مواجهة الانهيار النقدي... ما العمل سريعاً؟

19 شباط 2020 | 21:51

المصدر: "النهار"

تصوير نبيل اسماعيل.

مما لا شك فيه وأصبح معروفاً لدى الجميع أن الاقتصاد اللبناني على مفترق طرق، فإما يحصل التغيير على الصعد السياسية والاقتصادية التي تحمل مشروعه انتفاضة 17 تشرين، وإما يتجه أكثر وأكثر إلى أزمة كبرى بدأت أشكالها النقدية بالظهور منذ أشهر عدة بعد سنين من الركود الاقتصادي الذي أنتجه النموذج الاقتصادي القديم. وعلى الرغم من أن استحقاق آذار من "الأوروبوندز" ليس التحدّي الوحيد الذي يواجه لبنان، إلا أنه في الأيام الأخيرة بات عنوان هذه الأزمة وظاهرها الأساسي.

 ففي طيّات هذا الاستحقاق، تكمن أوجه المعضلة الأساسية في الاقتصاد اللبناني الذي خضع لأكثر من 28 عامًا لمصالح الرأسمال المالي والريعي واستفاد من تراكم الدين العام كل هذه الفترة. الترويكا بين المصارف ومصرف لبنان والدولة اللبنانية أمّنت للرأسمال المالي من مصارف وأفراد العوائد المرتفعة على سندات الدين والودائع.

اليوم، بعد أن أصبح الدين إلى الناتج يبلغ 150% وتباطأ تدفق رؤوس الأموال من الخارج وارتفعت خدمة الدين العام إلى حدود قياسية، أصبح "شحّ الدولار" سيّد الموقف، ووضعت القيود على التحويل والسحب والتحويلات إلى الخارج، وتناقصَ احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية، فأصبح دفع الاستحقاقات بالعملات الأجنبية أمرًا غير أوتوماتيكيًا. وأصبح خيار عدم الدفع واردًا بعد أن كان أمراً من المحرمات في لبنان. لكن خيار عدم الدفع ليس أمراً مستقلاً، أو يحدث لمرة واحدة فقط، بل يجب أن يكون من ضمن آلية متكاملة لاعادة هيكلة الدين أي خفضه إلى نسب مستدامة. هذا الخيار هو الوحيد المتاح اليوم من أجل وضع لبنان على سكة الإنقاذ الاقتصادية لكن تحول دونه المصالح الضيقة للرأسمال المالي المحلي والراسمال الأجنبي إذ منذ العام 2009 بدأ الرأسمال المالي العالمي يدخل إلى "لعبة الدين اللبناني" شارياً السندات اللبنانية. وفي الأشهر الاخيرة بأسعار متدنية من أجل تحقيق الأرباح العالية والسريعة عند الاستحقاقات والتي هي ثلاث في عام 2020 بدءا من آذار الاتي.

دور استعمال الدولار والمصارف في تعميق الأزمة

اليوم تساهم المصارف في تعميق الأزمة ليس فقط لأنها جزء من المنظومة السياسية-الاقتصادية واستطاعت أن تراكم الثروة لمدة 28 عاماً، بل لأنها أيضًا قامت بإجراءات زادت من تحميل الطبقات الوسطى والعاملة وزر الأزمة في تجلياتها النقدية المباشرة.

هذه التصرفات تتكوّن من التفرقة بين المودعين والقيود الاستنسابية. وفي الفترة الأخيرة بدأت المصارف بالقيام بعمليات بيع للأوروبوندز الى الخارج ورفض إعادة جدولة الديون الحكومية. وفي بيعها الأوروبوندز الى المستثمرين الخارجيين، برهنت على أنها لا تهتم الا لمصالحها الضيّقة بدلاً من النظر الى المصلحة الوطنية في هذا الظرف الدقيق. فالصناديق الاستثمارية الأجنبية قد تتحرك ضد لبنان في حال تمت إعادة هيكلة الدين العام كما فعل المستثمرون الملقبون بـ"أسماك القرش" أو "الصناديق الجشعة" في ابتزازهم للأرجنتين بعد أن قامت باعادة هيكلة دينها العام.

وهنا يجب التشديد على أن الشكل النقدي للأزمة ناتج أيضاً عن استعمال الدولار وكأنه "عملة محلية" في التبادل والاقراض وفي ميزانيات العملاء الاقتصاديين. هذا يفسّر "عطش" النموذج الاقتصادي للدولار كما تبيّن في باريس 2 و3 و"سيدر" والهندسات المالية، فالمصرف المركزي لا يمكنه طبع الدولار عند الحاجة كما تفعل البنوك المركزية في العالم، ذلك أننا تخلينا عن "السيادة النقدية". والآن نحن في خضم هذه الأزمة من "شح الدولار" وسعر الصرف المزدوج وشبح تراجع سعر الصرف الذي يهدد مداخيل وثروات الكثير من اللبنانيين.

ما العمل؟

من أجل مواجهة خطر الانهيار النقدي على لبنان أن يعالج ثلاثة أمور سريعًا:

أولاً، البدء باعادة هيكلة الدين العام فوراً وبدء التفاوض مع المصارف التجارية وحملة الدين الأجانب وذلك من أجل خفض جزء كبير منه على أن يقابل هذا الأمر في حالة المصارف التجارية اللبنانية، عملية خفض موازية لقيمة الودائع المرتفعة (قصة شعر) والتي يملكها حوالي واحد بالمائة من المودعين. بالاضافة الى ذلك، تحويل المصرف المركزي لسندات الخزينة اللبنانية الأوروبوندز التي يمتلكها إلى سندات ابدية من دون فائدة بطريقة تدرّجية.

ثانيًا، زيادة معدّلات الضريبة على الأرباح والريوع ووضع ضريبة على الثروة الصافية فوق المليون دولار بمعدل 2 بالمائة، وأـخيراً، زيادة الضريبة على التوريث الى 45% على الثروة المنتقلة فوق المليون دولار. إن هذا الاصلاح الضريبي سيتيح تحصيل واردات متراكمة للدولة في السنوات العشر المقبلة بما يقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.

ثالثاً، إعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني التي اهتزت بشكل كبير من أجل ضمان استمرار تدفقات اللبنانيين العاملين في الخارج وعودة الأموال المسحوبة إلى المصارف. وهذا لن يحدث اذا لم يتدخل مصرف لبنان بوضع قيود نظامية مؤقتة وواضحة على السحوبات وعلى التحويلات تطبق على الجميع بالتساوي ومن دون استثناء. ومن ثم إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوحيد سعر الصرف و"تليير" العقود وميزانيات العملاء الاقتصاديين، وذلك بعد أن يتم إبعاد شبح الدين العام وألحاجة إلى الدفع بالعملات الأجنبية وتخفيض قيمة الودائع الكبرى، ما يؤدي إلى استقرار في السوق النقدية.

إن البدء بتطبيق هذه الإجراءات سريعاً سيضمن وقف الانحدار السريع نحو تفاقم الأزمة، وسيعلن للشعب اللبناني أن هناك طريقاً للحل خارج إطار النموذج الاقتصادي القديم الذي آن أوان القائه جانباً وكسر المصالح المالية التي تدافع باستماتة عنه اليوم.



[1] غسان ديبة حاصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء وشهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة تكساس في أوستن. هو أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية. تشمل اهتماماته البحثية والتعليمية الاقتصاد السياسي والدورات الاقتصادية والذكاء الاصطناعي والرأسمالية. وقد ظهرت أبحاثه في عددٍ من المجلات منها Physica A ومجلة الاقتصاد الحسابي (Computational Economics) ومجلة الاقتصاد السياسي (Review of Political Economy)، ومجلة التنمية الدولية (Journal of International Development)، ومجلة العلاقات الصناعية (Journal of Industrial Relations)، والمجلة الدولية للقوى العاملة (International Journal of Manpower).

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard