّلي المعارضة الذي شدّد رئيسه على أنّ جلّ مطالب المعارضة هو أن تكون أيّ محادثات مبنيّة على مخرجات مؤتمر جنيف-1. وكان وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان إيف لودريان قد أعلن قبل يوم على انطلاق المحادثات أن "ليس هنالك اليوم أفق لحلّ سياسيّ سوى الاجتماع الذي سيعقد برعاية الأمم المتّحدة في فيينّا ... حيث آمل أن يتمّ وضع خطّة للسلام". وعلى الرغم من إعلان المبعوث الأممي منذ يومين "تفاؤله" إزاء هذه المفاوضات، فقط لأنّه "لا يسعه إلّا أن يكون كذلك" كما أوضح، تبقى إشارته إلى أنّ فيينّا تجري في "مرحلة حرجة جدّاً جدّاً" كلاماً معبّراً عن عدم توقّعه الشيء الكثير من هذا المؤتمر.

تعقيدات محلّيّة وإقليميّة ودوليّة

تجري فيينّا على وقع تطوّرات سريعة في الشمال السوريّ، حيث شنّت دمشق عمليّة عسكريّة واسعة في إدلب، فيما أعلنت تركيا انطلاق عمليّة "غصن_الزيتون" التي تضرب من خلالها المواقع العسكريّة الكرديّة في #عفرين. من جهة ثانية، تسبق محادثات فيينّا انعقاد مؤتمر الحوار الوطنيّ السوريّ في منتجع #سوتشي والذي يجري تحت رعاية روسيّة الأسبوع المقبل حيث توقّع البعض أن تؤدّي هذه القمّة إلى وضع أسس لدستور جديد لسوريا. تزاحم التطوّرات العسكريّة والسياسيّة يفرض هو الآخر قراءة غير متفائلة كثيراً بتوصّل محادثات فيينّا اليوم إلى نتائج ملموسة حول وضع إطار لإنهاء الأزمة السوريّة، خصوصاً أنّ أردوغان هدّد بتوسيع هجومه. وإذا صحّ كلامه عن توجّه بلاده إلى #منبج، يُحتمل أن تأخذ الأحداث مساراً دراميّاً حيث ستواجه تركيا مشكلة حقيقيّة مع الولايات المتّحدة. وانعقاد فيينّا قبل انجلاء التعقيدات الإقليميّة والدوليّة يصعّب التوصّل إلى أيّ اتفاق مبدئيّ اليوم.

الملفّ الكيميائيّ من جديد

يضاف إلى هذه التطوّرات إطلاق فرنسا يوم الثلاثاء الماضي مبادرة دوليّة تهدف إلى تبنّي آليّات "تحتّم العقاب على استخدام الأسلحة الكيميائيّة" وقد انضمّت إلى المبادرة أكثر من عشرين دولة. ووجّه وزير الخارجيّة الأميركيّ ريكس تيليرسون المسؤوليّة إلى #روسيا لدفاعها عن نظام #دمشق في مجلس الأمن. أمّا #فرنسا فقد فرضت عقوبات على 25 مسؤولاً وكياناً في عدد من الشركات يشتبه في "مساهمتهم ببرنامج الأسلحة الكييائيّة السوريّ على صعيد التخطيط والتنفيذ". وقد تأسّف لودريان لعدم قدرة مجلس الأمن على التوصّل لإجماع حول إدانة استخدام السلاح الكيميائيّ في المعارك. وأعقب الاجتماع هجوماً كيميائيّاً يوم الاثنين الماضي في الغوطة الشرقيّة حيث اشتبه باستخدام غاز الكلور وقد أصيب 21 شخصاً بحالات اختناق.

"لا تضييع للوقت بعد الآن"

في ظلّ هذه التوتّرات الداخليّة والإقليميّة والدوليّة، لم تكن الأجواء داخل فيينّا توحي بإمكانيّة إحراز تقدّم في هذا الإطار بعد رفض وفد النظام مناقشة ملفّ الدستور السوريّ في اليوم الأوّل من المفاوضات، مفضّلاً تأجيلها إلى مؤتمر سوتشي الذي يُنتظر أن تعلن المعارضة اليوم موقفها من حضوره. وسرت أنباء عن وجود مشادّة كلاميّة بين وفد النظام ودي ميستورا إذ اتّهمه الأوّل بعدم تمتّعه بالحياد، غير أنّ الجعفري رفض التعليق سلباً أو إيجاباً على هذا الموضوع متكفياً بالقول إنّ اللقاء "كان جيّداً".



وقال الممثّل البريطانيّ الخاص لسوريا مارتن لونغدن قد أشار إلى دعم بلاده لمهمّة دي ميستورا مشدّدأً على وجوب تقديم داعمي النظام ضماناً حول استعداد دمشق للانخراط في محادثات موسّعة خلال فيينّا إذ "لا تضييع للوقت بعد الآن".

من جهة ثانية، أعرب العريضي عن تشاؤمه حول مسار المحادثات. ففي مقابلة مع إذاعة "فاردا" وهي مشروع إعلاميّ مشترك بين إذاعتي "صوت أميركا" و "الحرية لإيران" ومقرّها براغ، إنّ النظام كان يتهرب من التسوية السياسيّة لأنّها إن حصلت "فسيفقد القوّة بالتأكيد". وأضاف أنّ دمشق وبما أنّها بنت استراتيجيّتها على العنف، فإنّ أي عودة من قبلها إلى المسار السياسيّ ستعني أنّ الشعب كان على حق. وأشار إلى عدم اعتقاده بسلوك المحادثات منحى إيجابيّاً إذ إنّ النظام ما زال يعمل في السياسة من خلال الأساليب العسكريّة.



في هذا الوقت، حصلت قناة "روسيا اليوم" على وثيقة قدّمتها الولايات المتّحدة وفرنسا وبريطانيا والسعوديّة والأردن لإحياء العمليّة السياسيّة في جنيف. وأوضحت الوثيقة رؤية هذه الدول لمبادئ دستور جديد وتعطي "دوراً مركزيّاً للأمم المتّحدة في مراقبة وإدارة العمليّة الانتخابيّة، وأهمّ مفاصلها وضع لامركزيّة واسعة ذات صلاحيّات كبيرة وإفراغ الرئاسة من معظم صلاحيّاتها" كما كتب موقع الشبكة الإعلاميّة الروسيّة. وانطلاقاً من هذه المعطيات، يصعب خروج محادثات فيينّا بتقدّم ملموس اليوم في ظلّ أجواء دوليّة ذاهبة باتجاه مسار فيه من تناقض المصالح أكثر بكثير ممّا فيه من تجانسها أو عدم اختلافها بالحدّ الأدنى من الأمور.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard