هل أكّد مؤتمر ميونيخ مشكلة الغربيّين في "الانتصار معاً"؟

17 شباط 2020 | 16:35

المصدر: "النهار"

الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون متحدثاً في مؤتمر ميونيخ للأمن، 15 شباط 2020 - "أ ف ب"

انتهى مؤتمر ميونيخ للأمن أمس مع انقسام المراقبين حول قدرة الغرب على مواجهة تحدّيات حاليّة ومستقبليّة. لم تعد الخلافات العابرة للأطلسيّ حول عدد من المواضيع مسألة هامشيّة. لكنّها لا تقتصر على الخلافات بين بروكسيل وواشنطن بقيادة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. حتى مع افتراض وجود رئيس أميركيّ آخر، تعاني أوروبا من غياب النظرة الموحّدة أو المتجانسة حول السياسات الخارجيّة. "بريكست" هو مجرّد عنصر آخر من عناصر تضعضع المشروع الأوروبّيّ والتي برزت بشكل تدريجيّ منذ عقود. 

ماكرون والنظرة إلى روسيا

الانتقادات التي تطال ترامب حول علاقته الإيجابيّة بالروس كثيرة. لكنّ الأوروبّيّين لا ينتهجون سياسة مناقضة. الانفتاح الألمانيّ والفرنسيّ على روسيا بات علنيّاً. حتى أنّه أكبر من "الانفتاح" الأميركيّ، إذا ما صحّ التعبير. في الولايات المتّحدة على الأقلّ، يواجه ترامب بعض القيود من إدارته ومن الكونغرس في وجهة نظره المؤيّدة لتحسين العلاقات مع الكرملين. في فرنسا وألمانيا، يُتّخذ قرار تحسين الروابط مع الروس مباشرة من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشارة أنجيلا ميركل حتى ولو كانا يعتبرانها خطراً على القيم الغربيّة. وما قاله الرئيس الفرنسيّ في المؤتمر لم يترك مجالاً للشكّ في نيّته تأسيس قرار أوروبّيّ مستقلّ عن القرار الأميركيّ.

"نحتاج إلى بعض من حرّيّة الحركة في أوروبا. نحتاج إلى تطوير استراتيجيّتنا الخاصّة. لا نملك الظروف الجغرافيّة نفسها (كما تفعل الولايات المتّحدة)، الأفكار نفسها حول التوازن الاجتماعيّ، حول الرفاه الاجتماعيّ. هنالك مُثل يجب أن ندافع عنها. سياسة الشرق الأوسط: هذه موضوع أوروبّيّ، ليست موضوعاً عابراً للأطلسيّ، والأمر نفسه ينطبق على روسيا – نحتاج إلى سياسة أوروبّيّة، لا سياسة عابرة للأطلسيّ وحسب."

وقال في المؤتمر نفسه إنّ "العقوبات لم تغيّر شيئاً على الإطلاق في روسيا – أنا لا أقترح رفعها على الإطلاق، أنا أذكر هذا فقط." لكنّ ماكرون غالباً ما كرّر كلاماً مشابهاً، بحيث جعل من تطبيع العلاقات مع روسيا أكثر من مجرّد مقترح. خلال زيارة إلى بولونيا هذا الشهر، رأى ماكرون أنّه كان "خطأ كبيراً في إبعاد أنفسنا عن جزء من أوروبا (روسيا) لا نشعر معه بالراحة". كذلك، تحدّث ماكرون في أوقات مختلفة عن أنّ روسيا لم تكن لتنفتح على الصين بسبب العلاقات السيّئة مع أوروبا وفرضها عقوبات عليها بعد ضمّ القرم.

بومبيو يردّ

لكنّ نظرة ماكرون إلى سياسات روسيا الخارجيّة لا تأخذ بالاعتبار عدداً من النقاط الإشكاليّة. فالشراكة الروسيّة مع الصين تفرضها القوّة الاقتصاديّة لبيجينغ (الشريك التجاريّ الأوّل لموسكو) وموقعها الجغرافيّ بغضّ النظر عن العقوبات الأوروبّيّة. من ناحية ثانية، ليس الاتّحاد الأوروبّيّ ككلّ فكرة مستساغة في السايكولوجيا الروسيّة التي ترى الاتّحاد، مثل "حلف شمال الأطلسيّ"، خطراً على حدودها الغربيّة.

في آب 2019، قال ماكرون لنظيره الروسيّ فلاديمير بوتين إنّه يؤمن بامتداد أوروبا من مدينة لشبونة البرتغاليّة إلى فلاديفوستوك في أقصى شرق روسيا. لكن في أوروبا كهذه، سينكسر التوازن لصالح بروكسيل بشكل كلّيّ من حيث عدد السكّان والثروات. صحيح أنّ روسيا استطاعت تسجيل انتصارات عسكريّة في الميدان الأوروبّيّ ضدّ هتلر وبونابارت، لكنّ الحاجات الآتية من الغرب قد تؤدّي دورها في تعزيز الشكوك الروسيّة إزاء المشروع الأوروبّيّ.

بالمقابل، وافق ماكرون على ما قاله الرئيس الألمانيّ فرانك فالتر شتاينماير الذي اتّهم الجمعة روسيا والصين والولايات المتّحدة بجعل العالم أخطر. وقال شتاينماير إنّ سياسة جعل أميركا "عظيمة ثانية" تأتي على حساب الجيران والشركاء. وضعُ الألمان الأميركيّين على المستوى نفسه للصينيّين والروس ليس مقارنة عابرة داخل الحلف العابر للأطلسيّ.

ردّ وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو بطريقة ضمنيّة على كلام شتاينماير وماكرون قائلاً: "أنا سعيد بأن أبلغ أنّ موت التحالف العابر للأطلسيّ مبالغ به بشدّة. الغرب ينتصر، ونحن ننتصر معاً." وكان الرئيس الفرنسيّ قد وصف "الناتو" في تشرين الثاني الماضي بأنّه "في حالة موت دماغيّ".

هل أقنع؟

لم يقنع كلام بومبيو أحد المسؤولين الأوروبّيّين البارزين الذي قال لصحيفة "واشنطن بوست" إنّه "أعاد تعزيز المخاوف التي رفعها شتاينماير". وأضاف بشرط عدم الكشف عن اسمه: "أعتقد أنّني سمعت كلمات ‘نحن ندافع عن السيادة‘ 13 مرّة، وأنت تتساءل ماذا يعني ذلك". ويرى بعض الأوروبّيّين كلمة سيادة على أنّه هجوم ضمنيّ ضدّ المؤسّسات الأوروبّيّة ومن بينها الاتّحاد نفسه.

وتحدّث بومبيو عن "خلافات تكتيّة" بين الولايات المتّحدة وحلفائها إزاء الصين وروسيا وإيران، مشيراً إلى أنّها لا تقوّض وحدة الرؤية بين الحلفاء حول هذه الملفّات. لكنّه في الوقت نفسه، عارض مشروع "نورد ستريم 2" الذي ينقل الغاز الروسيّ إلى ألمانيا والذي فرضت الإدارة الأميركيّة عقوبات عليه. وهذا المشروع نفسه يظهر أنّ الخلافات بين الولايات المتّحدة وألمانيا ليست على الأرجح مجرّد خلافات "تكتيّة". علاوة على ذلك، أظهر ماكرون أنّه "لا يمكننا أن نكون الشريك الأصغر للولايات المتّحدة"، وهو مؤشّر إلى وجود خلافات في آليّة القيادة بين الحليفين، على الرغم من أنّه طمأن الأميركيّين والأوروبّيّين إلى أنّه يدعم حلف شمال الأطلسيّ.

خلافات حتى داخل حزب ميركل

إلى جانب الخلافات الأميركيّة-الأوروبّيّة، ثمّة خلافات بين الأوروبّيّين أنفسهم وخصوصاً بين ألمانيا وفرنسا حول دور الاتّحاد الأوروبّيّ. طالب ماكرون خلال كلمته الشهيرة في جامعة "السوربون" في أيلول 2017، بإنشاء "مبادرة التدخّل الأوروبّيّة" لكنّها لم تتحقّق بفعل تلكّؤ ألمانيّ بقبولها. كذلك، لم تكن فرنسا متحمّسة لمشروع "التعاون المنظّم الدائم" الذي أنشئ في كانون الأوّل 2017 بالرغم من توقيعها عليه.

حتى أنّ أحد المحافظين في حزب ميركل "الاتّحاد الديموقراطيّ المسيحيّ" أرمين لاشيت انتقد تأخّر برلين في الردّ على المقترح الفرنسيّ. كلام لاشيت، المرشّح الأوفر حظّاً لخلافة ميركل، جاء أيضاً خلال مؤتمر ميونيخ.

أمّا الرئيس الفرنسيّ فقال إنّه ليس "محبطاً" من تأخّر استجابة ألمانيا لـ"المبادرة" مستذكراً "مقاربات ومقترحات عدّة تقدّم بها الألمان منذ سنوات أو عقود خلت منتظرة أجوبة فرنسيّة. لدينا قصّة مقترحات تنتظر أجوبة."

وشكّلت قضيّة تعاون فرنسا وبريطانيا مع شركة "هواوي" مصدر توتّر آخر بين واشنطن وباريس ولندن، بالرغم من أنّهما أعلنتا عن تشدّد في فرض القيود. ونقل السفير الأميركيّ في ألمانيا ريتشارد غرينيل عن ترامب تهديده بأنّه سيوقف تبادل المعلومات الاستخباريّة مع الدول الحليفة التي تتعامل مع شركة الاتّصالات الصينيّة.


"التلويح بالإصبع"

لم يستسغ الأوروبّيّون طريقة التعاطي الأميركيّ معهم في هذا الملفّ. الخطوة الأولى ستكون في تخفيف الأميركيّين خطاب "معنا أو ضدّنا" بحسب ما قاله الخبير في الشؤون الصينيّة في "حزب الخضر" الألمانيّ رينهارد بوتيكوفر لمجلّة "فورين بوليسي". وأضاف أنّ المسؤولين في واشنطن يتحدّثون وكأنّ الأوروبّيّين لم "يستوعبوا" الموضوع، مؤكّداً أنّه "كلّما لوّحوا (الأميركيّون) بإصبعهم، أصغى الأوروبّيّون بشكل أقلّ."

لكنّ الأوروبّيّين لا يملكون رؤية موحّدة للتعامل مع الصين. وإذا كان التلكّؤ الأوروبّيّ والألمانيّ في تطوير سياسة عسكريّة مستقلّة قد أزعج ماكرون، فقد سبق لواشنطن أن انزعجت من تلكّؤ مشابه في ما خصّ رفع الإنفاق الدفاعيّ إلى 2% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ أن أزعج الأميركيّين أيضاً. ألمانيا لن تصل إلى هذا الرقم قبل سنة 2013.

النائب الجمهوريّ مايك تورنر أعرب عن امتعاضه بطريقة فكاهيّة: "جون أف كينيدي قطع عهداً بالذهاب إلى القمر في نصف هذه المدّة."

صديقي السرطان، هزمتك ٤ مرات وأنجبت ٥ أطفال



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard