التسرب المدرسي في التبانة... كلا الحرب لم تنتهِ!

19 تشرين الأول 2016 | 17:55

المصدر: "النهار"

لا عجب والمرء يجول في أحياء باب التبانة في طرابلس، أن تمر به مجموعة من الأولاد تراوح اعمارهم ما بين ٨ و١٠ سنوات، يركضون في الشارع في ذروة ساعات التعليم. ربما لم يسمع ذوو هؤلاء بوجود شيء اسمه مدرسة.

وفي المحال والمتاجر المختلفة، والحِرف الكثيرة في التبانة، يعتمد العمل أساساً على الأجساد التي يفترض أن تكون على مقاعد الدراسة.

وفي زاروب ضيّق مدخله من شارع سوريا، ويفضي إلى منزل حسن الحسن، يقف هذا الشاب عند مدخل المكان الذي يقيم فيه، وأمامه بناته الأربع. كلهن لا يذهبن إلى المدرسة. لا حاجة الى السؤال عن تسرّبهم متى شاهد المرء تردّي مكان الإقامة إذ تحفّ به سيول الصرف الصحي، والأوساخ، ويتغطى بثياب بالية عتيقة، يقول إنها تحتاج الى غسيل، فيرد رامي عيسى، الذي دبر له مكان الإقامة: "ليس عنده غسالة، والغسيل يتم باليد".

وضع يرثى له ويوصل إلى نتيجة حتمية هي أن لا مجال للبنات في الذهاب إلى المدرسة، فالإهمال قاطع، والتفكير في المدرسة لا مكان له، والقدرة المادية في الحضيض.

وعلى الجهة المقابلة من الشارع، يرفض الفتى أحمد (14سنة) العودة إلى المدرسة. فهو يعمل مع شقيقه في بيع الخضر.وقد ترك المدرسة من الصف الثاني الابتدائي، يقول: "أريد أن أصبح مقاتلا. لا أحب المدرسة".

هي ثقافة الحرب. فـ"الطالب الذي لم يتعود الذهاب إلى المدرسة في ظلال الحرب، نشأ حاجز بينه وبينها، وبقي خارجها بعد انتهائها"، بحسب محمد الأسمر منسق المشاريع في "جمعية شباب للتنمية والتطوير"، الذي يلفت من خلال المتابعات التربوية لجمعيته الى إنه "إذا كان الوالد مقاتلا، فإنه يشكل قدوة لابنه الذي يصبح القتال والحروب واقتناء السلاح همّه الأول، ويغيب التعلم عن باله بالمطلق".

ويضيف الأسمران "المشكلة تتفاقم عندما تجد العائلة إنها في وضع مادي حرج، بينما من يشارك في القتال وضعه المادي جيد لأنه توظَف في مجال الحرب، ونال الأموال الطائلة، وأصبح قائد محور، والمقاتل القدوة للطفل، وللعائلة ككل".

يقدم حسن والطفل احمد نموذجين عن جوهر التسرب المدرسي الواسع الذي تعانيه المناطق الشعبية في طرابلس، ولباب التبانة خاصية في هذا المجال. فالتسرب المدرسي في طرابلس أصبح حكاية كابريق الزيت، حيث الكل يلهج به ولا من طرف يستطيع تحديد حجمه الحقيقي، والسبب بسيط هو أن أحدا لم يكلف نفسه عناء وضع بحث جدي عنه في السنوات القليلة الماضية منذ انطلاق شرارة الأحداث عام 2011.

لكن بعض هيئات المجتمع المدني تدعو إلى عدم الاستغراب من ان يصل عدد المتسربين إلى 30 ألفا في سن الانتماء إلى المدرسة في مجمل المناطق الطرابلسية.

مصادر رسمية افادت "النهار" أن عدد التلامذة المسجلين في مدارس باب التبانة ومحيطها، يبلغ نحو أربعة آلاف تلميذ، ملتحقين بعشر مدارس في المنطقة والجوار، وكل المدارس متخمة، وغالبية الصفوف مكتظة أكثر بكثير مما هو مسموح به قانونا.

ونظرا الى غياب إحصاءات عن عدد التلامذة المفترضين في المنطقة، يصعب تحديد نسبة معينة للتسرب، لكن مؤشراته وأسبابه تعطي فكرة عن انتشاره وخطورته على المستوى الاجتماعي، وتبرز في هذا المجال جهود "جمعية شباب للتنمية والتطوير" بالتعاون مع عدد من المنظمات غير الحكومية، اللبنانية منها والدولية.

ويشرح الأسمر ما قامت به جمعيته من بحوث ومبادرات، قال إنها استندت إلى دراستين سابقتين لـ"الأسكوا" ومجلس البحوث التربوية. وأوضح ان دراسة مجلس البحوث أظهرت ان نسبة المعيدين لصفوفهم مرة أو مرتين تفوق الـ 80٪، وهذه نسبة عالية جدا كسبب من أسباب التسرب، فالذي يكرر إعادة صفه، تنتهي به الأمور إلى مغادرة المدرسة غالبا".

وفي دراسة "الأسكوا"، يقول الأسمر إن "أكثر من 80٪ من الآباء والأمهات لم يتموا التعليم الثانوي، و22٪ لم يتموا التعليم الابتدائي، وهناك 10٪ من السكان لم يرسلوا أولادهم للتعليم، ويؤشر ذلك إلى مدى اكتراث الأهل بتعليم أبنائهم".

ولاحظ نسبة عالية من المتسربين تحت تأثير الأحداث الأمنية، "فمن التلامذة من لم يستطع الالتحاق بالمدرسة لأن الأوضاع الأمنية منعته، ومنهم من تابع الدراسة بتقطع نتج منه ضعف المستوى التربوي للتلامذة، وعندما بلغ التلميذ الصف الرابع بعد ترفيعه التلقائي في السنوات الثلاث الأولى، وصل ضعيفا، ولم يستطع إكمال دراسته".

وتلعب عمالة الأطفال دورا مهما في تسرب الأطفال، في نظر الأسمر، فكثيرا ما يفضل الأهل أن يخرج ابناؤهم إلى سوق العمل، فيتعلم أحدهم مصلحة أو حرفة تؤمن له مدخولا يساعده، ويساعد عائلته، حيث تنتشر البطالة والفقر.

ويلاحظ الأسمر دور المنهجية التربوية السيئة، والمدارس غير المهيأة جيدا للتعليم، إن على مستوى البنية التحتية للمدرسة، أو البنية البشرية (جهاز التعليم)، ويعتقد أن "غالبية التلامذة المتسربين لم يكونوا يتحملون صفوفهم والبقاء فيها، ولا اساليب التعليم، أو ممارسات المعلمين". ويؤكد ان "هناك ثلاثة آلاف تلميذ متسرب في التبانة استنادا الى احصاءات اختيارية".

ويعطي نموذجا عن التسرب الناجم عن تردي أوضاع المدارس الرسمية، فـ"ثانوية الملعب الرسمية" كانت تستوعب 1200 تلميذ، مع نسبة عالية من النجاح، وباتت اليوم لا تستوعب أكثر من 140 تلميذا، ويتساءل الأسمر عن "البقية من التلامذة، وأين أصبحوا". مع العلم أن هذه الثانوية شكلت المصدر التعليمي الأساسي للمحلة منذ أواسط القرن الماضي.

ثم يأتي دور الواقع الصحي الناجم عن الأحداث، فقد أصيب كثيرون من الأهل ومن الأولاد، وفي هذه الحالات، يتراجع الاهتمام بالتعليم، وتتعذر القدرة على متابعة الدراسة. ويلفت الأسمر إلى أن بعض المؤسسات الدولية، "بدلا من أن تكحلها أعمتها"، كما يقول المثل الدارج، فقد استخدمت هذه المؤسسات الأولاد للعمل في صفوفها بهدف التوفير، وبذلك شجعتهم على البقاء خارج المدرسة.

وزادت الحرب عدد الأرامل بسبب وفاة الزوج ، فبات الأولاد في عجز عن الذهاب إلى المدرسة، بينما كان هم الوالدة تأمين القوت لهم في غياب المعيل.

وتستوعب مدارس المحلة، والجوار نحو أربعة آلاف تلميذ حدا أقصى، بينما عدد الأولاد المفترض أن يلتحقوا بالمدارس يقدر بعشرات الآلاف نسبة لعدد السكان الذين يناهزون الثمانين ألفا بحسب ما هو رائج.

ويشكو الأسمر باسم جمعيته من نقص الأبحاث والدراسات المعمقة، والدقيقة لواقع حال التلامذة في التبانة وغيرها من المناطق الشعبية "لأن ذلك يحتاج إلى إمكانات مادية عالية لا تتوافر إلا للدولة، ولا يعرف أحد أنها قامت بهذه المهمة".

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard