"بالقلب": "وجّ الصحّارة"

21 نوار 2020 | 22:18

المصدر: "النهار"

أبطال المسلسل.

يدخل القلب، مسلسل "بالقلب". رقيق، صادق، يُشبه الآلام الإنسانية من حولي وحولك. لا يحتاج إذناً للدخول إلى الأمسيات والمنازل، له مكانه منذ الحلقة الأولى. مسلسلات من هذا الصنف، نيّاتها طيّبة، لا تتكلّف ولا تتصنّع. تترك إحساساً بالصداقة مع الناس، والثقة المُتبادلة. عمل نشاهده بحُبّ، حضنه يتّسع للإنسان المُتعب.

الكتابة لطارق سويد، المُرهَف في العطاء. يمشي على الأرض، بين الناس، وفي داخل تخبّطاتهم النفسية. شخصيات تحاكي الواقع اللبناني الهشّ، حيث في القرى الهادئة، بشر يتقلّبون على الجمر، وفي المدن الصاخبة، آخرون يتقلّبون على الشوك. وهب الأعضاء، قضية نبيلة، حمَّلها المسلسل (إخراج جوليان معلوف، "أل بي سي آي"، "بي إن دراما") لممثل نبيل هو بديع أبو شقرا، فأدّى الدور بإحساس وأخلاق. القصص متشابكة، حب وخيبة وانكسار وانتصار. والجميع في مواقعهم، أبطال في الأدوار. العمل رسائل، من دون وعظ. ومساحات للتأمّل من دون غيوم سوداء. إنسانيّ أولاً وأخيراً.

سارة أبي كنعان، بواحد من أدوارها المفتوحة على فرص أكيدة. تتألّم وتتحمّل. تتلقّى العصي وتعدّها. ديانا شخصية ناضجة، حسّاسة، قوية برغم حجم التنهيدة. تقلّبها بين الطيبة والغرام، والانفعال وادّعاء التحلّي بوجه آخر، أخرج منها ممثلة أنيقة. الدور عاطفيّ، تائه في دوّامة. الحبّ أو الذنب؟ البقاء أو الهزيمة؟ الحياة في عيون الآخرين أو في عيونها؟ مؤدّية جيّدة، لكلّ هذا التناقض. توصل باهتمام مسائل متعلّقة بالخصوصية والفرادة الإنسانية وتفاوت التفاعُل وردّ الفعل. مكانها الصحّ وفرصتُها المناسبة.

يدخل بديع أبو شقرا بدور جواد حياتها من الأبواب الخلفية. الحبّ هنا رهن الإحساس بردّ الجميل وإخفاء الحقيقة. يسمو بالقضية المطروحة (وهب الأعضاء) ويرتقي بالإنسانية في ملامحه ونيّاته وقلبه وأسلوب التفكير. كلّ مَن في المسلسل معرّضون لاختبار التحمُّل. فريال (الرائعة كارمن لبّس)، بالعطاء حتى اللحظة الأخيرة. وردة المسلسل وجرحه. المظلومة لأنّها الطيّبة. عظمة التضحية. والصلاة حين لا يبقى إلا الله. الشخصية ذات دلالات، واحتمال واحد: الخسارة. كارمن لبّس أدّتها بضميرها وعمقها.

مرّة أخرى، إنّها طباع البشر ووجهات نظرهم في حرب الحياة. مَن عاد ليمسح الذنب كجريس (غبريال يمّين بدور موجِع)، فآلم أكثر وحفر في الأعماق أكثر. ومَن أحبّ بصدق كفياض (محمد عقيل بدور نبيل، أدّاه بأمانة الرجل)، فوصل متأخراً، بعدما فاتت القطارات إلى غير رجعة. ومَن صدمهم أقرب الناس، وسدّدوا في وجوههم ضربات مؤلمة، كلارا (ستيفاني عطاالله المجتهدة، العفوية)، في علاقتها الأسرية ومع خطيبها (جان دكاش بدور روجيه، يمثّل بالنظرات، بالصمت، بشخصية خاصة)، وفي تعرّضها للعنف النفسي والصدمة الداخلية. جميعهم أمام علاقات مهزوزة، يحافظون عليها على حساب أنفسهم حيناً، أو يقضون عليها على حساب سعادتهم أحياناً. حتى ألين لحود وهي ترى الحبّ منفعة وأنانية، فتتفرّس وتتبشَّع لردّ اعتبارها، ودوري السمراني العاشق في الظرف الخطأ، المُقدِم على معركة بأسلحة لا تحسم جولات عاطفية.

المسلسل من الأفضل تقريباً في موسم الملل. "وجّ الصحّارة". ناسه مُحمَّلون بوسائل دفاع تسقط تلقائياً عند أول هزّة. سويد يعرف أنّ أي شخصيات ما عادت ترضي المُشاهد. سيكتشف فوراً زيفها وسطحيتها. لذلك، غمَّسها بخضّات الحياة وقدّمها على حقيقتها. "ركّز إحساسك بمحل"، تقول الأغنية. عذبة كالصدق تماماً، وحقيقية كقبلة جريحة. لم يمرّ أحد تقريباً مروراً مجانياً في المسلسل: جمال حمدان، نوال كامل، دارينا الجندي، حسان مراد. رباعي بين الصحّ والخطأ، المُبررات والعقاب. أدوارهم مسكونة بالوجع، كلٌّ على طريقته، فيأتي البعض بالخير والبعض الآخر بالبشاعة الإنسانية. غريتا عون في شخصية الزوجة المكسورة، حقيقة في الإقناع بأنّ الواقع أقسى أحياناً من الكرامات. أداء يُسجَّل. ألين شمعون وريان أبي رعد وزياد صليبا، مرّوا من دون ثقل. نجلاء هاشم قضية أخلاقية، وسمارة نهرا مسألة أخرى. بهجة المسلسل.

اقرأ أيضاً: كارمن لبّس وغبريال يمّين: خسارة لا تُعوَّض

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

من الآن فصاعداً، "نتفلكس" في لبنان مسموحة لفئة معينة فقط!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard