محجبة ترتادُ المسبح بالـ"بوركيني" في طرابلس فتشعل جدلاً اجتماعياً

28 حزيران 2017 | 00:39

المصدر: "النهار"

من الانترنت

بعدما شكّل جدليةً واسعة في فرنسا، ها هو البوركيني يحط رحاله في طرابلس ويكاد يتسبب بمأزقٍ تناولته مواقع التواصل الاجتماعي بزخمٍ كبير في الساعات الماضية. القصّة، من وجهة نظر شخصية، بدأت عندما قرّرت نورا الزعيم الاستفادة وزوجها من عطلة عيد الفطر وقضائها في أحد المنتجعات البحرية الشهيرة في طرابلس، كما تقول، مصطحبين ابنهما البالغ من العمر سنة ونصف سنة. وهي المرّة الاولى يختبر الطفل نشاط السباحة. اشترت الزعيم لباسا بحرياً (بوركيني) من أحد أهم المتاجر اللبنانية، فيما الفرق بينه وبين اي لباس سباحة آخر، يكمن في انه "مستّر" كما تعبّر الزعيم بلكنة لبنانية. وما لبثت السيدة المحجبة ان نزلت الى الشاطىء حتى تمنى عليها عامل الانقاذ مغادرة المسبح متذرعاً بالقانون. لكن الزعيم رفضت الامتثال، وبقيت في المياه الى جانب ولدها، ودائماً وفق روايتها، وهو ما دفع ثلاثة اشخاص الى الاقتراب منها والتمني عليها مجدداً مغادرة المياه. تصاعدت وتيرة الخلاف عندما جاء مسؤول في المنتجع طالباً من الزعيم الانسحاب، فاذا بها تبادره بأن الشاطئ ملكٌ عام للدولة ولا أحد يحق له منعها من التنعّم بجماله. وبلغةٍ عامية قالت صراحةً: "أنا ما أسأت لحدا، وبحقّلي متل أي لبناني انزل عالشط". تراكمت الذريعة التي تكرّر على مسامع الزعيم ان "ملابس البحر مسموحة فقط لارتياد الشاطئ". مع العلم "انني أرتدي ملابس سباحة، اذاً الذريعة واهية".

عرض المسؤول على عائلة الزعيم التوجه الى المسبح الداخلي الذي "لا تراه الشمس"، فرفضت لأنه كان في امكانها بدلاً من دفع مبلغٍ ماليٍّ طائل، ان تسبح وابنها في مغطس منزلها، وفق ما كتبت في حسابها على فايسبوك. الخيار الوحيد المتبقي أمام عائلة الزعيم كان المغادرة بعد استرجاع قسم من المبلغ المادي المدفوع. "ما تصوّرت للحظة حدا ممكن يمنعني انزل على شط طرابلس بسبب حجابي". وأضافت معبّرةً عن خيبة املها انها لم تتصور لحظة ان احداً "يستطيع سرقة فرحة صبي صغير فرح في الاستجمام الى جانب امه وأبيه". وجهة نظر مختلفة عبّر عنها شاهد عيان، مشيراً الى أن السيدة الزعيم انهالت بوابلٍ من الكلمات الجارحة على المسؤول في المنتجع، بعدما بادرها بالقول انه ممنوعٌ على المحجبات السباحة إلا في المسبح الخاص الموجود في المنتجع نفسه.

بيروتي

من جهته، علّق نقيب المؤسسات السياحية البحرية جان بيروتي على حادثة المنتجع الطرابلسي، وقال لـ"النهار" ان "كل مؤسسة تتبع استراتيجية خاصة بها. وان كل صاحب مؤسسة حرّ في مجموعة الشروط التي يضعها شرط الا تتعارض مع اجراءات السلامة العامة. والغاية من الاستراتيجية التي تضعها المؤسسة السياحية، هي المحافظة على نوعية معينة من الزبائن. وإذا تراخت في تطبيق شروطها العامة، فمن المؤكد انها ستفقد زبائنها. لذلك لا بد من احترام خصوصية المنتجع الذي يختاره الزبون، وان لم يكن على قدر طموحه، فلا بد له حينها من اختيار منتجعٍ آخر. ولكن في حالة السيدة الزعيم، هناك وجهة نظر تدعمها على اساس أنها ارتدت ثياب سباحة، فماذا يمنعها من النزول الى المياه؟ "لا يمكن أن نشرح للناس ان البوركيني مايوه اسلامي لأنه غير متعارفٍ عليه في مجتمعنا. في حين ان مؤسساتنا تحافظ على خصوصيتها لتنجح في كسب زبائنها"، يقول بيروتي، مضيفاً انه شخصياً مع التنوع "ولكن علينا المحافظة على هذا التنوع ولكن في الوقت نفسه لا يمكننا ان نطلق النار على قطاعٍ سياحي برمته يؤمن آلاف فرص العمل ومساحات خاصة تحمي الرواد على مستوى السلامة العامة والسعي لتأمين نظافة المياه، خصوصاً ان بحرنا ملوّث ويعمد مسؤولونا الى ردمه بالنفايات. وفي حال رغبة السيدة في السباحة، فذلك متاح لها في مسبحٍ خاص في المنتجع نفسه".

الخوف من البوركيني

البوركيني أحدث من أحدث مايوه في العالم. وهو ما لبث أن شكّل جدلية في أوروبا، بعدما ذاع صيته في الفترة التي ولد فيها تنظيم "الدولة الاسلامية" وسائر التنظيمات الاسلامية المتشدّدة ابان الحرب السورية. كيف يقارب علم الاجتماع لباس السباحة الذي وصلت جدليته الى طرابلس؟ في رأي الدكتور في علم النفس الاجتماعي هاشم الحسيني ان البوركيني "تصميمٌ جديد سابق لعصره. وهو يجمع بين المحافظة على اللباس الاسلامي والعصرنة في التداخل المجتمعي والتصرفات". وفي مقاربة تاريخية لما كانت ترتديه المرأة اثناء السباحة، يقول لـ"النهار" ان "البوركيني عودةٌ الى القديم لكنه في النهاية مفهوم جديد. لا شك في ان المايوه التي ارتدته المرأة في عصورٍ غابرة يتصف بالاحتشام أكثر من لباس البحر الحالي، ولكن السيدات العربيات لم يرتدين المايوه في التاريخ القديم". وفي تفكيكٍ لعدم تقبّل أغلبية المنتجعات السياحية اللبنانية ارتداءه في مسابحها، يشرح: "الخوف كامن في الناحية الرمزية، لأن البوركيني حالة جديدة غير شائعة في لبنان، ولا سابقة تاريخية لها ولا يمكن اعطاؤها صفة شرعية دينياً. كما ان انتماءها الى فئة داعش العمرية (ولدا في الحقبة الزمنية نفسها) يجعل الناس تربط تلقائياً بين المفهومين، ومن يدري اذا كان بعضهم يخال انها آتية لتفخيخ نفسها في المنتجع؟". ولا ينفي الحسيني تخوّف البعض من تأييد مفهوم ارتداء البوركيني في المسابح، بما يحوّلها في نظرهم من حالة شخصية الى "نادي بوركيني".

مقاربة دينية

إن أساس الاختلاط في السباحة مع من ليسوا مَحْرَماً لا يجوز في الاسلام. عبارة حاسمة، يقولها قاضي بيروت الشرعي حسن شحادة لـ"النهار"، تسلّط الضوء على نظرة الدين لاختلاط النساء المحجبات بالرجال أثناء ممارسة نشاط السباحة. وتالياً، على الراغبات في هذه الرياضة أن يخترن مساحةً خاصة بعيدة من الرجال لأن الاختلاط غير جائز. فيما الدخول الى حرم مسبحٍ خاص له قوانينه التي يحددها صاحب المؤسسة السياحية بنفسه، وهو يمتلك الحرية الكاملة في صوغ شروطه. من هنا يرى شحادة ان اي امرأة محجبة تدخل مسبحا مختلطا ترتكب أكثر من مخالفة: "المخالفة الأولى عامة، تكمن في اعتراض شروط أصحاب المنتجعات البحرية الذين في أغلبيتهم يتبعون منهجية عمل معينة لا تحبّذ دخول المحجبات المسابح المختلطة. والمخالفة الثانية خاصة، اذ لا بد ان تعزل المرأة المحجبة نفسها عن رؤية الرجال (أكانت مرتديةً البوركيني أم لا) وتختار مسبحاً خاصاً بالسيدات، والا فعليها عدم ادّعاء التدين". ومن منطلق ديني مباشر، يقول، "لا يحق للمرأة أن ترى عورة الرجل ولا يحق له رؤية عورتها". اذاً أين تكمن عورة المرأة في حال ارتدائها البوركيني؟ يجيب بأنه "اثناء السباحة تلتصق الملابس بجسد المرأة بعد تبللها بالمياه، مما يجعل تضاريس مفاتنها ظاهرة للعلن بشكلٍ جليّ، وهذا ما قد يجعلها محط أنظار الرجال". وماذا عن عورة الرجل؟ "ان المذاهب الاسلامية الثلاثة (الشافعي والحنبلي والحنفي) اعتبروا ان عورة الرجل تتجسد في المساحة الممتدة بين سرّته وركبيته، لذلك لا يجوز للمرأة أن تمعن في النظر اليه أثناء السباحة". ويختم شحادة حديثه بخلاصةٍ مباشرة: "من غير المنطقي ان تفصّل الفتوى في الدين على قياس الانسان".

فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard