تركيا بين المطرقة الروسية والسندان الاميركي

12 شباط 2016 | 20:15

المصدر: "النهار"

"رويترز"

الأنباء الآتية من الولايات المتحدة لا تُسرّ الرئيس التركي رجب طيب #أردوغان، فالخلاف بين أنقرة وواشنطن في شأن الاكراد، ولا سيما الدعم الاميركي المتزايد لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردستاني في سوريا، بلغ حدًّا خطيرًا دفع أردوغان الى حد الغضب ومهاجمة الاميركيين بشدة، عندما خاطبهم قائلا: "بعد رفضكم الاعتراف بصفتهم الإرهابية، تحوّلت المنطقة إلى بحر من الدم". وأضاف: "يا أميركا، لا يمكنك إجبارنا على الاعتراف بحزب الاتحاد الديموقراطي، ولا بوحدات حماية الشعب، فنحن نعرفهم جيداً، تماماً مثل معرفتنا بداعش". وكرّر الانتقاد داعيًا واشنطن الى ان تختار بين تركيا والاكراد"، متسائلا "كيف نثق بكم؟"

تركيا تخشى من إقامة منطقة للحكم الذاتي الكردي على طول حدودها الجنوبية مع سوريا على غرار منطقة كردستان العراق شبه المستقلة، الامر الذي قد ينعكس سلبًا على وحدتها الداخلية، ويشجّع مطالبات الاكراد بالشيء نفسه في شرق تركيا، حيث يشكلون الغالبية.

لكن واشنطن تعتقد انها ليست مضطرة لأخذ إذن من تركيا كي تقاتل "داعش" او تنفيذ سياسات محددة على الارض". وبالنسبة لها فإن قوات حماية الشعب حازت ثقة قوات الائتلاف الدولي لأنها تحارب "داعش. وأثبتت أنها حليف يعتدّ به في مكافحة داعش والإرهاب. ولذلك فإن أميركا تدعمها بالسلاح وتوفر لها الحماية الجوية، وستستمر واشنطن بدعمها وحمايتها لقوات حماية الشعب ما دامت هذه القوات تكافح داعش.

وكان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن عبّر صراحة لدى زيارته أنقرة عن مخاوف أميركا في شأن الترّدد التركي في محاربة "داعش". ولا يزال المهرّبون ينقلون نفط "داعش" عبر الاراضي التركية. ولم تلبّ تركيا التطلعات الأمريكية في مكافحة داعش، مع أنها عضو في الناتو وفي التحالف الدولي لمكافحة داعش.

وفي هذا السياق يقول المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية ديفيد فيليبس إن أميركا اضطرت إلى التستّر على أخطاء تركيا، وقال: "ثمة أنباء تفيد بأن تركيا لا تقيم علاقات في تجارة النفط مع داعش. هذا الكلام صحيح من الناحية التقنية، ولكن المهربين الأتراك يلعبون دورًا في كل مراحل التجارة بنفط داعش. والأتراك يحقّقون المكاسب جراء هذه التجارة. ومن بين هؤلاء المهرّبين أصحاب ناقلات نفط ينقلون النفط من مستودع جيهان في جنوب تركيا.وهم يحققون أرباحا كبيرة من النفط السوري الرخيص. وفي هذه الحال تضطر أمريكا للتستر على ما يفعله الأتراك". ولفت إلى أن أميركا قد تنشئ قاعدة جوية في الأراضي التي تسيطر عليها قوات حماية الشعب داخل الاراضي السورية في حال امتناع تركيا عن السماح لها باستخدام قاعدة إنجيرليك.

غضب الرئيس أردوغان مفهوم، ولكنه هو نفسه، يتحمل مسؤولية رئيسية عن معظم هذه التطورات التي يراها سلبية بالنسبة الى بلاده، بعدما استبدت به الحيرة والتقلب السياسي في السنوات الاخيرة. فمنذ توليه السلطة عام 2002، عمل على إبعاد تركيا عن حلفائها الغربيين التقليديين. واستندت السياسة التركية الجديدة التي وضعها رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، إلى الفكرة القائلة بأنه لا يمكن لأنقرة أبداً أن تبرز كقوة إقليمية إذا كانت تتمتع بعلاقات جيدة مع الغرب فقط. وتبين أن هذا الرأي خاطئ إلى حد كارثي.

لقد اعتقد داوود أوغلو أنه من خلال إقامة علاقات أفضل مع إيران وروسيا، والإخلال بين الحين والآخر بالعلاقات مع أوروبا وإسرائيل والولايات المتحدة، بإمكان أنقرة أن تكسب النفوذ في الشرق الأوسط وأوراسيا، وتبرز كقوة إقليمية تحظى بالاحترام. ولكن، بدلاً من ذلك، حدث العكس. فاليوم، اجتمعت البلدان الأربع الرئيسية المجاورة لتركيا من غير الدول الأوروبية - روسيا وإيران والعراق وسوريا - في محور تاريخي تشكل حديثاً ضد أنقرة. ولم يبقَ لأنقرة من حليف سوى الولايات المتحدة.

ومع انهيار سياستها الخارجية الجديدة، تحاول أنقرة العودة إلى سياستها القديمة. فتعمل على إنعاش الروابط مع الاتحاد الأوروبي. كما تبرز مؤشرات إيجابية في العلاقات التركية الإسرائيلية. فنظراً إلى الأزمة مع روسيا، تحتاج تركيا إلى تنويع المصادر التي تزوّدها الغاز، وإدخال الغاز الإسرائيلي ضمنها. ووفقاً لبعض التقارير، اتفقت تركيا وإسرائيل أيضاً على تطبيع العلاقات بينهما، في إطار اعتقادهما بأنهما تواجهان تهديدات متشابهة من سوريا، أي "حزب الله" بالنسبة إلى إسرائيل و "حزب الاتحاد الديموقراطي" بالنسبة إلى تركيا، بدعم من روسيا في كلتا الحالتين، فضلاً عن التهديد الذي يشكله تنظيم "داعش".

والمفارقة بالنسبة إلى إدارة داوود أوغلو وأردوغان هي أنه بعد عشر سنين من محاولة تقريب تركيا من روسيا والشرق الأوسط، تحاول أنقرة إعادة عقارب الساعة عليه قبل نحو عشرين عاماً. وإذا أُعيد تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية، فستكون السياسة الخارجية التركية مطابقة تقريباً لما كانت عليه عام 1995، في ظل حكم الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل: علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وعلاقات سيئة مع إيران، والعراق، وروسيا وسوريا، وعلاقة عمل مع الاتحاد الأوروبي، وتعاون مع أكراد العراق الذين يساعدون تركيا ضد "حزب العمال الكردستاني".
لكن هل الظروف اليوم هي الظروف نفسها التي كانت قائمة عام 1995؟ وهل الحسابات الدولية والتجاذبات الكبرى بين القوى العظمى لا سيما بشأن سوريا هي هي ايضا؟

الخلاف التركي الاميركي ليس إلا عينة صغيرة عن الاشكال التركي، ذلك ان أنقرة تعاني إشكالا أكبر يتعلق بالعلاقة مع روسيا التي بلغت ايضا حدا لم تبلغه منذ الصراع بين الامبراطوريتين الروسية والعثمانية في بداية القرن الماضي. فأنقرة تدرك أنه حكم عليها بمجاورة دولة عظمى لن يكون من السهل محاكاتها، لأن أقل هفوة سياسية أو عسكرية يمكن أن تتسبّب في إشعال مواجهة مباشرة، نجح الطرفان في معرفة كيفية تلافيها حتى الأمس القريب. لكن قادة أنقرة يعرفون أيضا أن روسيا استفاقت من ثباتها الطويل ثائرة، ما يتركها أمام اختبار جديد في علاقاتها مع أنقرة.

فأين يمكن ان تقف واشنطن اذا تفاقمت المشكلة بين أنقرة وموسكو، لا سيما ان واشنطن حليفة أنقرة وشريكتها في حلف الاطلسي، لا تنفك تدعو الطرفين على السواء الى الحيطة والحذر وعدم ارتكاب الخطأ القاتل وكأنها تريد الوقوف على الحياد.

وبعد إلاعلان الاخير لأنقرة عن انتهاكات روسية جديدة لأجوائها تحرك الأطلسي ليكون في قلب المواجهة المباشرة مع روسيا، لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتأخر في تحذير الحلف نفسه في ضرورة الوقوف على الحياد في هذه المواجهة بين أنقرة وموسكو، لأنها لا تعني الأطلسي. وهكذا فإن روسيا إما انها تتجاهل مضمون اتفاقات الشركة التركية وتحاول عزل تركيا عن حلفائها، وإما أنها تختبر رغبة دول الحلف في دخول المواجهات العسكرية للدفاع عن تركيا، خصوصا أن بوتين يقول إن الانتشار الجديد لقوات الأطلسي يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الروسي.
وفي المقابل تبدو الإدارة الأميركية غير مبالية بما يحدث، فهي:

أولاً، لا تعير اهمية لما تقوله تركيا عن مخاطر الأبعاد السياسية والأمنية للعلاقة المتينة بين واشنطن وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.
ثانيًا، تتجاهل مشروع موسكو الذي يتقدم على الأرض، باتجاه فتح الأبواب أمام تمدّد هذا الحزب نحو أبعد نقطة جغرافية في شمال غرب سوريا، لتكون مقدمة لإعلان الكيان الكردي المستقل.

ثالثًا، تتجاهل مطالبة المعارضة السورية بعد فشل لقاء جنيف الثالث، بالضغط على موسكو لتغيير مواقفها حيال مسار الأزمة السورية. لا بل إن ضغوطات أميركية تمارس على المعارضة لمشاركتها في "جنيف 3" بناء على تفاهم اميركي روسي مسبق في حين تواصل موسكو عملياتها العسكرية في حلب لتعزيز مواقع النظام. في حين أن أنقرة ترى أن تفاهم لافروف - كيري هو العقبة أمام الحل في سوريا.
رابعًا، تعرف واشنطن والأطلسي أن اتساع اي مواجهة تركية روسية ستحمل معها مخاطر اندلاع حرب إقليمية نووية، فهل هما على استعداد للدخول في مواجهة من هذا النوع أم لا؟ المشكلة اليوم بالنسبة للأتراك هي أبعد من إجابة دول حلف شمال الأطلسي عن سؤال وقوفها جانبهم، في حال تحوّل التوتّر التركي الروسي إلى مواجهة ساخنة، بل معرفة إذا كانت هذه العواصم الغربية ستتخلى عن أنقرة وتنحاز إلى روسيا، تاركة تركيا لوحدها في هذه المواجهات لصالح حماية علاقاتها مع روسيا وإيران؟

خامسًا، هناك قلق تركي حقيقي من أفكار تناقش في المحافل الغربية حول مواجهة عسكرية تركية روسية تعني بالنسبة للغرب فرصة إضعاف البلدين وإخراجهما من لعبة التوازنات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط خصوصا بعد التفاهم الغربي النووي مع إيران واستعداد طهران للاضطلاع بالدور الذي تريده بعض العواصم الغربية في ضوء مواجهة من هذا النوع. فهل وقعت تركيا بين المطرقة والسندان؟

Amine.kam@annahar.com.lb
Twiter: @amine_kam

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard