الاستمرار بالحراك حتى رحيل الفاسدين

19 تشرين الأول 2019 | 16:40

المصدر: "النهار"

الاستمرار بالحراك حتى رحيل الفاسدين (رينه معوّض).

إنطلقت الاحتجاجات الشعبية على اثر إعلان الحكومة عن توجهها لفرض ضرائب جديدة على المواطنين في ظل أجواء من التوتر والمخاوف المتزايدة من إستمرار الانهيار الاقتصادي. لم يكن الحراك العفوي، مفاجئا لانه تراكمٌ من الغضب والشعور بالمهانة. إلا أنه فاجأ الجميع بلامركزيته وبسرعة انتشاره ليطال كل المناطق في لبنان وخارجه وتنوع الجهات المشاركة فيه واستهدافه كافة الاطراف المشاركة في الحكم بلا استثناء. وقد فاق عدد المشاركين فيه مئات ألالوف. وهو على الرغم من هذا التنوع حافظ على وحدته ووحدة شعاراته ومواقفه ورفع راية موحدة هي العلم اللبناني وحده.

ما يميّز هذا الحراك هو مشاركة أطراف أساسية وعلى رأسها نادي القضاة وقد طالب باحترام إستقلالية القضاء كمدخل لمعالجة الفساد ومحاكمة الفاسدين. كما تميّز بغياب أطراف أساسية كالاتحاد العمالي العام والحركة النقابية ونقابات المهن الحرة كمؤسسات واقتصار مشاركتها على الأعضاء ولهذا دلالاته عن واقع هذه المؤسسات.

لقد أضاء الحراك على عمق المأزق الذي تعيشه أطراف السلطة بكل مكوناتها، فخلافاتهم على الأولويات وعلى الحصص خرجت عن السيطرة وقد جاء ذلك واضحاً في رسالتَيْ رئيس الحكومة الذي عبّر فيها عن إستيائه من امتناع الاطراف الشريكة تسهيل تنفيذ خطته ووزير الخارجية الذي أعلن عن خطته للحل من قصر بعبدا (كوليّ للعهد ربما). وما تأييد الحراك من قبل الكثير من الأطراف المكوّنة للسلطة إلا تعبيرٌ عن عمق هذا المأزق الذي يعيشه العهد وسلطته. لقد فشلت أحزاب العهد بإدارة مقدرات السلطة ولم يعد أمامهم إلا خيار المغاردة.

ظاهر الأزمة إقتصادي ولكن أساسها سياسي، ولا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي ومالي من دون معالجة الخلل البنيوي في النظام السياسي الذي يقوم على المحاصصة الطائفية. وقد تبين منذ اتفاق الطائف أن كلفة هذه المحاصصة باتت مرتفعة على المجتمع وعلى الدولة ولم يعد الاستمرار بها ممكناً من غير الانتقال الى الدولة المدنية. والاصلاح السياسي والاقتصادي غير ممكن في ظل وجود المسؤولين الشركاء في نظام المحاصصة لانهم سيتمسكون بامتيازاتهم ومصالحهم المهددة ولن يتخلوا عنها بسهولة وسيتحصنون بطوائفهم ويفرّقون الشعب على أساس مذهبي كما فعلوا دائما ليضمنوا إستمرارهم بالسلطة. وقد تبيّن ذلك في ردود فعلهم وفي الرسائل التي وجهوها الى الشعب مباشرة أو من خلال محازبيهم.


يحمي النظام الطائفي الفاسدين ويضمن المحاصصة على حساب تعزيز المواطنية وتحقيق التنمية وتفعيل المشاركة وهو وراء ترهّل الادارة العامة المثقلة بالمحسوبيات والزبائنية وقد أصبحت عبئا على الاقتصاد الوطني وعلى المجتمع بدل ان تكون العامل المساعد في دعمه وتوفير كافة حقوقه وتقوم بخدمته.

لذلك فان المدخل السليم للمعالجة الجدية على المدى الطويل لن يكون الا بإلغاء نظام المحاصصة الطائفية وقيام الدولة المدنية، دولة الحق والقانون وفصل السلطات وتعزيز استقلالية القضاء والاعتماد على الكفاءة وتعزيز الشفافية وآليات الرقابة والمساءلة والمحاسبة. هذا يتطلب تشكيل حكومة "تكنوقراط إنتقالية وإعلان صريح من قبل كافة القوى السياسية ذات المصالح المباشرة بنظام المحاصصة والزبائنية (الاقطاعي والطائفي) التراجع العلني وقيام العهد بدعم هذه الحكومة. وهذا يتطلب أيضا إيجاد آليات تشاركية مع المجتمع المدني والخبراء المستقلين والنقابات العمالية والمهنية المستقلة لمنع تفرّد النواب والوزراء بالقرار في الفترة الانتقالية ويفترض بهذه الآليات أن تعبّر عن الحراك ومساحته وعن الذين امتنعوا عن المشاركة في الانتخابات.

على الحكومة الانتقالية العمل على مسارين متوازيين الاول يسير نحو إقرار قانون انتخابي ديمقراطي عادل يحقق الشفافية وصحة التمثيل وبناء عليه تنظيم انتخابات ديمقراطية وعادلة وشفافة لاعادة تكوين السلطة السياسية على أسس سليمة.



وأما المسار الثاني فيبدأ بمناقشة الخطوات الاصلاحية التي تسمح باقرار الموازنة العامة على أن تلغي كل أبواب الهدر والإنفاق العام غير المجدي الذي يقوم على المحاصصة والمحسوبيات والزبائنية وتعزيز المداخيل التي تتوزّع أعباؤها على فئات المجتمع بشكل عادل. وهكذا ترسل الحكومة الإشارات الايجابية الى الشعب والى المجتمع الدولي وترمّم ثقتهم المفقودة بلبنان كدولة سيدة ومستقلة. كما لا يجوز أن تأتي التدابير التقشفية على حساب المواطنين لا بل من خلال ترشيد الانفاق على المرافق والخدمات العامة والاجتماعية غير المجدية وإعادة النظر بنظام الحماية الاجتماعية وتوزيع اعباء الاصلاح بشكل عادل على المجتمع.



على الحكومة العتيدة الغاء الاحتكارات، وهي محميّات في كنف النظام الطائفي، لاسيما في القطاعات الأساسية النفط والدواء والقمح وفي الاسواق الأخرى وتعزيز الجباية الجمركية خاصة على بعض السلع الاستهلاكية التي تعتبر كماليات. وعليها العمل على إعادة هيكلة الدين العام من خلال التفاوض مع المصارف الدائنة لخفض الفوائد وهي مصارف لبنانية حققت أرباحاً خيالية طيلة الفترة السابقة وعليها مسؤولية المساهمة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي. كما عليها معالجة المعضلات التي أعاقها نظام المحاصصة منذ الطائف وأولها الكهرباء والنفايات الصلبة والنقل المشترك.

عليها تحقيق واردات الموازنة من خلال نظام ضريبي عادل وتصاعدي يعالج التهرّب ويعيد النظر بالاعفاءات. ويفرض انواعاً جديدة من الضرائب التي تحقق العدالة والتوازن في المداخيل كالضريبة على ملكية الاراضي لاسيما الاوقاف الدينية والضريبة على استثمار الاملاك البحرية والنهرية. وإعادة النظر بالاعفاءات الجمركية والتهرب الجمركي (انطلاقا من ظبط المعابر البرية والبحرية والجوية)

يجب إعادة هيكلة القطاع العام الذي افترسته المحاصصة والمذهبية بدءا بالغاء المؤسسات العامة والصناديق التي تتوزع على الطوائف وتحمّل المالية العامة أعباء غير مجدية. (60-70 مؤسسة عامة لكل منها نظامها الخاص). واعادة هيكلة كتلة الأجور في القطاع العام (بحيث أن 7% من كبار الموظفين من رؤساء مصالح ومدراء عامين يستحوذون على 50% من الأجور) هذا اضافة الى التعويضات الإضافية التي تتجاوز 50 ضعف الأجر ببعض الحالات.

 تحقيق الأهداف

على الشارع أن لا يستكين حتى تحقيق أهدافه رغم كل المحاولات للقضاء على الحراك وعلى عفويته، ولكن عليه التنبّه إلى الأساليب التقليدية التي تلجأ إليها بعض قوى السلطة من خلال إرسال المندسين الذين يعيثون الفوضى ويسيئون اليه ويخففوا من اندفاعة المواطنين الشرفاء للمشاركة فيه ويعطون المبرّر للقوى الأمنية لإستخدام القوًة والعنف لفض المظاهرات وتنفيذ حملة اعتقالات وقد بدأنا نشهد بوادر ذلك منذ اليوم الثاني في شوارع بيروت حيث قامت القوى الأمنية باستخدام القنابل المسيلة للدموع واعتقال المئات من المتظاهرين منتهكين بذلك الحق بالتظاهر والاعتصام والتعبير عن الرأي. علما أن حماية حق التظاهر والتجمع هي من مسؤولية القوى الامنية ومهمة منوطة بها.

على القوى الحيّة المكوّنة للحراك أن تعمل على التنسيق فيما بينها لبلورة نموذج جديد لإدارة مشتركة. فتخوض حواراً فيما بين مكوناتها حول مستلزمات الاستمرار الى حين تحقيق المطالب وتتناول أيضا المطالب والاقتراحات كمدخل لحل الازمة التي يعيشها لبنان.

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard