تعزيز الخدمات الإدارية لتلبية الحاجات المعيشية

2 أيلول 2015 | 21:21

المصدر: "النهار"

تصوير مروان عساف

السياسة، بالمعنى الصحيح، هي إدارة الشأن العام. وعند فراغِ الحكم، تعود الإدارة، لأصحابها، أي للناس.
ماذا يعني هذا المبدأ في حالة لبنانَ اليوم؟ بمعنى آخر: من يستعيد المبادرة وكيف؟
ليست الإجابة بسيطة ولا مباشرة. لا نتصوّر أن الناس في لبنان ستنزِل إلى الشارع لتتسلّم إدارة البلاد بما هو خارج عن مقدورها، ولا حزبٌ سينزِلُ ولا جيشٌ ولا منقذ.


ترتبط معالجة أزمة الحكم بالحاجة إلى تدخّل مجمل "السلطات الناظمة للمعايير" Autorités productrices des normes لأن الأزمة الراهنة ليست أزمة سياسات عامة خاطئة بل أزمة بناءات الحكم أي مكوّنات الحكم من النواحي الأخلاقية والقيمية والإدارية والتنظيمية والاجتماعية والأهلية والمدنية والدينية. وليست الأزمة الراهنة بالطبع أزمة نصوص بذاتها.


فمن هي هذه السلطات التي من شأنها أن تستنهض، مجتمعةً، لبنانَ من كبوته؟
هي كثيرةٌ. أوّلها النقابات، والأحزاب والجمعيات المدنية، والسلطات الدينية - بالمعنى القيَمي- ومنها أيضاً وخصوصاً الإدارة اللبنانية التي أجدني في صدد الكتابة فيها. ذلك أن الاستنهاض يشمل تفعيل الخدمات في الدولة.

فمن هي السلطات الإدارية المقصودة بذلك ولماذا نعوّل عليها وكيف؟
رُبَّ مستمعٍ يستهين. لكن الإدارة اللبنانية، أقول، هي التي أبقت لبنان الدولة موجودة عندما تنازع عليها اللبنانيون وأضرموا فيها النار، وعاثوا فيها الفساد، وأشبعوها رشوة، وأغرقوها بالأزلام والمحاسيب... فلا عجب أنّ مظاهر الدولة اليوم، ولو رديئة، تقتصر على الإدارات الرسمية وهي الوحيدة التي تتنفَّس فيما الرئاسة خالية والمجلس معطّل والحكومة عاجزة.


والأهمّ أنّ الإدارة، بالمعنى الواسع، لا تقتصر على الوزارات والدوائر الرسمية المتفرّعة منها. بل قد أصبحت اليوم تمتدّ إلى الإدارات اللامركزية في المناطق وإلى البلديات خصوصاً. فأين نحن منها؟ بدءاً من المعاملات الإدارية وليس انتهاءً بأزمة النفايات. بل أين نحن من تطوير "المركزية"؟ فهل تصلح لامركزية دون تطوير الإدارة المركزية؟ (هل نعي أن الدولة لا تمسك لائحة بالملكيات العامة على أنواعها؟!) وهل نعي أن ليس في الإدارة ولا حتى في رئاسة الجمهورية دليلاً للإجراءات Manual of Procedure؟! هل نعرف أن المسح الجغرافي Aménagement du territoire في لبنان لم يأخذ في الحسبان وجود مطامر؟!


وإذا كان هذا هو الحال على مستوى الإدارة المركزية فكيف بالحري على مستوى البلديات الصغيرة؟! وللعلم ثمة 1150 بلدية تقريباً، من أصل أكثر من 1700 مدينة وبلدة وقرية وحيّ ونحو 200 بلدية منها لا تعمل بسبب كونها منحلّة أو لا مشلولة.
لا يُعقل أن يُترك البلد رهن الأزمات الأسبوعية، رهن التعطيل على مستوى الرأس، رأس الدولة، والحكومة، وأن تُهمَل سائر الموضوعات الحيوية لعلاقة المواطن بدولته. الإدارة هي صلة الوصل الوحيدة فعليّاً بين المواطن ودولته. المواطن القابع اليوم في واحدة من الإدارت العامة ينتظر معاملة براءة ذمة أو تسجيل ملكية أو في القضاء لاسترجاع حقّ مسلوب منه، هذا المواطن يرى في الإدارة بسبب معاملته تلك ما هو بالتأكيد أهمُّ ممّا يراه من رئاسة الجمهورية على أهميّتها ومع تأكيدنا على ضرورة قيام النواب بأبسط واجباتهم في انتخابات الرئيس وتحرير السلطة من احتلالهم المقنَّع لها بالتمديد والتعطيل.
لكن، هل الرسالة توجّه إلى السياسيين فقط، الذين يُطلب إليهم كفّ يدهم عن الإدارة كي لا نقول أن عليهم المباشرة دون مزيد من الإبطاء بتحقيق اللامركزية الإدارية التي وعدوا فيها الناس في اتفاق الطائف منذ نحو ربع قرن (لمن غَفَلَتْهُ السنين)؟ بل وقبل ذلك، تطوير تجربة "اللاحصرية" حيث المحافظة والقضاء...
هل غاب عن بالنا أنه مذذاك، أي من ربع قرن، قامت الحكومة الالكترونية في بلاد غربية وحتى في بلاد عربية أصبحت تعتمد الخدمات الالكترونية أي المعاملات الإدارية بواسطة الانترنت فيما لجان مجلسنا النيابي تناقش مشاريعَ قوانينٍ للتوقيع الالكتروني منذ 15 سنة دون جدوى ولا تقارب موضوع الحكومة الالكترونية.


هل تظاهرنا يوماً في مناطقنا للمطالبة بإيصال الخدمات اللامركزية أو الالكترونية وضَغَطْنا في هذا الاتجاه – أو طالبنا، على الأقل، بتعزيز خدمة البريد –نعم البريد- وتعزيز الاعتماد عليه في جميع المعاملات الإدارية كسبيل لتسريع المعاملات ومنع الاحتكاك بين المواطن وموظّف الدولة non face to face transactions تمهيداً لضرب الرشوة- بمقدار ما نتظاهر لمطالب أخرى غير واقعية وغير هادفة وبمقدار تهافُتنا لانتخاب أقاربنا والمحاسيب في الانتخابات البلدية كي لا نذكر الانتخابات الاختيارية هي الأخرى؟


إذا كانت حريّة الاختيار متعذّرة في الانتخابات النيابية، فهل هي كذلك في البلدية والمخترة؟! لماذا لا نوصل خيرة شبابنا من المهندسين والتقنيين والخبراء البيئيين وسواهم من القطاعيين – بدل الإقطاعيين- كي ينهضوا بالمجالس البلدية، لكانت البلديات تنجح في معالجة أزمة النفايات التي هي، بالمناسبة، مسؤولية البلديات حسب قانون البلديات. ولا يبدّد المسؤولية قولٌ محقّ أن ثمّة أموالاً محتجزة للبلديات.
إن تطوير الإدارة العامة والإدارة البلدية مرتبط بأعزّ وأبقى ما عندنا ليس أقلّه الصحة والبيئة. فلنتحرّك، لا تحجب تحركنا أي "أولوية" ولا نرجئه أو نستهين.

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard