التحوّلات الفرنسية بعد تقدم اليمين المتطرف

10 كانون الأول 2015 | 22:51

المصدر: "النهار"

مارين لو بن. (أرشيف)

لا يزال تقدم #اليمين_المتطرف في المشهد الفرنسي تحت مجهر التحليلات التي تحاول الاجابة عن الأسباب العميقة لهذا التقدم. في الآتي قراءتان للكاتب والمحلل السياسي المقيم في باريس ميشال ابو نجم والخبير في الشؤون الفرنسية تمام نور الدين.


تحوّل تاريخيٌّ في المشهد السياسي الفرنسي، فبعد الانتخابات المحلّية التي حقّق فيها اليمين المتطرّف، ممثلاً في "الجبهة الوطنية"، نتيجة قياسية على المستوى الوطني في الجولة الأولى من انتخابات المناطق، بات هذا البلد ينفرد بين كل البلدان الأوروبية، بأن يحصد اليمين المتطرف فيه نسب مرتفعة من المقترعين في بعض المناطق. وفي رأي "ابو نجم" ان أسباب عدّة تقف وراء المشهد الذي أدهش الجميع على الساحتين المحلية والدولية، ونتائج عدة ستظهر خلال الشهور والأيام الآتية، لكن علامة الاستفهام الكبرى تدور حول إمكانية وصول رئيسة حزب "الجبهة الوطنية" مارين لوبن إلى كرسي الرئاسة في يوم ما.

خلفية "المشهد"
حصلت "الجبهة الوطنية" على نسبة 30 في المئة من الأصوات، متقدّمة في ست مناطق من أصل 13، يتبعها حزب "الجمهوريين" بزعامة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي سجّل تقدماً في أربع مناطق، مقابل تقدّم "الحزب الاشتراكي" بزعامة الرئيس فرنسوا هولاند، في منطقتين.

يتحدث ابو نجم عن إفلاس السياسات التقليدية ان كانت يميناً أو يساراً، وعن تداعيات الوضع في الشرق الأوسط وارتداداته على أوروبا وتحديداً ظاهرة الهجرة المكثفة، "لأنّه على الرغم من أن الفرنسيين ليسوا معنيين مباشرة بهذه الهجرة المكثفة، هم قلقون وخائفون جداً من الآلاف الذين يصلون إلى أوروبا. كما هناك ظاهرة الارهاب، فلا يمكن أن ننسى أن العام 2015 بدأ مع عمليات إرهابية في باريس: عملية "شارلي ايبدو"، وعملية المتجر اليهودي، وانتهى بعمليات إرهابية ايضاً، لا بل لم يعد الارهاب ظاهرة فكرية، بل بات داخل الشوارع الفرنسية".

وفي شرحه لأسباب تقدم اليمين، يتناول "الميل للخلط بين الاسلام و#الارهاب كون جميع الذين ارتكبوا العمليات الارهابية ادّعوا انهم مسلمون، وبالطبع الدعاية التي تقول إن الاسلام غير قادر على الاندماج في المجتمع الفرنسي. هذا كله أضاف كوكتيلاً متفجّرًا الى النظرة الفرنسية للاسلام. كما يوجد في فرنسا بين خمسة وستة ملايين شخص متحدّرون من أصول عربية أو مسلمة، تشعر فئة كبيرة منها انها مهمّشة اجتماعيًّا. هؤلاء يشكلون قنبلة متفجرة في العقود القادمة، اذا لم تكن هناك سياسات اقتصادية واجتماعية تسعى إلى إعادتهم الى حضن الوطن الفرنسي".

من جانبه، يقول نور الدين لـ"النهار": "ليست صدفة صعود اليمين، فالارهاب بات وسط باريس، ومشكلة غالبية المسلمين انهم لا يندمجون في المجتمع، بل يبقون على عاداتهم وتقاليدهم. والخوف من هذه الفئة الغير مندمجة يزداد لا سيما من أولئك الذين مرّت سنوات على وجودهم، من دون ان يتكلموا بالفرنسية. أضف الى ذلك فشل اليمين المعتدل واليسار، اللّذين لم يقدّما حلولاً للبطالة مع تراجع الاقتصاد، وتدهور الحياة المعيشية". ولفت الى انه "في السابق كان المواطن الفرنسي ينظر الى البرنامج الانتخابي للمرشح، كنسبة الضرائب التي سيضعها وغير ذلك، أما الآن فيرفض انتخاب كل مرشّح يتحالف مع دول محددة متهمة بدعم التطرف".

انعكاسات "المشهد"
ويعدد أبو نجم نتائج أساسية يمكن ان نتوقعها مع صعود اليمين المتطرّف كالآتي: "النقطة الأولى هي تجذّر اليمين المتطرف في المشهد السياسي، اذ بات يتعيّن علينا أن نعتاد على رؤيته كظاهرة متجذرة في الحياة السياسية الفرنسية. فلم يعد صعوده أمراً طارئاً، وهو مع كل انتخابات جديدة يصعد درجة إضافية، لكنه لم يصل بتاتاً إلى ما وصل اليه اليوم. النقطة الثانية انتقال فرنسا من الثنائية القطبية السياسية إلى الثلاثية القطبية السياسية، فالقطبان الاساسيان اليسار الاشتراكي المعتدل واليمين الكلاسيكي المعتدل، والاحزاب الصغيرة مثل الراديكاليين اليساريين ويمين الوسط ويسار الوسط، أضيف اليهم قطب ثالث هو اليمين المتطرف. وهذا سيكون له انعكاسات كبيرة على التطورات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الداخلية والخارجية".


وفي النتائج ايضاً يتوقف ابو نجم عند " التهديد الجدي بوصول اليمين المتطرف الى السلطة عام 2017 ، ففي كل استطلاعات الرأي تبدو مارين لوبن أنها الاكثر تقدماً لجهة اجتذاب أعداد الناخبين، اي ان الاقتراع لليمين المتطرف لم يعد بمثابة اقتراع احتجاجي على السياسات القائمة وعلى الطبقة السياسية القائمة، ولكن أصبح اقتراعاً انتمائياً وباتت آراء اليمين المتطرف تغزو الطبقة الوسطى، والعمالية، والبرجوازية المسيحية، والكادرات المتوسطة، والطلاب والشباب الذين كانوا أقلّ تقبلاً لأفكار اليمين المتطرّف".

ويرى "انعكاساً للوضع القائم على الخطاب السياسي للأطراف الأخرى حيث ان أفكار اليمين المتطرّف أخذت تخرج من قمم اليمين المتطرف لتغزو الساحة السياسية بأكملها، والدليل على ذلك أن الكثير من طروحات اليمين الكلاسيكي ليست بعيدة جداً عن طروحات اليمين المتطرّف، كأن هناك نوعًا من العدوى الأيديولوجية، الفكرية، السياسية التي يمارسها هذا اليمين على الآخرين، لا بل إن أحد المطالب الاصلاحية مشروع إصلاح الدستور الذي تقدّمت به الحكومة إلى مجلس النواب ومجلس الشيوخ ينصّ على بادرة كانت في الأساس طرح اليمين المتطرف، وهي إسقاط الجنسية عن الذين يمكن أن يدانوا بارتكاب أعمال ارهابية، أو الانتماء الى تنظيمات إرهابية، هذا الطرح لم يكن يقبله اليسار سابقاً وهو انتقل الى اليمين الكلاسيكي ومنه إلى اليسار الحاكم".

تحوّلات
وبطبيعة الحال سيتزامن تقدم اليمين المتطرف مع تحوّلات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وفق "ابو نجم" الذي يتوقع "تركيزاً في الأشهر والسنوات اللاحقة على موضوعين متلازمين: الهجرة من جهة، والإسلام من جهة أخرى، بما يعني ذلك من مضايقات ايديولوجية وسياسية، وتدابير أمنية احترازية، واجراءات اجتماعية على كل من يُطلَق عليهم اسم "المهاجرون"، الذين هم بغالبيتهم من بلدان مسلمة، خصوصاً من بلدان المغرب العربي".

أما نور الدين فاعتبر أن صعود اليمين المتطرّف لن يؤثر كثيراً على المشهد "نحن في سنة 2015 وليس في الـ 1930 لرمي المهاجرين في البحر، كل ما في الامر ستُطبّق القوانين بشكل أكبر، فاذا كانت الجنسية تُمنح للاشخاص الذين يحمل سجلهم العدلي جنحة أو جناية، فمع وصول #مارين_لوبن لن تمنح لهم. ومن المتوقع اللجوء الى الهجرة المنتقاة لعدم ارتفاع اعداد من يشعرون بأنهم يعيشون على هامش المجتمع".

 

تفجير "الرئاسة"
وبالنسبة لنور الدين، ليست الطريق سالكة بسهولة أمام "الجبهة الوطنية" لدخول الاليزيه، فهناك جبهة رفض صلبة في الداخل "وهناك من تآمر على لوبن من قبل الأحزاب، كما تآمر الاعلام عليها وقام بتشويش البث أثناء نقل مؤتمرها الصحافي يوم الأحد الماضي"، لكن على الرغم من ذلك وفي رأيه "انه وبعد تفجيرٍ إرهابيّ واحد ستصل لوبن الى الحكم، فقد حازت على 30 في المئة من الأصوات، في حين أن #ساركوزي الذي تحالف مع ثلاثة أحزاب حصل على 26 في المئة. وهي اليوم تتهيأ للسلطة من خلال الانطلاق من الساحة المحلية الى الدولية، حيث زارت مصر وموسكو وبعثت بموفدين إلى السفراء السوريين في منطقة الشرق الاوسط حملوا إشارات إيجابية إلى الرئيس بشار الأسد".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard