إحمل كاميرتك وانقل الخوف إليهم

23 حزيران 2020 | 18:53

"يقولون إن ثقافة الصورة عند العرب أعلى مرتبة من (الظاهرة الصوتية)". (صورة من حرب تموز 2006- أرشيفية).

إسم "قيصر" دخل بيوتنا من دون استئذان وصار واحداً منا. أحببناه دون أن يكون لنا معه صلة أو معرفة سابقة، والسبب يعود إلى "الكاميرا" التي التقط بها 55 ألف صورة لجرائم ارتكبها النظام السوري لمعتقلين أُودعوا في السجون.

الكونغرس الأميركي أعاد الاعتبار للإسم وللشخصية تقديراً لأعماله التي أقدم عليها وفضح فيها خطايا حاكمٍ تمادى في الظلم، نتمنى أن تمتد لآخرين.

شيء آخر يشبه "قيصر" حدث في لندن، فالإنكليز أصدروا ما بات يُعرف بـ "مدونة مراد"، وهي قاعدة للسلوك لمواجة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، استُمدت التسمية من إسم "ناديا مراد"، فتاة أيزيدية عراقية تعرضت لأفعال وحشية على يد تنظيم داعش.

عدسة قيصر أضاءت على الظلمة وقدّمت دروساً وحوافز تدفع أي موطن عربي لعدم الخوف من توثيق أو تصوير حالات فيها انتهاك لحرمة الإنسان وكرامته وحقوقه.

كأن قيصر يريد أن يقول لنا، لا تخافوا من المستبدين، بل انقلوا هذا الخوف إليهم، المهم ألّا يتم السكوت عن الظلم والفساد.

هذا جانب من المشهد الذي بات يعج بحالات من البؤس تحتاج إلى عشرات من "القيصريين" ..

قول جميل للقائل إن الصورة أقوى من الكلمة أحياناً، فالحروب والثورات التي شهدها العالم على مدى قرون غالباً ما تبقي صورة أو أكثر في الذاكرة كي تشير إلى البلد الذي ترمز إليه.

والتوثيق هنا بمعناه التسجيلي لم يعطِ الصورة حقها، في حين أنها "أصدق إنباءً من الكتب".

قد يتكرر قيصر في مكان آخر، وقد يخرج من أماكن محظورة وغير متوقعة، وهذا ليس بموضوعنا، بل يدور الموضوع حول أهمية الصورة المرتبطة بالحدث وبثقافة المجتمع.

أمامي مجموعة أعداد خاصة صدرت بعد عام من أحداث 11 أيلول 2001، لم يشدني الكلام بل ذهبت عيناي إلى الصورة التي رسمت المشهد جيداً وصارت جزءاً من الواقعة، بحيث بات من الصعب أن تخرج الصورة من الذاكرة، فهذه اللقطة تدل على فاعلها والمكان بكل ما فيه من دمار ودخان، والمعني هو مركز برج التجارة العالمي وهو يهوي إلى الأرض.

إغتيال الرئيس الأميركي جون كنيدي "نوفمبر/تشرين الثاني 1963" وهو في سيارته الرئاسية المكشوفة وإلى جانبه زوجته السيدة جاكلين، لحظة إطلاق الرصاص عليه من قبل أوزوالد، ذلك الرجل الذي حجز مكاناً له في أرشيف الاغتيالات.

سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد صورةٌ تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث من الصعب أن تتبدل أو تتغير، أصابته "عين الكاميرا" لحظة الوقوع على الأرض، ولحظة إخراجه من الحفرة.

الحرب الأميركية في فيتنام استمرت لسنوات إلى أن خرج الجيش من هناك منهزماً سنة 1975، ولكن بقيت صورة الطفلة العارية وهي تصرخ تحت دوي المدافع والقصف بعدما تعرضت لحروق في جسدها إثر إسقاط طائرة فيتنامية جنوبية قنابل نابالم حارقة على قريتها عام 1972، رصدها مصور وكالة الأسيوشيتدبرس، في صورة أثارت مشاعر العالم وكانت السبب في فوز ملتقطها "بجائزة بوليتزر" للصحافة عام 1973. كذلك "مذبحة ماي فاي" الشهيرة الدامغة والمؤثرة والتي تختصر سنوات المعارك ومجموعة من الضحايا وهم عراة على الارض مكدسين فوق بعضهم البعض، أو صورة طائرة الهليكوبتر الأميركية وهي ترفع آخر الجنود الأميركيين في اللحظة الأخيرة من ساحة المعركة في سايغون عام 1975.

لعل الحروب في لبنان والتي استهلكت سنوات العمر، وفي أكثر من محطة، بقيت مدار اجتهادات شخصية، ولم تعطِ للمصور اللبناني الحماية الكاملة التي أعطيت للمصور الغربي "بحرية التنقل" والحماية، ولذلك كان لكل جولة أو محطة صورة خاصة بها. والأحداث المتعاقبة التي شهدها لبنان منذ نيله الاستقلال عام 1943 "غنيّة" بما سجلته عدسات المصورين المحترفين والعاملين بالصحافة، إذ ذهب من جرائها شهداء أتذكر منهم عبدالرزاق السيد وخليل الدهيني والياس الجوهري، هؤلاء ماتوا بالقتل ورصاص الغدر.

وفي خضم تلك الحروب نتجت ما يسمى بتجارة العقار وتجار السياسة وتجار الصورة، لكنها لم تنتج أعمالاً كبرى توثق لتلك الأحداث من العنف بالصورة، والمعلومة الموثقة كما يجب. ظهرت بعض المبادرات الفردية لكنها بقيت محدودة، منهم من نجح بالفكرة وآخرون تاجروا بالصورة!

الحروب في لبنان لم تختزلها صورة واحدة، ولهذا تحتاج إلى عمل مؤسسي ضخم يتبنى المشروع ويظهره بإصدارات وأعمال متكاملة تروي فيها الأحداث بحيث ندع الصورة هي التي تتكلم كما حصل في كتاب "لبنان... القرن في صور" على سبيل المثال.

هناك مشهد مؤثر لا ينسى يوم واجه الأستاذ غسان تويني اغتيال نجله جبران ديسمبر/كانون الاول 2005 بدعوتة إلى التعالي عن الأحقاد والسعي إلى التسامح. كان الكل مذهولاً من وقفة هذا الرجل العملاق، وصورته وهو داخل الكنيسة وخلال مراسم التأبين.

تلك الصورة كانت أشبه بلوحة رسمتها ملامح وجهه الذي فاض بالرقي والتسامي بعدما كتب مانشيت الصفحة الأولى: "جبران تويني لم يمت و"النهار" مستمرة".

يقولون إن ثقافة الصورة عند العرب أعلى مرتبة من "الظاهرة الصوتية" بما هي جزء من التراث الذي تم تمجيده وناموا على ذكراه دون أن يجددوا بهذه الثقافة ويخرجوا من الدائرة التي رسموها لأنفسهم بصورة فكرية تتعدى السفسطة الكلامية.

نحتاج إلى أرشفة الصورة كجزء من التاريخ غير مجتزأة أو مشوشة، حتى ولو كانت باللونين الأبيض والأسود، المهم أن تراها العين ولا تفارقها.

hamzaolayan@icloud.com

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard