أحزاب لبنان عائق أمام الديمقراطية

4 أيلول 2019 | 10:18

المصدر: النهار

أحزاب لبنان عائق أمام الديمقراطية

يندهش صديقي الأجنبي الذي يطيعه صبره، ويحثّه فضوله على متابعة الشؤون العامة اللبنانية، من التناقض بين الحريات السياسية المتوفرة والمتمثلة بتعدّد الأحزاب وغزارتها، وبين تردّي أوضاع البلاد العامة، لأنّ المنطق السياسي يقول إنّ من شأن الحريات السياسية تصويب أداء السلطة الحاكمة وصدّ تعسفها، بيد أنّ دهشته تبددت بعد أن شرحت له كيف تحولُ هذه الأحزاب وبسبب بنيتها، دون ممارسة الشعب الديمقراطية، وأكملتُ شروحاتي بأن فسرت له كيف تحوك هذه الأحزاب قوانين الانتخابات بحيث تضمن الفوز الساحق، فلا تسمح لقوى جديدة بالولادة.

حضّتني دهشةُ صديقي على التأمل في واقع غالبية الأحزاب اللبنانية ومنها من يعتلي سدة القرار، فكان هذا المقال.

إنّ ما يحفّزني على استئناف تفكيري في بنية غالبية الأحزاب اللبنانية الحاكمة وأدائها، هو أنّها أولاً تُمثّل حجرعثرة أمام الديمقراطية الحقة، التي تعني مشاركة الشعب في القرار السياسي، وفي كيفية إدارة البلاد، فالديمقراطية لا تستقيم مع أحزاب تقوم على احتضان وتعزيز وتعميق انتماءات الأفراد الأولية: الدين، الطائفة، العائلة، المنطقة، الأثنية (1)، وعلى صهر الأنصار والمحازبين في عصبية قوامها الخوف، والغريزة، ورهاب الوجود، والانغلاق على الذات، يُجمّلها ما يسمى زورًا حقوق الطائفة، وهي فوق ذلك تُعزّز وعي أنصارها الطائفي بالهوية، الذي يحوّل الهوية إلى عالم مغلق غير منتمٍ إلى فضاء الوطن، مع كل ما يترك هذا الوعي من ارتدادات سلبية، تجعلهم مواطنين من طينة استثنائية، مختزَلين في بعد واحد من أبعاد الشخصية الإنسانية، هو البعد الديني الذي لا يصلح لبناء وطن ومواطن.

إنّ الديمقراطية تفترض وجود شعب تربط بين أفراده رابطة عضوية يتقدم فيها الانتماء الوطني والقانوني لهؤلاء الأفراد على ما عداه، وتؤدي هذه الرابطة إلى توزّعهم سياسيًا وفق خياراتهم الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية والتنموية والحقوقية والخدماتية والإعلامية والتربوية والثقافية، فضلاً عن مواقفهم من علاقات بلادهم بالدول الأخرى.

وإذا تفحّصنا بنيةَ غالبية الأحزاب القائمة وخطابها، على ضوء منظومة المفاهيم العصرية التي تحكم آلية تأسيس الأحزاب في البلاد الديمقراطية، سوف نتيقّن من خروجها على منطق تأسيس الأحزاب التي تقول به العلوم السياسية والتجارب الديمقراطية.

فما هو التعريف العلمي لمفهوم الحزب وما هي وظيفته؟

بالتعريف الأولي، الحزب هو اتحاد الأفراد المتجانسين من أجل حقوقهم وتحقيق رؤيتهم السياسية العامة، الاقتصادية، والمالية والاجتماعية والتنموية والبيئية والحقوقية والإعلامية، والتربوية والثقافية، ولأنّ السلطة لا يُمكن ممارستها من قبل الشعب مباشرةً، ولأنّ السبيل الفردي غير كافٍ لحماية الحقوق، وجد الأفراد في اتحادهم قوةً من أجل فرض احترام حقوقهم وحرياتهم.

وهو في جميع الأحوال تنظيم قانوني يسعى للوصول إلى السلطة وفق برنامج ورؤية يتوافق عليها المواطنون الذين يتبنون رؤية سياسية واحدة، وقيام الأحزاب هو شرط قيام الديمقراطية وكبح التسلط والاستبداد، لأنّها تضمن مشاركة الشعب السياسية وسيادته.

والحال، تتعارض بنية غالبية الأحزاب اللبنانية وخطابها، مع التعريف العلمي لمفهوم الحزب، والذي يجعل من وجودها عاملاً مؤثرًا في حماية الديمقراطية، والحقوق، وتنظيم الحياة السياسية، إذ تنبني غالبية هذه الأحزاب على أساس طائفي، وهي تفترض ضمنًا وجود حاجات ومشاكل خاصة بكل طائفة، تُميّزها عما عداها، وهو افتراض غير علمي، ولا ينطبق على أفراد يعيشون على أرض واحدة، وفي ظل دولة واحدة، لأنّ الفروقات الروحية والاعتقادية لا تملي نمطًا خاصًا من الحاجات الزمنية اليومية العامة، ما يُسقط أوهام ما يسمى "حقوق الطائفة"، التي تترجَم عمومًا بانقضاض السياسيين على موارد الدولة ومنافعها، من أجل تعزيز سلطاتهم الحزبية والمحلية، فتتحول مكتسباتهم الجزئية إلى امتيازات، تؤدي إلى حرمان مقابل، لأن ليس من حق إلا شاملاً، وهذا الأمر يطرح مشكلة أخلاقية إضافية.

وفي جميع الأحوال لا تُعبّر هذه الأحزاب عن احتياجات أنصارها الشاملة، التي تتشابك مع احتياجات سائر المواطنين أمثالهم. ألا يتردد على سبيل التوضيح أن لا دين للكهرباء والماء والاتصالات، والدواء، والمسكن، والغلاء، والفقر، والنقل، والبطالة، وغيرها من خدمات واحتياجات! وهي لا تستطيع بحكم بنيتها ومبرر وجودها تبني موضوع حياتي عام. هل هذا ما يفسّر نسبيًا غياب برامجها؟

نحن نردّ غياب هذه البرامج إلى افتقار هذه الأحزاب إلى منظومة مفاهيم قيمية سياسية تسترشد بها، وتبني من خلالها برنامجًا متكاملاً، تدافع عنه، وتسعى إلى تنفيذه، وهي تبتكر خطابها وفقًا للواقعة، وهذا ما أثبتته وقائع إقرار مشروع الموازنة، حيث جاءت مقاربات الأحزاب لبنودها عشوائية، غير خاضعة لمعايير ثابتة.

وتتسبب هذه الأحزاب التي يجاور عددها المائة، فيما يبلغ عدد أحزاب ألمانيا 15، وأميركا 5، وكندا 7، وأستراليا 7، في تشتيت اللبنانيين سياسيًا، وتبديد طاقاتهم النضالية، وتقسيمهم وتوزيعهم عموديًا، وتصنيفهم، أديانًا وطوائف، يحيون في حالة انفصال سياسي، لا تلبث أن تتحول في بعض الوضعيات، إلى مواجهات عنفية لا تحتاج البرهنة عليها إلى أمثلة.

وهي، بالنتيجة، تسهم في تعطيل الديمقراطية لأنّها تحول دون اتحاد الشعب من أجل حقوقه، وحرياته، وتحتجز جمهورها في انتماءاته الأولية، الماقبل سياسية، وهي فوق ذلك تتخذ المواقف والقرارات نيابةً عنه، وليس أمامه سوى الامتثال، فهذه الأحزاب تقوم على مركزية الزعيم، محاطًا بمجموعة من المساعدين والكوادر، وتكاد بسبب ذلك أن تُحوّل محازبيها إلى مجرد عناصر في ماكينة انتخابية، احتوائية، لا غير.

ولأنّ هذه الأحزاب متشابهة المنطلقات والأهداف تتصف علاقة بعضها ببعض بالتواطؤ، رغم بعض المناوشات، فلا يجعلها تتناقض وتتناوش إلا الصراع حول الحصص، وهي ابتكرت برأيي مفهوم "الديمقراطية التوافقية"، ومفهوم "حكومات الوحدة الوطنية"، كي لا يعارض بعضها بعضًا، والاختلاف حول الملفات الاستراتيجية الإقليمية، لا يغيّر من تشابه هذه الأحزاب على مستوى الأداء الداخلي، وتناغمها، الأمر الذي يعطل وجود معارضة حقيقية جدية، تنتجها منظومتها.

وبالمحصلة تخرج غالبية الأحزاب اللبنانية، عن التعريف العلمي لمفهوم الأحزاب ومقاصدها، ودورها في تنظيم الحياة السياسية، وتوحيد المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم الأولية، حول حقوقهم ومصالحهم، ومشاكلهم، واحتياجاتهم، وطموحاتهم، يمينًا أو يسارًا.

لدرء كل هذه الإرباكات والمغالطات، نحن بحاجة إلى أحزاب مدنية عابرة للطوائف تحوّل الفعل السياسي، إلى فعل سياسي فردي، وتتعامل مع الحزبيين كمواطنين، لا كأعضاء في طوائف، أو إثنيات، محوّلةً الصراع إلى صراع المصالح المجتمعية الحقيقية، بدل الصراع على السلطة والموارد، بين كتل متشابهة، أودت بالبلاد إلى ما وصلت إليه.

إنّ أي إصلاح يهدف إلى تحديث الحياة السياسية، والسير بها نحو دولة مدنية، لا بد أن يمرّ بقانون أحزاب جديد، يتجنب أعطاب الأحزاب القائمة، التي تشوه مبدأ الديمقراطية بالذات، ومعه مبدأ التقدم.

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard