الحلم الكردي على حافة حرب أهلية

20 تشرين الأول 2017 | 10:33

المصدر: "النهار"

هو فعلاً الحلم الكردي المكسور الذي انهار على حافة حرب أهلية، ولكن هذه المرة على مفترق تطورات عراقية وإقليمية حاسمة بدت في الفترة الماضية مواتية، لكنها باتت الآن أبعد من أن تتكرر ثانية، رغم أن المرحلة العاصفة في الإقليم وخصوصاً في العراق وسوريا تضع السكاكين فوق الخرائط، وهو ما كان مسعود بارزاني يتصوّر أنه قد يفتح الباب على قيام دولة كردية في إطار من كونفيديرالية، يمكن الاتفاق عليها مع بغداد وبمباركة أميركية مكنونة، وترحيب روسي يتلاءم مع نظرية فلاديمير بوتين الذي لا يرى حلاً لسوريا مثلاً غير الفيديرالية. 

لكنها الانقسامات داخل البيت الكردي، التي تنفخ فيها رياح المصالح الإقليمية للدول الأربع التي يتوّزع فيها الأكراد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى واتفاق سايكس بيكو، الذي يوزّع الأكراد عشرين مليوناً في تركيا وثمانية ملايين في إيران ومثلهم تقريباً في العراق إضافة الى ثلاثة ملايين في سوريا. هذه الانقسامات فتحت الباب على حصان طروادة دسّه الإيرانيون قبل بومين داخل كردستان مما أدى الى إجهاض نتيجة الاستفتاء على الاستقلال ووضع الإقليم على حافة حرب أهلية بين الكرد وكأنه لا ينقصهم إلا الاحتراب.

قبل الحديث عن تفاصيل وخفايا الساعات، التي سبقت دخول الدبابات والقوات العراقية ومجموعات من الحشد الشعبي الى كركوك، يتعين الانتباه الى ان ايران تعمّدت ان تسابق تركيا وتهديدات رجب طيب أردوغان بالتدخل لمنع قيام كيان كردي مستقلّ، على خلفية حرصها على ترسيخ محاولات الهيمنة على العراق من جهة والمضي في قمع الأكراد في شمال شرق إيران.

يوم الأحد الماضي أعلن هيمن هوراني مستشار بارزاني بعد الاجتماع الذي عقد في السليمانية بين فؤاد معصوم وقيادات الحزبين الرئيسيين في الإقليم "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي يقوده مسعود بارزاني و"الحزب الديموقراطي الكردستاني" الذي كان يقوده جلال طالباني وتتولاه بعد وفاته أخيراً زوجته هيرو وابنه بافل، أنه لن تكون هناك مفاوضات من جانب واحد مع بغداد وأن الحزبين يرفضان أي مطالب بإبطال نتائج الاستفتاء، كما يطالب حيدر العبادي وكذلك أي شروط مسبقة للحوار.

في هذا الوقت أعلن مايكل بريجنت المستشار الأمني السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية ان قاسم سليماني يشرف على العمليات العسكرية التي تخوضها ميليشيا الحشد الشعبي في كركوك، وأن ذلك يأتي كرد فعل واختبار لتحديات دونالد ترمب ضد طهران عبر الهجوم على حلفائه في كركوك.

لكن الأمور كانت تجري في مكان آخر وتحديداً في السليمانية، وفي هذا السياق كشف النائب عن كتلة التغيير في البرلمان العراقي مسعود حيدر أن دخول القوات العراقية والحشد الشعبي السهل من دون مقاومة الى كركوك، جاء نتيجة إتفاق بين بافل طالباني نجل جلال طالباني، الذي يتولى قيادة قوات البشماركة في كركوك وهادي العامري قائد الحشد الشعبي، وان هذا الاتفاق كان بإشراف حيدر العبادي وقاسم سليماني الذي ذهب الى السليمانية.

نصّ الاتفاق على عودة القوات العراقية الى مناطق ما قبل عام 2014 التي احتلها "داعش" وحررتها البشماركة، وعلى إنشاء إقليم كردي جديد من ثلاث محافظات هي السليمانية وحلبجة وكركوك وتشكيل حكومة في الإقليم الجديد، بما سيعمّق من الانقسامات الكردية وخصوصاً في ظل وجود حكومة أربيل ودهوك التي يديرها بارزاني.

الاتفاق من تسع نقاط وجاء على شكل محاصرة لبارزاني الذي اتهم حزب الاتحاد الوطني بالخيانة لأنه سلّم مواقعه الأمامية الى القوات العراقية، في حين اتهمت هيرو طالباني بارزاني بالتواطؤ خدمة لمصالحه الشخصية، وفي الوقت عينه هاجمت رئيسة كتلة حزب الاتحاد الوطني في البرلمان العراقي ألاء الطالباني بارزاني بالقول "لن نضحي بقطرة دم من أبناء كركوك من اجل آبار نفط مسروقة ذهبت أموالها الى جيوب أشخاص وأحزاب"!

وسط كل هذا تبدو الأجواء مشحونة والتراشق بالاتهامات بين الأكراد يهدد بحرب أهلية، لهذا سارع مسعود بارزاني أمس الى التحذير منها، لكن المفارقة لا تنحصر في ان فرصة قيام دولة كردية قد انهارت للمرة الثالثة، بعدما قامت للمرة الأولى بين عامي 1922 و1924 ثم تقاسمتها تركيا وايران والعراق وسوريا، وللمرة الثانية بعد قيام جمهورية مهاباد في ايران حيث سحقها الشاه عام 1946.

المفارقة الحقيقية أن اشباح الحرب الدموية التي جرت بين الحزبين الكرديين في التسعينيات قد تطل برأسها، ويومها تقدم حزب الاتحاد الوطني بقيادة جلال طالباني وسيطر على أربيل بدعم من إيران، لكن مسعود بارزاني ذهب وطلب العون من صدّام حسين، فتدخل الجيش العراقي وأعاد السيطرة على أربيل الى حزب الاتحاد الديموقراطي، بما يعني ضمناً ان حلم الدولة الكردية يطوى الآن على أحقاد ومرارات وقد أعادته الانقسامات الكردية الى رف النسيان!

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard