سوريا والعراق وأفغانستان... نقدٌ لفكرة ملل الأميركيّين من الحروب الخارجيّة؟

18 تشرين الثاني 2019 | 08:54

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

ترامب خلال حملته الانتخابية، 13 نيسان 2016 - "أ ب"

حين استقبل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نظيره التركيّ رجب طيّب إردوغان في البيت الأبيض الأربعاء الماضي، كان موضوع التوغّل العسكريّ التركيّ في شمال شرق سوريا محور اجتماع الرئيسين. أعاد ترامب تبرير انسحاب قوّاته العسكريّة بالقول إنّ واشنطن نجحت بتدمير داعش، وأنّ بلاده لديها "الكثير من الحدود لتقلق بشأنها" بعد تشديده على أنّه لا يريد حماية الحدود التركيّة-السوريّة بل ضمان الحدود الأميركيّة الجنوبيّة. 

خالف معظم الجمهوريّين والديموقراطيّين الانسحاب المفاجئ كما الأسس التي استند إليها ترامب لتبريره. مع اقتراب الانتخابات الرئاسيّة، يريد ترامب إعطاء إشارة إلى جمهوره بأنّه يريد على تنفيذ وعوده السابقة ب "إنهاء الحروب التي لا تنتهي". يجادل مناهضو هذا التبرير أنّ الحرب على داعش لا تشبه أيّاً من حربي أفغانستان والعراق. فالأولى انتهت نظريّاً في خمس سنوات، مع أكلاف مادّيّة وبشريّة أقلّ بكثير وهي لا تقارن مع أكلاف تلك الحربين. فالحرب على داعش خاضتها "قوّات سوريا الديموقراطيّة" بشكل أساسيّ وقد حلّت مكان القوّات البرّيّة الأميركيّة. وفيما فقدت واشنطن أقلّ من عشرة جنود في شمال شرق سوريا، خسرت أكثر من 2350 جنديّاً في أفغانستان وأكثر من 4570 في العراق.

ابحثوا عن التأثير الفعليّ

تخيّم عبارة "الحروب التي لا تنتهي" على العديد من خطابات ترامب، باعتبارها مستنزِفاً كبيراً للموارد الأميركيّة وهاجساً يريد المواطنون التخلّص منه. لكنّ نظريّة مناهضة الأميركيّين للحروب الخارجيّة، تجد إعادة تقييم عبر دراسات وتقارير عدّة.

رأت مجلّة "إيكونوميست" البريطانيّة أنّ حربي أفغانستان والعراق لم تكلّفا "معظم الأميركيّين أيّ شيء". فنسبة 3.8% من الجنود السابقين عاطلون عن العمل وهو متناسب تقريباً مع نسبة البطالة التي يعاني منها سائر الأميركيّين. كذلك، إنّ عدد الجنود المصابين في تلك الحربين هو 53 ألفاً أي 2% فقط من إجمالي الذين شاركوا فيها. وحوالي نصف هؤلاء عانوا من جروح بسيطة وقد عادوا إلى أرض المعركة بعد 72 ساعة. تتابع المجلّة أنّه بعد عقدين من الحروب ضدّ عدوّ يعتمد بشكل كبير على زرع القنابل في الطرقات، سقط 2000 مصاب ممّن تتعرّضوا لبتر أعضائهم وهو رقم ضئيل بحسب تقديرها. وتقدّر وزارة الدفاع أنّ الأجهزة الطبّيّة المطوّرة والمخصّصة لوقف النزيف أنقذت حوالي 3000 حياة أي حوالي نصف الأميركيّين الذين قُتلوا في كلتا الحربين.

"كما يجذب العسل الدببة"

حين يقال إنّ الإدارات الأميركيّة تعلّمت من تجربة الحربين، ثمّة ما يؤشّر إلى أنّ الوقائع تخفّف من صحّة هذه المقولة. في كانون الثاني الماضي، أصدر الجيش الأميركيّ مجلّدين عن الحرب العراقيّة تضمّنا حوالي 30 ألف صفحة من وثائق منشورة حديثاً تلخّص فشل واشنطن في الاستعداد لتداعيات الاجتياح وإخفاقها في فهم السياسة والثقافة العراقيّة وإنكار تصاعد العنف الطائفيّ وغيرها من الأخطاء.

كتب مسؤول التخطيط السياسي في وزارة الخارجية خلال عهد أوباما جون فاينر في مجلّة "فورين أفّيرز" عن هذين المجلّدين وعن عدم قدرة واشنطن على الاستفادة تاريخيّاً من أخطائها، مشيراً الى أنّه عندما خسرت الولايات المتحدة حربها في فيتنام، سعت إلى تعويضها في حرب العراق. في كانون الأول 1990، كتب وزير الخارجيّة الأسبق ألكسندر هيغ مقالاً في "نيويورك تايمس" جاء فيه: "النزاعات الدوليّة تجذب مقارنات تاريخيّة كما يجذب العسل الدببة". وأضاف أن حرب فيتنام يجب ألّا تعلّم الأميركيّين الامتناع عن استخدام القوّة بل "إذا كانت أهدافنا عادلة وواضحة فيجب استخدامها بحزم". وعيّن ترامب مجموعة من الصقور في إدارته مما رفع احتمالات الحرب مع إيران الأكبر من العراق بأربع مرات من حيث المساحة والسكان. وجادل الكاتب بأنّه حتى لو تم التفكير بتوجيه ضربة محدودة لإيران، فليبيا تقدّم مثلاً عن كيفيّة ندهور الأمور سريعاً، مشدّداً ختاماً على أنّ عدم استقاء دروس حرب العراق يرجّح اندلاع نزاع خارجيّ آخر.

نقطتان مشتركتان

ثمّة نقطة مشتركة أولى بين دراسة فاينر ومقال "إيكونوميست". الحروب الأميركيّة الطويلة لا تترك آثارها على الأميركيّين بشكل متساوٍ مع مرور الزمن. أشار فاينر إلى أنّ استطلاعات الرأي أظهرت سنة 2008 أنّ 56% من الأميركيّين وجدوا أنّ حرب العراق كانت خاطئة. وفي 2018، انخفض الرقم إلى 48%. لكن لحرب فيتنام استثناؤها: بعد 17 سنة على اتفاق باريس (1973) الذي أنهى الحرب، ظلّ 74% من الأميركيّين يرون تلك الحرب على أنّها خطأ. وهذه نقطة ثانية مشتركة مع تحليل "إيكونوميست": لم يبدأ الأميركيّون بطلب محاسبة من شنّوا تلك الحرب إلّا بعدما شعروا بثقلها، على عكس حربي العراق وأفغانستان، ولهذا السبب، تستمرّ هاتان الحربان، بل إنّ ترامب "عانى" في أن يثير اهتمام ناخبيه بهما. وأضافت المجلّة أنّ أرقام المحاربين القدامى في العراق وأفغانستان تمثّل أقلّ بكثير من 1% من السكّان. كذلك، خسرت واشنطن في فيتنام عدد جنود يساوي ثمانية أضعاف ما خسرته في الحربين وفي أقلّ من نصف الوقت بينما كان سكّان الولايات المتّحدة يساوون ثلثي السكان الحاليّين.

بين إيران وسوريا

تفادى ترامب الانجرار إلى حرب مع إيران بعد إسقاط مسيّرة أميركيّة ومهاجمة "أرامكو" وأقال ترامب جون بولتون، أبرز متشدّدي الإدارة تجاه إيران. لكنّ متشدّدين كثراً لا زالوا في مناصب إداريّة مختلفة. بالتالي، قد لا يكون هنالك استعجال للحرب على إيران، لكنّ تفاديها مهما كلّف الأمر ليس سهلاً هو الآخر. تغفل النظرة العامّة إلى ملل الأميركيّين من الحروب زوايا أخرى أكثر تعقيداً إزاء مسألة صناعة القرار في واشنطن وكيفيّة تأثّرها بالرأي العام الأميركيّ.

في 23 تشرين الأوّل، وجد استطلاع رأي لمجلّة "بوليتيكو" وشركة "مورنينغ كونسالت" الإعلاميّة أنّ 37% من الناخبين الأميركيّين أيّدوا قرار الانسحاب من سوريا في مقابل معارضة 43%. وقال 20% أن لا رأي لديهم حول هذا الموضوع. على المستوى الحزبيّ، أيّد 20% من الديموقراطيّين القرار ورفضه 62%، بينما أيّد 61% من الجمهوريّين القرار وعارضه 22% وأيّد 30% من المستقلّين القرار مقابل رفض 43%.

إلى جانب كون هذه الأرقام تعني أنّ النظرة إلى الحرب تتأثّر كثيراً بالانتماء الحزبيّ، يبقى الأهمّ في استطلاع الرأي أنّ 65% من المستطلعين وافقوا على أنّ "الولايات المتّحدة تحتاج إلى الانخراط في النزاعات الأجنبيّة لدعم حلفائنا، محاربة الإرهاب والحفاظ على مصالحنا في السياسة الخارجيّة". تؤكّد هذه الأرقام ما جاء في المجلّة البريطانيّة بحيث أنّه كلّما انخفضت كلفة الحروب الخارجيّة أو شعور المواطنين المباشر بثقلها، انخفض الرفض الأميركيّ لها كما هي الحال مع سوريا. فهل تصبح الولايات المتّحدة أكثر استعداداً لشنّ الحروب في المستقبل القريب؟

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard