3 ساعات لتنهي نور طعامها وجراحتان قبل السنة... من بين 400 مولود ثمة طفل يعاني تشوهاً

11 كانون الثاني 2018 | 12:06

المصدر: "النهار"

  • ليلي جرجس
  • المصدر: "النهار"

كانت الطفلة نور عبد الدين تنمو في أحشاء والدتها وهي تعاني تشوهات خلقية فموية، حقيقة عرفها والداها بعد القيام بالتصوير الرباعي البعد (4D) أثناء الحمل. كان صعباً على والدتها ليال ان تسمع هذا الخبر، لكنها بقيت قوية ومتماسكة لا سيما بعد تطمينات الطبيب بالحلول المتوافرة لمعالجة حالتها. وُلدت نور وعلى وجهها تشوه واضح في فمها وصولاً الى أنفها، فتحة في الانف وانفصال في الشفة الفوقية.

بدأت نور رحلتها الشاقة وعذابها الطويل في ساعاتها الاولى بعد الولادة. كان يصعب عليها ان ترضع كسائر الاطفال، كانت ساعات الرضاعة تستغرق اوقاتا مضاعفة لتؤمن حاجتها الغذائية. تروي والدتها ليال قصتها قائلةً "أطلعنا الطبيب خلال فترة حملي (في الشهر الخامس) ان نور تعاني من تشوه خلقي وانه لا داعي للخوف او الهلع مع تطور الطب والحلول المتوافرة. صحيح ان مشوارنا طويل وهي تحتاج لأكثر من جراحة إلا ان حالتها اسهل بكثير من حالات اخرى تعاني تشوهات كبيرة". 

تعب وبكاء وسهر 

لا تُخفي ليال حرقة القلب والحزن الذي رافقها خلال تلك الفترة إذ كانت تبكي بصمت، "استشرنا اكثر من الطبيب لمعرفة ما العمل. كنتُ أعيشُ حزني ومعاناة طفلتي بصبر وتكابر لكن الناس لا ترحم وكلماتهم مؤذية، كنت اسمعهم يتهامسون ويقولون "يا حرام مدري شو بها"، "يا حرام ليك كيف خلقاني"... كنتُ اضطر الى وضع الغطاء تحت أنفها حتى اخفي وجعها وحالتها عن عيون الناس وحشريتهم". 

لم تغادر ليال وطفلتها نور المنزل لـ6 أشهر، بقيت بقربها تراعيها وتهتم بها بما اوتيت لها من قوة. لم تكن ليال تعرف حالات مشابهة لتستعين بها او تعطي دفعاً في رعاية طفلتها. تقول: "لقد اشترينا زجاجات الحليب الخاصة بهذه الحالة لأنها تجد صعوبة في سحب الحليب وبلعه. كانت نور تستغرق حوالى 3 ساعات لتنهي طعامها، 3 اشهر من التعب والسهر والمعاناة والوجع، كانت نور تبكي ودموعي تنهمر معها. ليس سهلاً ان ترى طفلتك امامك عاجزة عن الاكل وهي ما زالت بأشهرها الاولى". 

اقرأ ايضاً: طوني إبن 7 ايام خضع لعملية قلب مفتوح... "هذا الطفل قوي وقبضاي"

جراحتان في الانتظار

تضيف ليال ان "الأشهر الأربعة مضت بوجع وصعوبة الى ان حُدّد الموعد للجراحة الأولى. نجحت العملية في اقفال الشق المفتوح من الانف الى الشفة الفوقية والتي كلّفت حوالى 5 آلاف دولار بالإضافة الى مستلزمات المستشفى. اما العملية الثانية فكانت جراحية وتجميلية بعد التعرّف إلى جمعية Global Smile Foundation حيث شاهدنا حالات كثيرة واصعب وقلنا آنذاك"الحمدلله نور احسن من كتير اطفال". لا يمكن ان تتصوري عدد التشوهات الخلقية التي يعانيها الأطفال، لم نكن نعرف بها قبل التعرف الى الجمعية والمتابعة معها. كان قرار الجراحة الثانية لتحسين الاولى وكانت نور قد بلغت السنة و4 اشهر". 

تستعيد والدتها تلك اللحظات الصعبة والمؤلمة "كنا نُطعم نور بالإبرة بسبب القطب الموجودة في شفتها وانفها. كانت تستغرق نحو 4 ساعات حتى تنهي وجبة واحدة، كنا نتناوب على إطعامها لأن العملية دقيقة وعلينا ان نتأكد من ابتلاعها للطعام ومضغها له. قطعت نور شوطا كبيراً وتحسنت حالتها كثيراً، تواجه صعوبة في لفظ بعض الأحرف لاسيما حرف R لكنها نجحت في تخطي الكثير ولم يبق امامها الا القليل".

تحتاج نور الى عمليات جراحية وتجميلية اخرى (زراعة عظم في الانف واللثة) عند بلوغها 7 سنوات وصولاً الى 18 سنة. صحيح ان مشوارها ما زال طويلاً لكنها اجتازت المرحلة الصعبة، تسأل عن حالتها وشكوكها واستفساراتها برغم من انها لم تتعدَّ 4 سنوات لكن الإيجابية التي تعيش بها تجعلها تمضي قدماً بكل عفوية وثقة.

لكن ما هي هذه الحالة الطبية؟ يوضح رئيس قسم الجراحة الترميمية ومدير مركز التشوهات في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور غسان أبو ستا "أن التشوه الخلقي الفموي هو عبارة عن تشوه خلقي في الوجه والفم وهو من أكثر التشوهات الخلقية شيوعًا. يحدث هذا التشوه الخلقي للجنين قبل ولادته ما بين الأسبوعين الخامس والتاسع من شهور الحمل عندما يبدأ الوجه والشفة العلوية بالنمو، وفي أكثر الأحيان يرافق ما يعرف بالشفة الأرنبية "شق الحنك". يتم تشخيصها بالموجات الصوتية قبل الحمل وبالحالات الواضحة والفحوص بعد الولادة. ان نسبة حدوث هذا التشوه الخلقي الفموي هي حالة من بين 400 طفل يولد يوميًا".

اما الاسباب المسؤولة عن هذا التشوه، يرى ابو ستا انها تعود الى "زواج الاقارب الذي تُسبب تشوهات خلقية بنسبة 30% عند الاطفال، كما ان عدم تناول المرأة الحامل الاسيد فوليك عند التخطيط للحمل بالإضافة الى بعض الأدوية التي تتناولها الام خلال الحمل والتي تسبب التشوهات عند الجنين والتدخين انثاء الحمل. علماً ان هذا التشوه يؤذي الأهل نفسياًَ والطفل يعاني من أزمة غذاء".

تدخل طبي سريع 

 وشدد الدكتور أبو ستا على أن طرق المعالجة تكمن بالعمل الجراحي على مراحل عدة بحسب درجة التشوه الخلقي. وتجري العملية الأولى للشفة المشقوقة في سنّ الثلاثة أشهر وعند بلوغ وزن الطفل خمسة كيلوغرامات، وتجري العملية الأولى لسقف الحلق المشقوق في التسعة أشهر. وقال إن الطفل الذي لديه سقف الحلق المشقوق يعاني عادة من ارتجاع السوائل أو المأكولات من أنفه وهو بحاجة إلى المتابعة مع اختصاصيي النطق عندما يبدأ بالنطق. كما أن الطفل الذي لديه شق في اللثة بحاجة إلى المتابعة مع اختصاصيي تقويم الأسنان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard