رواية "قهوة حبشي" سردٌ حكواتي للظالم والمظلوم

1 شباط 2020 | 19:08

رواية "قهوة حبشي".

في مجسّمٍ مطويٍّ بتقاطيعه الدقيقة يتوسّعُ وينشقّ صدره عن مفاجآت عدة، من خلال حبكةٍ تصاعدية تتدرّج كالهضاب التي تتنازعُ في جيولوجيتها الأدبية والفنيّة، تطرحُ شخصيات الكاتب المصري كمال رحيم في روايته "قهوة حبشي"، الصادرة حديثاً عن دار العين للنشر في القاهرة لهذا العام. نفَسها بأسلوبٍ شعبّيٍ يئمُّ قبلة التاريخ بعزمٍ واحتواءٍ للتقاليد القديمة وللذكريات الخالدة.

"قهوة حبشي" هي نقطةُ اللقاء والالتقاء بشتّى أنواع الناس في الريف المصري الذي يعصّب رأسه بحكايا أهله البسطاء، ويسهب بالتقاط أدق تفاصيل حياتهم. والبطل الحقيقي هو "حبشي" صاحب المقهى، و"ضاحي" المساعد له.

يؤدّي "ضاحي" دوراً مثاليّاً في الرواية، فهو الإنسان البسيط الذي يمّم وجهه شطر الفقر برضى منه، قانعاً بما أوتي من بساطةٍ وبؤس، تحيقه محبّة أهل القرية الذين يشيدون به أينما حلّ، فلا يفوته واجب العزاء ولا زيارة المقابر وحضور الأفراح، والإنصات لتلاوة المشايخ للقرآن الكريم، ذارفاً دموع التأثر والخشوع وعطر المحبة المتدفقة من أعماق قلبه، بإيمانٍ قروي بدائي.

وفي هذا يصفه الكاتب قائلاً: "هذه هي أحواله منذ أن رأيناه، لا علاقة له بفرح أو سرور، بل ويتحاشى الأماكن التي تُعقد فيها، غير أن للضرورة أحكاماً، فقد كانوا يستدعونه كلما جاء جهاز بنت من البنات، البنات الغلابة اللائي يأتي جهازهن على عربات الكارو أو فوق الجِمال، وليس بنات الأكابر اللائي يفرشن بيوتهن من مصر أو دمياط"، وبهذه الصورة الذهنية يتعامل أهل القرية مع "ضاحي"؛ رجل فقير ونبيل".

ثم ينتقل الرواي لشخصية حبشي صاحب المقهى المتسلّط الذي يمثّل السلطة والإنتهازية والحكم المبرم من غير تبرير، ثمّ يتهدّل الحزن في صميم إحساسه ليفجعه في حياته العائلية، فيتوارى عن الأنظار معمّماً بأذيال الخيبة والقهر، مفضّلاً التقوقع الشخصي على آلامه المستعرة.

وفي عزِّ التأزم الداخلي للعقدة، يلوح "ضاحي" كمخلّصٍ للمعلم حبشي من عزلته وفجيعته، فيتخّذ صفة الشهم الملحّ في تآزره، ملهماً إيّاه لطريق العدالة التي يفتقدها، فيستعرض الكاتب خفايا الريف وما يتغلغل في ثنايا بيوته من أسرارٍ مستترة، وعيونٍ مرتقبة، مفصّلاً تقاليدها الحازمة التي وُجدت منذ الأزل، وجنوحها للثرثرة، وتناول أعراض الناس بلا اكتراث وتعقّبٍ للخاطئين لجلدهم حدّ القتل.

وقد لعبت "قهوة حبشي" دور المكان والزمان والتاريخ المبهرج بزيف الأقنعة وترجمة دواخل البشر فيها، تغرف من قيعان الخبايا في قريةٍ تلاعب بها الشرّ وتخلّلها الشك وتنازع فيها الطمع.

يعزف الكاتب على المونولوج الذاتي للسرد، فيخبرنا الحكاية بلسانه وكأنّه كان من قاطني هذه القرية وبات شاهداً حيّاً على النهاية، إذ تتوالى السنون لتتغيّر ملامح المقهى ويتبدّل اسمه لينتمي لصاحبه الجديد بعد أن رحل أبطالها، وتركوا حكاية ريفية تشهد على عمق الصراع الإنساني بين الضعيف والقوي والتمرّد والإنكسار، والثورة الحقيقية على محور الإنسانية المهمّشة التي طمسها الفقر والجهل والاستسلام والخنوع، الذي تكرّر حتى عصرنا هذا.

في الرواية تبدو الإشارات الخفية مثقلة بالإيماء للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، في الجشع الدامي والطمع الغرائزي الذي يثقل كاهل كلٍّ منهما، فلا الحاكم المتمثل بشخص حبشي وصل لمبتغاه في السيطرة المطلقة، ولا المحكوم الساكن في روح ضاحي وسائر أهل القرية الفقراء اعتراه شعور الرضى التام، فالشراهة المتمثلة في خواء الأرواح لا تتقهقر بتصاعد الحدث، ولا بتأزم العقدة وحتى بوجود الحل، والتساؤلات المبنيّة على اعتقاداتٍ راسخة بوجوب الإنتماء لضوء الغياب في وقتٍ من الأوقات.

دينامية النص لا تعتمد فقط على تجسيد الشخصيات وتحليل مآخذهم، ولكنها تتكئ على مذهبٍ معادٍ للواقع المزري الذي فرضه المجتمع بتقاليده وعاداته الحازمة، فاحتجب عنهم نور المعرفة ومسح كيانهم الجهل، في إيديولوجية متساوية مع ما اقترف بحقّهم الزمن على مدار التاريخ بسبب رضوخهم للواقع الذي فرضه عليهم الأقوى.

الرواية آهلة برموزٍ إنسانية حقيقية ينقصها التبلور الحقيقي للاندماج المطلق بالواقع المصري، ولكنّها تفي بالغرض المطلوب منها، وهي تصوير بعضٍ من معالم الإنسانية في قالبٍ دراماتيكي من السرد الحكواتي.

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard