هويّتنا المقتولة

23 كانون الثاني 2017 | 20:23

المصدر: "النهار"

لم تعد تعز تعزاً ولا حلب حلباً، لقد تغيّر شكل المدينتين. الموصل كذلك لم تعد تلك التي نعرفها ونعشقها. بن غازي هي الأخرى تبدّل وجهها وتوارى رونقها. الشام ما عادت شاماً و#اليمن لم يعد يمناً. تلك الحُلّة القديمة تلاشت تحت أفواه البنادق وبين الدخان، وولد شكلاً مخيفاً من الخراب، الذي بدوره سينجب نمطاً آخر من المعمار والحياة. فمعمارنا الذي يمثّلُ تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، قارب على الاندثار، وهنا تكمن المصيبة والمشكلة. إذ إنه لو لم يكن للحروب والصراعات سوى هذه الفاجعة؛ لحقّت عليها اللعنة الأبدية بكل اللغات.

بأي وجه ستبدو تعز يا ترى، وكيف سيصبح وجه حلب الجديد، إذا ما افترضنا انتهاء الحرب وتصالح الأخوة الأعداء؟ حتماً ستظهران بحلّة جديدة لا تشبهنا، كما حصل مع بيروت، تلك المدينة العتيقة، التي دمّرتها الحرب الأهلية على امتداد خمسة عشر عاماً، لتظهر اليوم كـ عرائس "الباربي" جسداً بلا روح. لقد اغتالت الحرب روحها ورونقها، فمهما بدت اليوم أنيقة، إلا أنها لم تعد تلك الحُلّة الساحرة.

أيُّ لعنةٍ هذه؟
حينما يُتيّم المرء بتراثه وحضارته، فإنه بلا شك يكون بارّاً بمن سبقوه وتركوا له الإرث. وما أجمل أن نعشق تلك الأبواب الخشبية، النوافذ الصغيرة، الدهاليز المستطيلة،الخزانات في كبد الغرف، السلالم المرصّعة بمطرقة الخِبرة، تزاحم الجدران، الأضواء، الشمسيات، والأمكنة!تلك العتبات التي تبدو كـ"تيجان العرائس"، نرى من خلالها ضحكة الفجر، وابتسامة البدر. تلك الأحجار المتراصّة والمترابطة كصلات وروابط من بنوها وشيّدوا أركانها، كل شيء فيها ينبئنا بأن الإنسان القديم لم يكن مجرّد إنسان عابر، بل أسطورة شيّد الجمال والخيال، وجعله واقعاً مُعاشاً، أو بالأحرى عمَّر الأرض كما أراد الله.
ذلك المعمار الزاخر في صنعاء القديمة، في القدس، في #حلب الشهباء، في بعلبك، في بغداد، في دمشق، في محمد خليلي، في غدامس، وفي غيرها من المدن التاريخية. ترى في كل حجرٍ فيه نبوءة، وتشاهد الف معجزة، كأنك تعيش في مدينة مقدّسة، ينزل عليها الوحي كل مساء، وتهبط فيها الملائكة.
أيُّ لعنةٍ هذه التي ستجعلنا نعيش عُراة بين الزجاج ووسط المرايا، بدلاً من الدفء والسكينة خلف حجر المرمر والرخام أو الطين الحضرمي؟ أيُّ حظٍ عاثرٍ هذا الذي سيرفعنا سريعاً بمصعدٍ كهربائي، ليعيدنا بنفس السرعة إلى نفس المطرح ونفس الرقعة، لنظلّ كما نحن بلا ارتقاء،بلا علوٍ، بلا سمو، وإنما صعوداً وهبوطاً كأسعار البورصة في "ناسداك"!


ذلك الإنسان القديم، كانت عيناه تتحسسان جمال الفن المعماري، تخاطبان الحجر، تتذوقان لذة رؤية الشمس وهي تتمايل بين الجدران والشرفات، وتتواصلان مع الظلال المنسدلة على واجهات المباني. حينما يستهلّصباحه، يبدأه بكلمات فلكلورية مدهشة، يخاطب الحجر، ويعانق الأرض، ويمتزج مع النقوش؛ وكأنه خُلق هو والحجر من رحمٍ واحدة.
لم يكن مجرّد معمار مغمور بفن العمارة، ولا مهندس مهووس بتفاصيل البناء وجودة التصميم. لم يكن تقليدياً أو كلاسيكياً قابعاً في جوف خزانة خرافية، ولا هاوي بنايات أو ناطحات سحب، لقد كان طيراً يُحلّق من علوٍّ مرتفع، ليصف لنا، من خلال إبداعه وتصاميمه، ما لا نستطيع أن نراه أو نشاهده في نظرتنا القاصرة.

 

القيمة الجمالية

إن القيمة الجمالية التي صاحبت الإنسان القديم، هي في جمال روحه قبل أن تكون في جمال معماره. فكلّما كانت روحه جميلة وإيجابية بدا تراثه أجمل وأروع، مما جعلنا نرى هذا التراث بعين الرغبة والمحبة والتفاخر والرضى، لكن الأرواح الناشئة على هلع الحداثة، وطمع اللحظة، لا ترى هذا التراث الكلاسيكي، ولا تستمتع بروعته مهما كان فاتناً، لذلك نراها لا تأبه بهذا الخراب، ولا تستشعر خطورته على تكويننا وشخصيّتنا العربية.

أما القيمة التاريخية فهي مصدر الذاكرة الجماعية، ولُحمة المجتمعات. إنها جليّة وواضحة، ويمكننا رؤيتها بصورتها رباعية البعد، كلّ ما علينا فقط أن نزور الأماكن العتيقة، لنشعرَ بالألفة والوئام، في حين تتجلّى القيمة المعمارية بتواصلنا مع المكنونات الحسية واللا حسية للمعمار، وتفاعلنا عاطفياً مع ما نحمل من مشاعر تجاه بعضنا. إنها علاقة الإنسان بالمكان، التي لا يمحوها الزمان، وإنما تلغيها الثقافات المعمارية المستوردة، التي تجعلنا نعيش غرباء مع ذواتنا.

علاقة حميمية
للمعمار أيضاً قيمة اجتماعية مرتبطة بمسألة الجماعة التي تسكن هذا الجزء التاريخي أو ذاك، فعلاقة الإنسان بسكنه علاقة حميمية ترتبط بالذاكرة، لأننا لا نبني لنشاهد ما نبني، وإنما لنعيش فيه، لذلك تربطنا هذهالعلاقة الحميمة. وتبقى القيمة الرمزية قيمة انتماء، قيمة هوية، قيمة تعلّق بالأمكنة، وقيمة تميّز، في حين تظل القيمة الاقتصادية واردة ولكن بنسبة دنيا. أمّا القيمة التعليمية فهي حاضرة بكل قوّة في قرانا ومدننا، وينبغي أن تكون مصدر إلهامنا.

أتذكّر، وأنا طفل، حينما كان السيّاح الأجانب يأتون إلى قريتنا "بيت الأشول" كيف كانوا يشعرون بالتصالح مع أنفسهم ومع بعضهم، وكأنّهم وجدوا ضالتهم بعد طول عناء. كانوا يلتقطون الصور مع الأحجار والأسوار والأقمشة، كانوا يصافحون الشيوخ ويعتبرونهم ملائكة. كانوا يصفونهم بنجوم السماء، كل ذلك لأنهم كانوا يشعرون بتناغم البشر مع الحجر، حتى الوجوه والواجهات، كان لها بريق متشابه حينما كانت العلاقة متينة بين المِعمار والعمَّار.

لا أخفيكم بأن "دار الرجبات"، إحدى دور قريتنا القديمة، تلتفت إليَّ مُبتسمةً كلّما نظرتُ إليها، وكأنها تختزل بين ثنايا أحجارها كنزاً من الصفات الحميدة التي توارثها ممّن سكنوها. أما حين أنظر إليها نظرة مودّع وأنا مغادرٌ القرية، أستشعر عظمة نظرتها وقوّتها، وكأنها تقول لي: "كن أينما أنت كما أنت هنا وكما عهدناك، فأنت سفيرنا في الغياب"، وعندما أعود، أراها من بعيد شامخةً فينتابني الفخر بها، وهي بي تفتخر، وتستقبلني كالفاتحين.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard