صلاح ستيتيّه ترجّل عن جواده... ورحل

20 نوار 2020 | 16:48

المصدر: "النهار"

صلاح ستيتية (تصوير ميشال صايغ).

طوى أمس الكبير صلاح ستيتيه (1929 -2020) آخر صفحة من دفتر حياته في العاصمة الفرنسية، مختتماً عصراً ذهبياً في كتابة الشعر بالفرنسية، والعمل في ميدان الديبلوماسية بمفهومها العريق جداً.

وصف الناقد باسم عبد الحميد حمودي شعر صلاح ستيتيه قائلاً: إن شعر صلاح ستيتيه يحمل براءة المنابع الأولى وروح الابتكار، ولكنه يحمل في طياته التي تتفتح للقارئ المتأمل طيّةً بعد أخرى مهد الحضارة الطويل، وتقضّ ذاتها وكآباتها مثلما تحمل إنجازاتها...".

طوى أمس صلاح ستيتيه صفحات مجد في الكتابة الفرنسية، ومسيرة طويلة الأمد في الديبلوماسية، كما كانت قائمة في الزمن الجميل. حاز ستيتيه على جائزة الصداقة العربية الفرنسية عن كتابه "حملة النار"، وجائزة ماكس جاكوب عن "تعاكس الشجرة والصمت"، وجائزة المفتاح الذهبي لمدينة ميديريفو في صربيا.

سجل ستيتيه علامة فارقة من خلال تربعه على عرش الفرنكوفونية مع كبار الشعراء في الغرب. فهو أحب الكلمة باللغة الفرنسية العريقة، كما الحال عند جورج شحادة وناديا تويني، كمنبر أساسي للدفاع عن قضايا محورية منها الأرض، الانتماء، وحب فلسطين...

تترسّخ في الذاكرة قصيدة "مطر على فلسطين"، التي أهداها إلى الشاعر محمود درويش قليلاً قبل موته، مسجلاً موقفاً لافتاً من شغفه لفلسطين وترابها المقدس. اختصر محمود درويش في القصيدة أنه "هو فلسطين". وقد ترجم القصيدة الفرنسية إلى العربية النائب مروان فارس، باطلاع مباشر من الشاعر صلاح ستيتيه:

مطر على مطر فوق فلسطين

مطر دون مطر من مطر من نار

إلى مريم العذراء كانت سيوف سبعة

وأكثر في قلوب اللواتي

لا ينمن أبداً في منازلهن الهزيلة

ولهن طرق الفقراء الرهيبين

فيضعون أذرعتهم على الابن الذي قضى.

مطر من مطر يمطر ليلاً

في امتلاء شمس هذا النهار الذي ضاع

حيث الحياة لم يعد لها الاسم الجميل للحياة

لم يعد يحتمل القلب، لم يعد ليحتمل

أن يرى الأطفال يبكون من تعاسة،

الولد المتمرغ، الفتاة بجدائلها.

بلد الزيتون هذا بلد المسيح

النخيل هنا علامته الضائعة

لقد غنّينا ولادته الأكيدة

هزال الولد الذي حُكم عليه

من القيصر القبيح هيرودوس القميء

للذي لم تغسل يداه أبداً

بالأردن أنهاراً.

إذا أردنا أن نتفحّص حياته، فلا بد من الإشارة إلى أنه شبّ على دراسة الحقوق في جامعة القديس يوسف، ودخل إلى جامعة السوربون، وعاش شغفاً كبيراً لكتابة الشعر، ولو دخل عالمَه وهو في الأربعينيات من عمره. وضع حجر أساس للثقافة الفرنكوفونية من خلال دور ريادي لعبه في تأسيس الملحق الثقافي الأدبي الصادر عن جريدة لوريان "لوريان ليترير"، والذي يواكب الحركة الثقافية الفرنكوفونية عموماً والكتّاب الفرنكوفونيين القادمين إلى معرض الكتاب الفرنكوفوني في لبنان.

عُرف بصداقاته مع كبار الشعراء الفرنسيين، بمقدمهم بيار جان جوف، اندريه بيار دومانديارغ، إيف بونفوا، اندريه دو بوشيه، رينيه شار وغيرهم. كما عرّب المترجم العراقي كاظم جهاد مختارات من شعره. بدوره، قام ستيتيه بترجمة قصائد لبدر شاكر السياب وأدونيس وجبران خليل جبران، إلى الفرنسية.

هذا الكبير، الذي رحل أمس، استطاع أن يسجل اسمه في القاموس الفرنسي العالمي "لاروس". في الديبلوماسية، شغل منصب مندوب لبنان الدائم لدى الأونيسكو، ثم سفيراً في المغرب، وأميناً عاماً لوزارة الخارجية ثم سفيراً في لاهاي...

المهم أن ستيتيه نجح في حياته أن يكون كونيّاً، وباتت كلمته نقطة عبور بين الحضارات، ونقطة تلاق بين الإسلام والمسيحية...


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard