مع المفتي أحمد قبلان إذا استقال من موقعه

25 نوار 2020 | 10:16

المصدر: "النهار"

الشيخ أحمد قبلان.

غريبة الردود على المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، من وجوه المارونية السياسية تحديدا، التي لا تزال تتمسك بالماضي، وتعيش فيه، ولم تتحضر للقفز الى المستقبل، ولو انه مجهول، لأن العيش بين جدران الماضي، واوهامه، لم يعد جائزاً، والتمسك به جريمة بحق المستقبل، والاجيال الجديدة التي لم يعد البلد يحاكي احلامها ويلبي طموحاتها. باختصار ان البقاء في الماضي يقود ايضا الى المجهول.

ولعلّ البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي سبق الجميع بدعوته الى ميثاق اجتماعي جديد، لكن التطورات من جهة، وافتقاده المشروع الواضح من جهة ثانية، جعلا الفكرة تدفن في مهدها، رغم كونها قفزة نوعية تنطلق من حاجة حقيقية وليس من ترف فكري.

في مضمون كلام المفتي قبلان حقائق كثيرة لم يجرؤ كثيرون على التطرق اليها بهذه اللغة المباشرة والواضحة. لكنه ايضا يفتقد الرؤية المستقبلية، والمشروع، ويطلق شعارات ليس اكثر. اضافة الى ذلك تحدث المفتي الجعفري الممتاز، متنكرا للتاريخ الذي اوجد البلد بكيانه الحالي. وبدل ان يتنكر للماضي، وللنظام الذي يعيش في كنفه، ويستفيد منه كثيرا، كان الاجدى به ان يؤكد على ضرورة تطوير النظام في مئوية دولة لبنان الكبير، لان البناء لا يمكن ان ينطلق من الصفر، بل يبنى على الشيء. البناء عملية تراكم للخبرات وتصحيح الاخطاء ومحاولة عدم السقوط بها في الحاضر والمستقبل.

ولا يمكن ان يحدث ايضا هذا التنكر لشخصيات تاريخية مثل الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، لانه لم يظهر وطنيا بقدر ما كان يشتهي، ولم يخدم طائفته الشيعية كما يشتهي ممهداً لتسلمه لاحقا رئاسة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، تماما كما ورث الافتاء من والده الشيخ عبد الامير قبلان. فالتنكر للصيغة ولرجالاتها، يترجم النقمة الشيعية المستمرة، بدون سبب وجيه حاليا، على الثنائي الماروني السني الذي كان الاساس في عملية الاستقلال. علما ان الاستقلال شابته اخطاء كثيرة، ولم يكن نضالا حقيقيا كما الشعوب التي نالته بسفك الدم قربانا للاوطان. لكنه تحقق وكان يحتاج الى احتضان اكبر مما تحقق لقيام وطن حقيقي.

بالعودة الى رسالة المفتي قبلان، فهي حقيقية وصادقة وصادمة في الكثير من مضمونها، شرط نزع الخلفية الشخصية والطائفية من صاحبها، ومن قارئها ايضا. نص بعضه جميل يعبر عن معاناة اللبنانيين، رغم الاختلاف الكبير على بعض نقاطه، اذ هو رأي شخصي، وليس نصا متفقا عليه من مجموعات تفكير، او سينودسيا امعن فيه باحثوه درسا وتدقيقا قبل صدوره.

قال المفتي قبلان "أن أصل نشأة لبنان تم على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري، وهذه الصيغة قد انتهت، وما قام به بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن، بل أيضا مرحلة وانتهت. وعليه، نصر وبكل صرخة مدوية، أننا ولحماية البلد وكسر الوثنية السياسية، ولإنقاذ لبنان، وتأكيد العيش المشترك، والسلم الأهلي فيه، مطالبون بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة مواطن، دولة لا طائفية، دولة إنسان، دولة بقانون يلحظ المواطن بما هو مواطن، إلا ما خص شؤونه الشخصية، فكفانا ترقيعا بهذا البلد، لأن البلد سقط، سقط لأن دستوره فاسد، وآلية الحكم فيه فاسدة، وطائفيته فاسدة، ومشروعه السياسي فاسد، وتسوياته المختلفة فاسدة".

وتابع: كفانا احتكارا للدولة ومؤسساتها، كفانا استهتارا بناسنا وأهلنا وبلدنا، كفانا تمزيقا للطوائف، كفانا ضخا للحقد بخلفية مذهبية وطائفية، كفانا تمسكا بنظام سياسي بائد، كفانا نظاما سياسيا أفلس البلد... لذلك، وبالفم الملآن أقول: لا للطائف، لا لمزرعة الطوائف، لا لدولة الحصص، لا لنظام المحاصصة، لا لدولة تجويع المواطن والاستئثار بثرواته، لا لفيديراليات الطوائف والمتاريس، نعم لدولة القانون بما هو قانون، والمواطن بما هو مواطن، نعم للدولة كمؤسسة عادلة وقوية، بعيداً من عقلية ونزعة من يحكم، نعم لصيغة حكم، بعيداً من الطائفية السياسية والمزارع الاحتكارية".

الملاحظات الاساسية على كلام المفتي قبلان، اضافة الى ما ذكر تكمن في الاتي:

- في كلام قبلان دعوة الى دولة قانون ومساواة بين المواطنين الا في ما خص شؤونهم الشخصية. ماذا يعني ذلك؟ الابقاء على المحاكم الجعفرية والروحية والمذهبية، اي المراوحة في التفريق المذهبي وعدم المساواة بين المواطنين. وفي هذا تناقض كلي وكبير.

- ان الاصلاح ليس خطابا شعبيا جريئا، بل هو عمل دؤوب، ينطلق من الذات اولا، ومن المحيط ثانيا، ليقدم صاحبه المثال الواضح. علما ان المفتي قبلان ورث الافتاء من والده الذي يشغل حاليا رئاسة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى. ما يعني انه افاد عمليا من دولة المزرعة والوراثة السياسية والعائلية، فالطائفة ليست ملكا متوارثا. ولا يمكن المفتي قبلان التصدي للفساد في الدولة من دون ان يقدم شخصياً على خطوة تعزز هذا التوجه، وأقلها الاستقالة من موقعه.

- ان اعتبار الدستور فاسداً عبارة في غير محلها، لان الدستور اللبناني شكل حالة متقدمة جداً، لكن لم يُعمل على تطويره بسبب تدخل رجال الدين والطوائف للمحافظة على امتيازاتها. وهذه حقيقة يجب ان تقال. فكيف للمؤسسات الطائفية، او بعضها، ان لا تسدد الضرائب، والرسوم الجمركية، وتعفى من رسوم الانتقال والبيع والشراء، ومن فواتير الكهرباء وغيرها، فتستفيد من قوانين ضغطت من أجل اصدارها بما يخالف الدستور ثم اتهام الدستور بالفساد.

- يذكر اللبنانيون جيداً، كيف أن خطأ ادارياً قبل سنوات قليلة حدد عطلة عيد الفطر ليومين، من دون لحظ اليومين الأولين للعيد، ادى الى دعوة الشيخ عبد الامير قبلان الموظفين الشيعة الى عدم التزام القوانين وعدم الذهاب الى العمل، في ما يشبه الانقلاب على الدولة. فكيف تقوم قائمة للدولة ومؤسساتها في مواجهة هذه التصرفات؟

هذا غيض من فيض الممارسات، التي لا تقتصر على الشيعة وحدهم، الكفيلة بعدم قيام الدولة وتفعيل المؤسسات، وجعل الدعوة التي أطلقها المفتي قبلان، صادقة وحقيقة وقابلة للنقاش.

أنا، وكثر غيري بالتأكيد، سنكون من المدافعين عن "رسالته" ونمضي معه في نضال حقيقي لصنع التغيير اذا استقال اليوم، وتخلى عن امتيازاته، وصار مواطنا مثلي ومثل غيري.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard