"أبعدُ من حدود الوجود" لمارلين سعاده: الشاعرة الطفلة لا تكبرُ ولا تَشيخ

28 شباط 2020 | 12:11

المصدر: "النهار"

غلاف الكتاب.

في ديوانها "أبعدُ من حدود الوجود"، وجدتُ أنّ "القلب" هو محورٌ أساسيٌّ تكرّرَ مفتاحًا-رمزًا موحيًا، مع "الصّدر" و"النَّبض"، أكثرَ من ثلاثينَ مرّةً، وهذه الظاهرةُ نلمحُها، في العادة، لدى الكُتّاب الباحثين عن جمال الدّاخل، وحقيقة الحياة، بإزاءِ تَهافت الخارج، وصناعة الموت: "أقفلنا نوافذَنا، وفتحنا لنا نوافذَ داخليّة على عوالمَ، لا تعرفُ عنها جدّتي شيئًا" (ص 73).

أخبرتنا بداءة، أنّ إيقاعَ حروفها نبضُ قلبها، أفي الحزن أم في الفرح (ص 9)، ثمّ اعترفت بأنَّ الحبَّ يُشعلُ إلهاماتِ قلبِها، ودارِها (ص 49)، وقد يحجبُ الضبابُ حضورَهُ لكنّه يبقى جنّةً للقلب (ص 45) ونبضًا (ص 44)، وسرًّا أو آهاتٍ تتجلّى بخمرٍ قُدْسيّة (ص 47)، ورَبطت بشكل عضويٍّ، حارٍّ، بين حياةِ الكلمات، ونارِ الحبِّ (ص 49)، فالنبض يوقظُ دَفْق النبض الوثّاب (ص 55)، وأكّدت طبيعةَ المعشوق، قالت: "تعالَ عانقني فليسَ سواكَ يا قلمي، يُزيلُ عن قلبي هذا العذاب" (ص 56)، وحثَّتِ العمرَ على البوح، لأنّه يعرفُ ما في القلب من أوجاع (ص 59) مُحَرّضةً إيّاه قائلة: "لِمَ لا تتكلّم؟" (ص 59) فالكلامُ تَعَرٍّ، وتحرُّر، وعِلاج، وتاج!

هذه التجربةُ هي مزيجٌ من كآبةٍ وجوديّةٍ وحُلمٍ نورانيّ، والذّات الشاعرةُ مُدركةٌ أنَّ القلبَ تُلهبُه، أحيانًا، رياحُ الأوهام (ص 65)، وَهْوَ يُعاني الجِراحَ نتيجة ظلمِ البشر (ص 16)، كما يؤلمُه الجليدُ في القلب الآخر (ص 20)، فيلجأُ إلى الحنين والذكريات، إلى وطنٍ من عطر (ص 25)، إلى الفرح بدلا من القساوة (ص 67). ونجحت وهي تُجاهدُ، في تفجير مخزوناتِ الطّفولة، كي تَجْبَه جَلّادي القلب، والعصر، فكشفتْ أنّها، أبدًا، طفلةٌ لا تكبَرُ ولا تَشيخ (ص 19)، وهويّةُ طفولتها تتطلّعُ الأحلام اللّامحدودة (ص 35)، خلف ستائر الأحلام، أبعدَ من حدود الوجود (ص 36). وفي ذلك، أنبأ كارل يونغ أنّ اللّاوعي ليس مجرّدَ وِعاءٍ للماضي، وذكرياتِه، لكنّه يحتضنُ، دائمًا، بذارًا تتفتّحُ في الأزمنة الآتية، وقد أسماها Idée à venir… Idées neuves et créatrices” ".

صحيحٌ أنّ نَفْسَها طفلةٌ تتسربلُ بالألم (ص 64)، كما وصفتْ حالها، لكنّهُ ألمٌ خلّاّق يواكبُ الطفولةَ الشّاعرة. فكما يخلق كلُّ طفلٍ عالمه باللعب، قال فرويد، هكذا يحاولُ الشاعرُ أن يُعيدَ تشكيلَ الوجودِ او الحياة، وفاقًا لنزعته التخييليّة، والإنسانيّة، والرّوحيّة.

لذلك فإنَّ الألم عنصرٌ مُهمٌّ في لُعبة الإبداع، خصوصًا عندما يتحوّلُ من “Jeu des enfants” إلى “Fantaisie des adultes” ، ومن “Douleur et malheur” إلى “Humour et Amour”. في هذا المناخ، نفهم أهمّيةَ فاعليّةِ الحلمِ بلقاءِ طيورِ الجنّة (ص 23)، والبحثِ عن أحلامٍ جديدة (ص 51).

فالأحلامُ التي تنتظرُ التحليقَ لا تُعيقُها المآسي (ص 55):

"نُبحرُ في فضاءاتٍ سحابُها ألوانٌ

بوسعِ أحلامنا، وشُفوفِ أمانينا

نَصيرُ نسيمًا يُداعبُ المروجَ، يَحصُدُ عطرَ الزنابق

يُسابقُ الطّيرَ، يَخطَفُ منه تغريدةَ عشقٍ تَبُثُّ الحياة" (ص 69-70).

لذلك، قالتِ الشاعرةُ لنفسها الطّفلة: "كوني سماءً ونورًا" (ص 64)، "في عالمٍ مجنون" (ص 56)، وفي مجتمع تحوَّلتْ حدائقُ الزنبق فيه إلى ساحاتٍ للمفاجآت (ص 72-73). وسطعَ في قلبها، وهجُ الأمل، ومنحها المزيدَ من العزمِ (ص 65) ليقظةِ الرّوح، وتوقها إلى الحريّة (ص 29-30).

الدعوة إلى التوقيع.

تجربة النّبي- المصطفى

هذا الصّراع لمسناه في تجربة "النبي" الجبراني الذي فتحَ أبوابَ قلبه قبل أن تفتحَ مارلين نوافذها، قال: "عندئذٍ انفتحت أبوابُ قلبه فانطلق منها سُرورُه انطلاقَ الطائر السّجينِ من سجنه، وراح يُحلّقُ عاليًا، وبعيدًا فوق البحر، فأغمضَ عينيه وصلّى" . وكان أرهق القلبَ بالحزن والوجع، والجوع والعطش (ص 14) لكنّه سرعان ما كلّمهم بقلبٍ ازدادَ غِنًى، وبشفتين أكثرَ طواعيةً للروح، فكانت قلوبهم تَنبضُ في قلبه (ص 95-96). وما برهنه جبران، حول حتميّة صوغِ ذاتٍ صُغرى على مثالِ الذات الكبرى، بالقلب العارف، وهي الذّات الربّانية (النبي ص 49) أو الإلهيّة (ص 51)، عاد باولو كويللو فكرَّرَهُ، قال:

“Dieu n’entrera jamais dans votre tête. La porte par laquelle il passe est votre Coeur” .

واستعان بالشّاعر John Keats (1795-1821) ليقول عن الشّعر:

“La poésie est toujours une surprise, capable de nous couper la respiration, à certains moments. Elle doit demeurer dans nos vies comme le coucher de soleil: miraculeux et naturel en même temps”.

الدّهشة والدفء

وأظنُّ أنَّ شعرَ مارلين سعاده لا يُشبُه شمسَ المغيب أو الغياب، لكنّ سحرَهُ يكمنُ في أنّه وهجٌ من فجرٍ أو دفءٌ في طلوع الصّبح... وحينَ تفتح عينيكَ على حديقته، تجدُ الأبيضَ، وينفحُك َ فضاؤه بأريج النقاء، ووسْطَ الأزاهير، والفراشات، والعطور، تلمحُ طفلةً تُرَدّدُ، وحولَها أنواعٌ من الطيورِ، تُحدّقُ صامتة: “Le royaume des cieux appartient aux enfants.”

فتردّد الطيور مع جبران: "لو كان لقلوبِكُم أن لا تَبرحَها الدَّهشةُ من عجائبِ الحياة لدُهِشتُم للألم دهشتَكم للفرح" (النّبي ص 64)، ومع مارلين:

"أتعلمُ كيفَ تولدُ الأحلام؟

كيفَ تُغْرَسُ وتُروى؟

ومدى ما تحتاجُ مِن عنايةٍ لتنمو؟

وَمِنَ دفءِ وحبِّ كي تُزْهِرَ وتُثْمِر؟

هل تَسَنّت لك رؤيتُها كيفَ تزهو بالألوان؟!

هلْ ذُقْتَ عُذوبةَ نكهتِها

تُمَتِّعُ قلبًا يتوق إلى الحلاوات؟!

كيفَ بدّدْتَ زهرَ بُستاني، وتركتَني

مع أحزاني، من أين تأتيني الأحلامُ الجديدة؟

وَمَن يَرُدُّ الشمسَ إلى صقيعي، والفينيقَ إلى رمادي

ودموعي؟" (ص51-52 بتصرّف)

الغلاف.

ارتباطٌ بالجذور

وبعد، قرأتُ هذا المقطعَ الشعريّ لـHeinrich Böll، من روايته Portait 8 أيار 1985، فهو يُشَدّد على حضورِ الأرواحِ من حولنا، فلا غياب للوجوه التي نحبُّها، الأب والأم والجدةّ والجدّ. كلُّهم ومن قبل، يسعون لسلامنا، كما نسعى لسلامهم، فلا تخافي، لأنّك محصّنة، وحرّاسك كُثر. ولا تنكشفي إلّا بخفر، كما رأيتُك تفعلين، ولا تتجاهلي الوزنَ المُنضبط، لأنّ التجنيسات، والأسجاع، والمقابلات والفواصل، لا تُغني عن بهاء النّظام، وجماله. وتيقّني أنّ المعاني لا تحتفل بنضجها إلّا في ظلّ الموسيقى السّاحرة. أولم يقل نيتشه إنّ الكلمات والصّور والميثات تحتاج إلى الموسيقى لتسمو معًا نحو ما سمّاه Signification métaphysique et plaisir suprême.

قال Böll لحفيدته:

“Nous venons de loin

Chère enfant

Et nous devons aller loin

Point d’angoisse

Tous sont auprès de toi

Ceux qui étaent avant toi

Ta mère, ton père

Et tous ceux qui étaient avant eux

Loin loin derrière

Tous sont auprès de toi

Point d’angoisse

Nous venons de loin

Et nous devons aller loin". 

ذكرت هذا المقطع لأشير إلى أصالتِك، ورقيّ ارتباطِك بأبيك (ص 14 موعِدٌ مع أبي)، وبأمِّك (حضنُ أُمّ ص 65-66)، وبجدّتِك (ص 71)، وبالكتابة رهانِك (رهان ص 40، أرجوحتي ص 18، ورقة وقلم ص 37، أعود إليك ص 55)، وبالبيتِ والأرضِ ودفئِهما (ص 69)، كما أشير إلى كآبتِك وشفوفِ مشاعرك بإزاء التحوّلات من براءة الحياة إلى تعقيدات المدنيّة، وسطوع الحضارة! ومن قيم الروح إلى تكنولوجيا الآلة والجسد والمدنيّة الوثنيّة!

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard