يسوع تنبّأ عن القدس و"بكى"... "قاتلة الأنبياء" والنصّ الإنجيليّ الّذي يشغل الكلّ

12 كانون الأول 2017 | 16:04

المصدر: النهار

أ ف ب

في النص الانجيلي، "لمّا اقترب" يسوع المسيح من أورشليم، اي القدس وفقا لتسميتها الحالية، "فرأى المدينة بكى عليها". وتنبأ لها. اعداء يلفونها بالمتاريس. حصار، دمار، و"لا يتركون فيك حجرا على حجر"، على قوله. "النبوءة" لفّت بسرعة ارجاء وسائل التواصل الاجتماعي في الساعات الماضية، كأنها ستتحقق حاليا، في وقت اشتعل غضب القدس في العالمين العربي والاسلامي.

نبوءة عمرها الفا عام على الاقل. قراءتان لاهوتيتان، وتفسير "مفضّل" لها، وفقا لما يشرح النائب العام للرهبانية الانطونية الباحث في الكتاب المقدس الدكتور الاب انطوان عوكر لـ"النهار"، مع ملاحظة مهمة يوجهها الى من تناقلوا نصا انجيليا "ملغوما" استخدم في عنوانه تعبير "القدس" بدلا من "اورشليم": "الكتاب المقدس لا يستخدم كلمة القدس، بل اورشليم. كتابيا، الكلمة هي اورشليم"، على قوله.


هذا النص استوقف مسيحيين عديدين. ورأى بعضهم فيه "تحريفا" للانجيل، "ترجمة مسيسة" له، على ما كتبوا. في مراجعة الترجمات الكنسية المعتمدة، النص يعتمد اورشليم، وليس القدس. فمن اين الترجمة المتناقلة؟ ومن يقف وراءها؟ ايا يكن، يمكن القول ان تفسير هذا النص الانجيلي "مفتوح"، بتعبير عوكر.

"ابن الله الذي جاء الى اورشليم"

ما يورده الانجيل عن تلك الواقعة هو ان يسوع كان صاعدا الى اورشليم... و"لما اقترب، فرأى المدينة بكى عليها وقال: ليتك عرفت انت ايضا في هذا اليوم طريق السلام! ولكنه حجب عن عينيك..." (لوقا 19: 41-44). تفسير النص "مفتوح"، لانه بالنسبة الى الانجيليين، "عندما حصل خراب اورشليم ودخلها الرومان ودمروها، فانهم يعتبرون ان ما حصل لها هو بسبب رفضها ابن الله الذي جاء اليها. وبالتالي فان خطيئتها المتمثلة في رفض ابن الله المتجسد جعلتها زانية"، على ما يشرح.

الزنى، المرأة الزانية، المدينة الزانية. لتفسير التعبير، يجب التذكير، وفقا لعوكر، بانه "عندما عبد الشعب اليهودي آلهة غريبة وترك كلمة الله، اعتُبر انه زانٍ، لانه انفصل عن الإله الحقيقي الذي هو الله". وينطبق الامر نفسه على رفض اليهود لابن الانسان (يسوع المسيح) "ابن الله" الذي جاء الى اورشليم، "الى اسرائيل، الى شعبه ليخلصه، ولم يقبله شعبه ورفضه. بهذا الرفض، يكون الشعب زنى. وهذا الرفض جعل يسوع يتأسف، اي انه جاء كخلاص لهذا الشعب، لكنه رفضه. وهذا الرفض سيكون دينونة له".

مدينة السلام 

تسمى اليوم القدس (او المقدسة). اقدم ذكر لاورشليم "نجده في النصوص المصرية. في لعنات السلالة 12: "ا و ش ا م م"، وهي نقل للكنعاني "اوروشليم". كتب النص الماسوري يروشليم وطلب ان تلفظ "يروشلاييم"... في الاسفار القانونية الاولى والرؤيا، نجد يروسليم، وفي الاسفار القانونية الثانية وسائر اسفار العهد نجد ياروسوليما. المعنى: مدينة (أورو او يرو: اساس) ساليم (اسم اله نقرأه في اورغاريت). اذن اروشليم هي مدينة السلام او تأسيس شليم. وسميت ايضا يبوس، مدينة داود، صهيون، المدينة، يهوه هنا..." (*). 

تاريخيا، امكن اكتشاف آثار فيها بينت انها كانت "مأهولة نحو سنة 3000" (*). تقع على تلة كلسية ترتفع 760 مترا عن سطح البحر المتوسط، و1145 عن سطح البحر الميت. وتحيط بها، من 3 جهات، وديان عميقة"(*)، وتوجد فيها 4 ينابيع معروفة. وهي موجودة ضمن "بعقة جغرافية زخرت بالاحداث على مرّ القرون، بحيث لم تمر 20 سنة الا وشهدت حربا"، على قول عوكر.

أ ف ب

 القدس. اورشليم مجددا وسط احداث دموية، والمنطقة تغلي حولها. نبوءة يسوع تستحضر مدينة عرفها جيدا، احبها وغار عليها، "انذرها" علنا، وبكى عليها، قبل ان يصلب فيها ويقوم من بين الاموات. خاطبها: "اورشليم اورشليم، يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها، كم مرة اردت ان اجمع ابناءك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها! فلم تريدوا..." (متى 23: 37). انذار، ونبوءة عن دمارها جذبت اخيرا الاهتمام. "فسوف تأتيك ايام يلفك اعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك ويضيقون عليك الخناق من كل جهة، ويدمرونك وابناءك فيك، ولا يتركون فيك حجرا على حجر، لانك لم تعرفي وقت افتقاد الله لك" (لوقا 19: 41-44).  

"الخلاصة واضحة" 

للنص قراءتان، اذ ان ثمة لاهوتيين "اعتبروا ان هذه النبوءة التي قالها يسوع هي للمستقبل"، على قول عوكر، في مقابل "آخرين اعادوا القراءة، ويقولون ان يسوع لم يقلها في وقته الزمني، بل وضعها الانجيلي الذي كتب النص مع الزمن، على لسان يسوع، وان ما حصل هذه هي نتيجته". ويتدارك: "لا احد يعارض ان يسوع يتنبأ في هذا النص، غير ان القراءة الافضل لهذه الفقرة اليوم، تفسيريا، هي انه بعد حصول الحدث، جاء الانجيليون واعادوا القراءة. وخلاصتها واضحة وهي ان من يرفض الله في حياته تكون هذه نتيجته". خراب ودمار.

هل نبوءة يسوع تتحقق اليوم؟ يجيب: "لا. ربما لو كان يسوع المسيح تجسد في مكان ما في العالم حصل فيها تسونامي، لاعادوا قراءتها. وربما لو كان تجسد في غرب افريقيا حيث انتشر في الاعوام الماضية فيروس الايبولا، لقالوا ان يسوع تنبأ (بها)، والايبولا نبوءة".  

رويترز

ما يقصده عوكر بهذه الافتراضيات هو ان تلك النبوءة التي قالها يسوع "لها اطارها الزمني والمكاني"، وان "ما حصل في زمنه، له تبعات في زمننا الحالي. كل شرّ له تبعاته، لانه لا يزال مستمرا"، على ما يوضح. ويتدارك: "اذا كنت اقوم بالشر، ولا ازال اقوم به، فهذا يعني ان له نتائج مستمرة".  

الامر، كما يجب فهمه، هو ان نبوءة يسوع "لا تتم حاليا". "اذا فعل احدهم الشر في الماضي وتسبب بمصائب لنفسه، فالامر لا يحتاج الى نبوءة. انها اعادة قراءة لواقعه، للقول ان ذنبه هو ارتكابه خطيئة كبيرة ولم يتب عنها، لا بل صلب ابن الله. وهذه هي تبعاتها. ولا يزال مستمرا حتى اليوم في الرفض".

وبالتالي فان ما يشاهده العالم من مصائب القدس مرده "تبعات الشر الذي شهدته، لا سيما رفضها ابن الله". نقطة اخرى يشدد عوكر عليها هي انه "ليس الله الذي ضرب او يضرب اورشليم، بل هي نتائج اعمال الانسان. وطالما استمر في ارتكاب الشرور، فستنقلب عليه".

ويبقى تنبيه الى نابشي النبوءات من الكتاب المقدس. "اي شيء يمكن ايجاده في الكتاب المقدس"، وفقا لعوكر، و"اذا اخرجناه من اطاره الخاص، يمكن تطبيقه في اي مكان". ولا مانع من "نقل وضع ما الى ايامنا هذه، اي انه مثلما كانت هناك خطيئة في ذلك الزمن واوصلت الى فناء وخراب، فانها لا تزال مستمرة، وبالتالي توصل الى فناء وخراب".  

(*)المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم، الخوري بولس الفغالي، المكتبة البولسية وجمعية الكتاب المقدس.

hala.homsi@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard