الوافدون تحت رحمة كورونا

15 نوار 2020 | 19:16

أحد الوافدين عبر مطار بيروت (نبيل إسماعيل).

لا صوت يعلو فوق صوت الكورونا في الخليج العربي والذي كشف ملف الوافدين وأظهره على حقيقته وبكل ما يحمل من معاني ودلالات إجتماعية وإقتصادية.

ويبدو أن "المهاجرين" كما في أوروبا "والوافدين" كما في دول مجلس التعاون الخليجي، هم الحلقة الأضعف والأكثر تأثرا من مضاعفات الفيروس الشرس!

​ ومنذ اليوم الأول كان المجهر مسلطاً الضوء على هذه الكتلة من البشر بإعتبارهم يشكلون البيئة الخصبة لسرعة إنتشار الوباء.

ففي الكويت، تصحو على أخبار "التفنيشات" للعمالة الوافدة من القطاع الخاص وتنام على أخرى مثيلتها ببيانات وتعاميم ورسائل إما بالتسريح أو بالتوقف عن العمل وإما بتخفيض نصف الراتب أو خلافه. الحديث يطال 25 مليون وافد موزعين على ست دول في مجلس التعاون والذي يضم 51 مليون نسمة، والأرقام تتفاوت من دولة إلى أخرى، ففي قطر تشكل العمالة الوافدة 91% من إجمالي السكان وفي الإمارات 89% وفي الكويت 72% أما في البرين فتصل إلى 54%.

هذا يعني أن المنظومة الخليجية تشترك بهذا الهم الضاغط على دورة المال التي تترنح على سعر برميل للنفط يتراوح ما بين 12 و 14 دولاراً للبرميل، وهو بمقاييس الميزانيات يعكس أزمة حادة وشديدة الإنهيار، أين منها أزمة عام 2008 التي خرجت من أميركا وصدرتها إلى العالم، دون أن يحاسبها أحد أو يطلب القصاص منها كما تفعل اليوم مع الصين!

الملف الصعب تتقاذفه الأيدي هذه الأيام، والإتهامات تذهب يميناً وشمالاً، من عصابات الإتجار بالبشر إلى إهمال وتراخي بتطبيق القانون، والتستر على فئة المنتفعين والوسطاء والسماسرة.

هناك شبه إجماع على أن مرحلة ما بعد كورونا ستختلف كليا عما قبلها، والبحبوحة التي عاشتها هذه المجتمعات ستغادرنا قريباً على الأقل في الخمس سنوات القادمة.

الإتجاهات القائمة حالياً تذهب نحو إحلال المواطنين بدلاً من الوافدين في القطاعات الحكومية، ولا سيما مع تفاقم أزمة البطالة وآلاف الخرجيين الذي ينتظرون فرصتهم للعمل!

وفي موازاة ذلك تسمع عبارة ضرورة إصلاح الخلل في التركيبة السكانية والذي بات مطلباً ملحاً والصوت العالي في هذه الأيام وترجمته الدعوة للإستغناء عن "العمالة السائبة" و "الهامشية" والتي أدخلت البلاد عن طريق الوسطاء والسماسرة.

كشفت الأزمة "الكورونية" عن واقع مهين لمستوى المعيشة لكثير من الوافدين، وهو ما تراه في بعض العواصم، حيث توجد أحزمة من الفقر والتجمعات العمالية، يتكدسون في مناطق معزولة، تنعدم فيها أدنى درجات "الأمان الصحي" مناطق بأكملها، تجد فيها جاليات آسيوية ومصرية يأوون إليها للمبيت في ظروف أسوأ بكثير مما كانت عليه منطقة "الكرنتينا" في بيروت قبل عام 1975!

عمالة سائبة، أجور متدنية، بيوت لا تصلح للسكن، تماما كما هو الحال في منطقة "جليب الشيوخ" في الكويت والتي وضعت تحت الحجر الكامل منذ أسابيع. مشهد مأساوي تقابله صرخات مدوية من المسؤول عن هذا الوضع؟ ولماذا تركتم الوافدين لقله من المنتفعين والسماسرة! غرفة واحدة محشوة بعشرة إلى عشرين شخصاً، وهناك من يؤجر الغرفة على مجموعتين تتناوب على المبيت فيها!

كان من الطبيعي أن تتحمل الجاليات الآسيوية والمصرية العبء الأكبر من مرض كوفيد 19، فنسبة الإصابات هي الأعلى وكذلك الوفيات. وهو ما جعلهم تحت مرمى "النيران الصديقة" فحملات التشكيك والعنصرية أحيانا، طغت على ماعداها وتحوّلت الشتائم إلى مادة دسمة للتنابذ وزرع الكراهية.

إنتشرت المحاجر الصحية في أطراف المدن والأماكن البعيدة عن العواصم بعد أن جرى تجميعهم، وفي الغالب تحولوا إلى عاطلين عن العمل وهم بالأصل مخالفين لقانون الإقامة، وتربة خصبة لإنتشار الوباء! وحاضن مثالي للمرض!

كورونا وضَع معظم دول الخليج أمام إستحقاقات لن يكون بمقدوره أن يتغافل عن مفاعيلها، أولها "مشكلة الوافدين" وكيف السبيل إلى التخلص من "زوائدها" خاصة إذا ما وضعنا المعادلة الحسابية أمام أعيننا، أنه مقابل كل مواطن هناك وافد يخدمه أو يعمل لديه؟

في الكويت على سبيل المثال، وصل عدد السكان إلى 4,7 ملايين نسمة، 30% مواطنون و 70% من الوافدين، أي بواقع 3,3 ملايين بينهم 744 ألف من العمالة المنزلية. ​سيعود الكلام عن مدى إستمرارية دولة الرفاه والريعية وإلى أي حد سيتقبل المواطن الخليجي الإعتماد على نفسه دون الحاجة إلى الوافد

ولا شك في أن كتلة الوافدين تشكّل مصدر دخل بالعملة الصعبة لدولهم، فقد بلغت تحويلاتهم السنوية نحو 120 مليار دولار على مستوى دول مجلس التعاون سنوياً، وهو رقم ستطاله يدّ الترشيد والتخفيض وينزل إلى النصف تقريباً بحسب المؤشرات المتداولة بالرغم من كل ذلك لا تزال جودة الحياة في الخليج أفضل بكثير من حياة مجتمعات الدول المصدرة للعمالة، وبالتالي ستبقى الحاجة قائمة وتحت أسوأ الظروف ريثما تتغيّر المعادلة!

-كاتب صحافي لبناني في الكويت

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard