100 عام على تصريح بلفور و70 عاماً على قرار التقسيم: الخلفية والتداعيات

8 كانون الأول 2017 | 12:12

المصدر: "النهار"

أي فائدة سياسية وتاريخية يقدمها لنا التحليل التاريخي المحدّث لتصريح بلفور الذي مهّد قبل 100 عام لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين بتواطؤ من الغرب، ولقرار التقسيم الذي صدر قبل 70 عاماً عن الأمم المتحدة وشرعن وجود الدولة اليهودية من دون أن يحمي حقوق الفلسطينيين؟ وكيف يمكن أن تساهم المراجعة التاريخية لهذين الحدثين المفصليين في فهم ما تشهده دول المنطقة اليوم من صراع على النفوذ الإقليمي، وتسابق بين الدول الكبرى على حماية مصالحها من خلال اعادة رسم وجه الشرق الأوسط؟ وأية مسؤولية تتحملها حركات التحرر الوطني الفلسطينية والعربية، والنخب العربية المثقفة في ما حدث في الماضي والذي لا يختلف كثيراً عما تشهده المجتمعات العربية من تحديات اليوم؟   

تحت هذه الأسئلة تعقد تدعو مؤسسة الدراسات الفلسطينية بالمشاركة مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية مؤتمر "100 عام على تصريح بلفور و70 عاماً على قرار تقسيم فلسطين"، في 13 و14 كانون الأول 2017 في مركز المعهد في الجامعة الأميركية في بيروت. ويعالج المؤتمر محاور عدة هي: قضايا التحرر الوطني على محك القانون الدولي والشرعية الدولية؛ مسؤولية بريطانيا عن المأساة الفلسطينية؛ علاقة الصهيونية وإسرائيل بالاستعمار؛ الموقف العربي من وعد بلفور وقرار التقسيم. يلي ذلك طاولة مستديرة لمناقشة موضوع "النكبة الفلسطينية سيرورة مستمرة" يديرها الياس خوري.

صدر باللغة الألمانية لثيودور هيرتسل (1860-1904) في شباط 1896، كُتيب حمل عنواناً رئيسياً هو: "دولة اليهود"، وعنواناً فرعياً هو "محاولة لإيجاد حل حديث للمسألة اليهودية"، وكان هيرتسل يعمل آنذاك مراسلاً في باريس لصحيفة يومية نمسوية، وذلك بتأثير موجة معاداة السامية التي أعقبت انفجار قضية التجسس لصالح ألمانيا التي اتُهم فيها الضابط الفرنسي اليهودي ألفرد دريفوس ما بين 1894 و1895.

اعتبر هيرتسل في كتيبه هذا، أن الحياة في أوروبا أصبحت لا تحتمل بالنسبة إلى اليهود، بعدما تبيّن أن "عالم غير اليهود" لن يسمح باندماجهم في المجتمعات الأوروبية، وأن الحل الوحيد لـ"المسألة اليهودية" لا يمكن، بالتالي، إلا أن يكون "قومياً"، لأن اليهود يشكّلون "شعباً"، عليه أن يقيم دولة خاصة به، مقترحاً موقعين جغرافيين لهذه الدولة هما: فلسطين أو الأرجنتين. ولدى حديثه عن فلسطين، لم يخفِ هيرتسل طموحه في أن تكون الدولة اليهودية المنشودة جزءاً من المشروع الاستعماري الأوروبي في الشرق، إذ كتب: "وبالنسبة لأوروبا، فإننا سنشكّل هناك حاجزاً يفصلها عن آسيا وموقعاً أمامياً للحضارة ضد البربرية".

نجح ثيودور هيرتسل، بعد جهود حثيثة، في عقد المؤتمر الصهيوني العالمي الأول الذي افتتح أعماله في 29 آب 1897، في مدينة بال السويسرية بمشاركة أكثر من مئتي مندوب قدموا من 24 دولة، وأكد، بعد إعلانه قيام "المنظمة الصهيونية العالمية"، أن الصهيونية "تتطلع إلى إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام". فبناءً على نصيحة هيرتسل نفسه، تجنب المؤتمر الصهيوني العالمي الأول أن يستخدم في مقرراته تعبير "دولة يهودية"، واكتفى بتبي صيغة "وطن"، كي لا يثير مشاعر العداء لليهود في أوروبا وداخل الإمبراطورية العثمانية، وهي الصيغة نفسها التي وردت في "تصريح بلفور"، الذي مثّل المحطة التاريخية الثانية، بعد مؤتمر بال، على طريق تطوّر المشروع الصهيوني.

في سنة 1905، كان آرثر جيمس بلفور يشغل منصب رئيس وزراء بريطانيا، فاقترح مشروع قانون يغلق أبواب بلاده أمام الهجرة، وخصوصاً أمام الهاربين اليهود من مذابح سلطات قيصر روسيا. ومنذ ذلك الحين، شرعت دوائر وزارتي الخارجية والمستعمرات البريطانيتين في البحث عن "ملاذ" خارج حدودها لهؤلاء اليهود الملاحقين، مقترحة على زعماء الحركة الصهيونية تارة أوغندا، وتارة أخرى سيناء، أو العريش.

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأت الحكومة البريطانية تفكر في كيفية حماية مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة بعدما لاح في الأفق احتمال انهيار السلطنة العثمانية؛ فوجدت أن أفضل وسيلة لحماية هذه المصالح هي في دعم مشروع الحركة الصهيونية في فلسطين. فإقامة كيان يهودي/حاجز فوق الأرض الفلسطينية، يفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، ويحمي الوجود البريطاني في مصر وفي قناة السويس، سيضمن حماية الطريق إلى الهند. كما أن دعم المشروع الصهيوني سيجعل بريطانيا وحدها تسيطر على فلسطين، ويحول دون مشاركة حليفتيها، فرنسا وروسيا، معها هذه السيطرة، في حال تم تدويل فلسطين وفق "اتفاق سايكس- بيكو" في أيار 1916.

انطلاقاً من كل هذه الاعتبارات الجيو- سياسية، أصدر آرثر جيمس بلفور نفسه، الذي صار يشغل منصب وزير الخارجية، تصريحه الشهير في الثاني من تشرين الثاني 1917، وذلك حتى قبل أن تكون القوات البريطانية، بقيادة الجنرال اللنبي، قد بدأت احتلالها فلسطين. وبفضل هذا التصريح البريطاني، الذي تعامل مع العرب الفلسطينيين ليس بصفتهم شعباً له حقوق سياسية وإنما بصفتهم جمعاً من "طوائف" لها حقوق دينية ومدنية، راحت الحركة الصهيونية، التي كانت ضعيفة النفوذ بين جماهير اليهود الأوروبيين - المتعاطفين بأغلبيتهم، قبل صدور التصريح، مع أنصار "الاندماج" أو مع المتدينين الأرثوذكس أو مع الأحزاب الاشتراكية الثورية- راحت تتحول إلى قوة مؤثرة في أوساطهم. وعلى أساس إدراج التصريح - الوعد ضمن صك الانتداب على فلسطين، في تموز 1922، قامت بريطانيا، الدولة المنتدبة، بتغطية من عصبة الأمم، بتوفير مقومات قيام "الوطن القومي اليهودي" عن طريق تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وتمكينهم من استملاك الأراضي، وبخاصة الأميرية منها، ومنح أغنيائهم امتيازات استثمار ثرواتها الطبيعية.

منذ مطلع العشرينات، واجه الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني مقاومة عربية شديدة، بلغت ذروتها في الإضراب العام والثورة الكبرى 1936-1939. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعدما استعصى على بريطانيا إبجاد حل للقضية الفلسطينية يضمن مصالحها ويرضي الطرفين المتصارعين، قررت عرض هذه القضية على هيئة الأمم المتحدة التي تبنت، في 29 تشرين الثاني 1947، القرار الدولي رقم 181 الذي قضى بتقسيم فلسطين دولتين: واحدة للعرب وأخرى لليهود. وعندما أدركت القيادة الصهيونية أن الدولة اليهودية، التي ستقوم بناء على ذلك القرار، ستضم أقلية عربية كبيرة يصل حجمها إلى نحو 42 في المئة من تعداد السكان، انتقلت من حيز التفكير بمشاريع ترحيل الفلسطينيين إلى حيز العمل، في سنة 1948، على تنفيذ خطة تطهير عرقي منهجية أسفرت عن اقتلاع أكثر من 800000 فلسطيني من أرض وطنهم وترحيلهم خارجه، وتدمير 531 قرية، وإخلاء 11 حياً مدينياً من سكانه، كما أسفرت عن سيطرة الحركة الصهيونية على ما يقرب من 78 في المئة من أراضي فلسطين بحدودها الانتدابية.

وبعد قيام دولة إسرائيل في الخامس عشر من أيار 1948، التي استمدت شرعيتها الدولية من القرار 181، ظل حكامها ينتظرون الفرصة المناسبة كي يفرضوا سيطرتهم على كامل الأرض الفلسطينية، وهو ما تحقق لهم خلال العدوان الذي شنته قواتهم في الخامس من حزيران 1967، وهي سيطرة يرسخها إلى اليوم تحوّل قومي ديني متشدد يمر به المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته الحاكمة، وأزمة خانقة تواجهها الحركة الوطنية الفلسطينية على مستوى البنية والمشروع في آن واحد، وحالة عربية متداعية أفقدت القضية الفلسطينية مركزيتها، ووضع دولي متقلب متنكر لقرارات الشرعية الدولية ومستقيل من تحمل مسؤولياته في إنصاف الشعب الفلسطيني وإنهاء مأساته، أو على الأقل توفير ما يمكن تسميته بالعدل الممكن له.

انطلاقاً من التوقف عند هذين الحدثين التاريخيين، تصريح بلفور وقرار التقسيم، وتداعياتهما، يهدف هذا المؤتمر، عبر العودة إلى الماضي، إلى فهم واقعنا اليوم والسياسات التي تحكمه أو تؤثر فيه، وما إذا كانت جذور هذا الواقع وهذه السياسات تعود إلى فترة هذين الحدثين اللذين نحيي ذكراهما. بعبارات أخرى، نتساءل: ما الذي يربط اليوم بالأمس، وما هو الثابت والمتحول من الأمس إلى اليوم؟

لا خلاف على أن ما يربط ما بين الحدثين هو مشروع إمبريالي، حظي بموافقة عصبة الأمم، ثم بمباركة الأمم المتحدة، وترافق بتعبئة صهيونية ذاتية نجحت، إلى حد كبير، في تحقيق هدفها. نحن إذاً أمام عاملين: عامل إمبريالي وعامل يهودي – صهيوني ذاتي.

فهل العامل الثاني هو مجرد أداة في يد الأول؟ أو أن الثاني هو الذي حرّك الأول؟

في طبيعة الحال، العلاقة معقدة بينهما، وينبغي السعي من أجل تفكيكها.

وماذا عن العامل الثالث، المغيّب، في المعادلة: العامل الفلسطيني كـ"مفعول به"؟.

إلى أي مدى كان هذا العامل الثالث تشكيلاً مختلقاً على الأرض المراد ابتلاعها، وإلى أي مدى كان تشكيلاً أصيلاً ذا عمق تاريخي؟

نحن إذاً أمام صراع يتواجه فيه ثلاثة أطراف: إمبريالي- صهيوني- عربي فلسطيني، ومن الجدير أن نعالج علاقة كل طرف منهم مع الطرفين الآخرين.

هل ازدادت نسبة استقلالية الحركة الصهيونية إزاء الإمبريالية؟

كيف فهمت الحركة الفلسطينية دور كل من الطرفين الآخرين، وكيف تعاملت مع كل منهما انطلاقاً من هذا الفهم؟ ما هي العوامل التي جعلتها تتأرجح بين تركيز نضالها على الصهيونية وتركيزه على الإمبريالية؟ وكيف تصوّرت حل "العقدة الفلسطينية" التي نشأت عن الصراع؟

ولماذا لم تفلح الحركة الفلسطينية، على الرغم من نضالاتها وتضحيات شعبها، في تحقيق أهدافها الوطنية، وأقلها إقامة دولتها المستقلة؟ أين تكمن عناصر قوتها وعناصر ضعفها اليوم إزاء الطرفين الآخرين في صراع مستمر منذ قرن؟

إنها أسئلة كبيرة نأمل أن يتمكن مؤتمرنا من الاقتراب من الإجابة عنها.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard