ليس للعامل الفلسطيني من يدافع عنه

29 تموز 2019 | 12:49

مشهد من مخيّم شاتيلا (تعبيرية- أ ف ب).

أوجز في هذا النص بعض المفارقات الفاقعة في المواقف المؤيدة أو الرافضة لحملة وزير العمل كميل أبو سليمان من أجل مكافحة العمالة الفلسطينية غير النظامية.

تظهر هذه المفارقات، اللامبالاة الفعلية بحقوق العمال الفلسطينيين في لبنان من جميع الاطراف، والحاجة الى مقاربة رسمية، انسانية، قانونية واقتصادية.

المفارقة الأولى

إجازة العمل تخدم العامل الفلسطيني، فهي تشترط حصوله على عقد عمل من صاحب العمل، وهذا العقد يؤمّن له الافادة من الحقوق التي يضمنها قانونا العمل والضمان الاجتماعي. من دون هذا العقد، يصبح العامل عرضة لاستغلال صاحب العمل ومن دون حماية قانونية.

لماذا إذاً الموقف السلبي من إجازة العمل؟ يوضح رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني حسن منيمنة: "في حالة اللاجئ الفلسطيني، يبدو ان الحصول على عقد عمل امامه صعوبة تقارب حد الاستحالة. اذ من المعلوم أنّ المؤسسات الصغرى في لبنان تتهرب كلها تقريبا من تسجيل العاملين فيها في الضمان الاجتماعي لكي لا تدفع الرسوم والمترتبات المالية الاخرى الواجبة".

عندما طرح حسن منيمنة هذه المشكلة امام وزير العمل، في احدى الحلقات التلفزيونية، لم يعبّر الوزير صراحة عن ضرورة تطبيق القانون على اصحاب العمل. ربما تفادياً لازعاج اصحاب العمل او لان القضية التي اثارت الاعتراضات الفلسطينية في البداية، كانت إقفال شركة فلسطينية مخالفة.

العقبة الكبرى كما يبدو هي اذاً مصلحة اصحاب العمل اللبنانيين والفلسطينيين الكبار والصغار. وإذا علمنا ان نحو 60% من العمال الفلسطينيين يعملون لدى اصحاب عمل فلسطينيين او لدى الأونروا ومؤسسات دولية، وان الكثير من الشركات الفلسطينية لها علاقة بالفصائل الفلسطينية، بدت لنا المشكلة اكثر تعقيدا.

المفارقة الثانية

في العام 2010 صدر قانونان، القانون 128 والقانون 129 المتعلقان بالعمالة الفلسطينية. أهم ما نصَّ عليه القانونان: إخضاع العمال الفلسطينيين للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وافادتهم فقط من فرع تعويضات نهاية الخدمة رغم تسديدهم الاشتراكات عن الفروع الاخرى، إلغاء شرط المعاملة بالمثل كون الفلسطينيين لا دولة لهم، استثناء اليد العاملة الفلسطينية من رسوم إجازة العمل.

منذ العام 2010 هناك مطالبات للجمعيات الداعمة لحقوق الفلسطينيين بتطبيق القانونين المذكورين وكان جواب وزراء العمل المتلاحقين ان المسألة تحتاج الى مراسيم تطبيقية، رغم خلوّ القانونين من هذا الشرط. وفي الواقع لم يتقدم بطلب إجازة عمل خلال هذه الفترة الا عدد من الفلسطينيين لا يتجاوز 25 شخصاً.

يُشار الى ان الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة العمل، جاؤوا من أحزاب مؤيدة او معارضة لخطة الوزير الحالي، كما انهم ينتمون الى مختلف الطوائف اللبنانية.

المفارقة اليوم أنّ وزير العمل الحالي حاول تطبيق القانونين بدون الحاجة الى مراسيم تطبيقية، لكن محاولته ووجهت برفض المطالبين سابقا بتطبيقهما.

ربما كان هدف الرافضين توسيع المكاسب عبر التفاوض على مضمون المراسيم التطبيقية، ومن بينها افادة العاملين الفلسطينيين من فرعي المرض والامومة والتعويضات العائلية. وهو ما اعتبره الوزير منصفا في احدى المقابلات، طالما هم يدفعون الاشتركات عن كل الفروع. وهذه من الحقوق المهمة للعامل الفلسطيني التي يجب متابعتها مع الوزير.

المفارقة الثالثة

ترافق تطبيق وزير العمل للقانون مع رفع شعار "ما بحرّك شغلك الا ابن بلدك". مشكلة هذا الشعار انه غير صحيح من جهة ويثير الخوف والحذر من جهة ثانية.

فالذي حرّك الشغل في الماضي، وخاصة في مرحلة الاعمار ما بعد الحرب، هم العمال جميعا، لبنانيون وفلسطينيون وسوريون. وهم لا يزالون حتى اليوم يحرّكون الشغل الذي لا تعطله الا السياسات الحكومية والانخراط في الصراعات الاقليمية.

من جهة ثانية، كأني بشعار الوزير يقول مسبقا للعمال السوريين والفلسطينيين، انه يسعى لإقصائهم عن سوق العمل لمصلحة اللبنانيين. رغم تأكيده انه يعمل لان يكون مقابل كل ثلاثة عمال لبنانيين عامل اجنبي. فكيف نريد في هذه الحال الا يقرأ الفلسطينيون مطالبتهم بإجازة عمل بالكثير من الحذر، رغم ان هذه الاجازة هي من حيث المبدأ لصالحهم؟

أخطأ أيضا وزير العمل حين قرر تمويل حملته من جيبه الخاص، ومن دون موافقة حكومية مسبقة، مما أعطى طابعاً شخصياً للحملة سهّل على المشككين بها افتراض وجود أغراض حزبية "قواتية" من ورائها، معادية للاجئين الفلسطينيين، لا سيما أنّ حملة الوزير اتت مباشرة بعد حملة عنصرية، في حق النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، أطلقها وروّج لها الوزير جبران باسيل.

كما انها اتت أيضاً في ظل تأزم الوضع المعيشي الفلسطيني، بعد تقليص مساعدات الاونروا بضغط أميركي.

ذلك كله يجري في زمن محاولة الولايات الاميركية الترويج لصفقة القرن المعادية كليا للمصلحة الفلسطينية.

واذا كنت غير مقتنع بالاتهامات التي طاولت الوزير بشأن انخراط حملته في سياق الضغط على الفلسطينيين للقبول بصفقة القرن، الا ان توقيت هذه الحملة يطرح إحتمال تأثيرها في الموضوع، لكن في اتجاهين متناقضين.

فمن جهة ان تأمين حقوق العمالة الفلسطينية من خلال إجازة العمل، كما يفترض البعض، قد يشجعهم على البقاء في لبنان، وقد يتقاطع مع سياسة توطينهم. ومن جهة ثانية ان إجبارهم على الحصول على إجازة عمل واستحالة حصولهم عليها في ظلّ رفض اصحاب العمل توفير عقود العمل، كما يفترض البعض الآخر، قد يشجعهم على مغادرة لبنان، وقد يتقاطع مع سياسة ترحيل البعض منهم الى الضفة الغربية او الى بلدان أخرى.

في جميع الحالات لا يمكن فهم رد الفعل الفلسطيني، بدون وضعه في إطار التعدي المتمادي على حقوقهم الوطنية من الادارة الاميركية وبالتواطؤ مع البلدان الخليجية وبعض البلدان العربية الاخرى. كأن الفلسطينيين قد وجدوا في مبادرة الوزير اللبناني الفرصة للتعبير عن غضبهم من الوضع العام الذي يحيط بهم من كل حدب وصوب.

من هذا المنظار يجب التحذير مما يمكن ان يترتب على توسيع رقعة الاعتراض الفلسطينية على الاراضي اللبنانية. ليس فقط بسبب الحساسية التي تحكم علاقة الشعب الفلسطيني بالشعب اللبناني، وبالمسيحيين تحديدا، وكنتيجة للحرب السابقة بينهما. بل أيضا لهشاشة الوضع اللبناني على المستويات السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية.

في الدراسة التي أجريتُها بعنوان "العمال الفلسطينيون في قطاع البناء، وجهة نظر عمالية"، صرح احد العمال حرفيا بعدما شرح وضعه المأسوي: "لمّا ما يكون في شغل- عم احكي عن نفسي وعن كم واحد معي- لمّا ما يكون في شغل ويتزعزع الامن بالمخيم، انا والمجموعة يللي معي منكون موجودين بالاشتباكات... نعم منشارك بالمعارك، ليه؟ما هوّي عامل نفسي كمان. ما خلص نحنا قرفنا من هالموضوع وصرنا نرمي حالنا عالموت. بطّلنا سائلين على شي، لا على مستقبل ولا شي. خلص كل يوم بيومو".

ما يجب ان يعرفه الفلسطينيون ان الكثير من اللبنانيين، وبفعل الازمة المعيشية والوطنية وانسداد الافق، باتوا يمرون بحالات نفسية مشابهة، ولو ان حالتهم لا تزال اقل سوءا من الفلسطينيين.

وقد ظهرت هذه الحالات في التراشق المعيب من الطرفين على صفحات التواصل الاجتماعي.

فلنتفادَ جميعا، حربا جديدة بين المقهورين انفسهم.

المفارقة الرابعة

يتولى مواجهة خطة الوزير اطراف لبنانيون وفلسطينيون.

الاحزاب اللبنانية المعترضة، مثلها مثل الاحزاب الموافقة، لم تبادر الى اتخاذ خطوات عملية لمعالجة معاناة العمال الفلسطينيين من خلال الحكومات المتعاقبة او من خلال وزارات العمل التى تولتها لسنوات طويلة.

الاحزاب المعارضة لحملة الوزير لم تحرك ساكنا تجاه الحملة العنصرية ضد النازحين السوريين او تجاه تطبيق خطة وزير العمل عليهم. كأنها لا تدافع عن قضايا إنسانية بل عن مواقف سياسية.

في المقابل إن الاحزاب المؤيدة لحملة الوزير تحت شعار دعم العمالة الوطنية، وفي طليعتها "التيار الوطني الحر"، لا تحرك ساكنا لدعم العمال اللبنانيين، لا من خلال النقابات ولا من خلال السياسات الحكومية.

ولعل مواقف الوزير باسيل أوضح مؤشر إلى ذلك. فقد كان من اشرس المدافعين عن الاقتطاع من مداخيل الموظفين، في سبيل تقليص حجم العجز في الموازنة.

كما انه صرح حديثا، من دون ان يرف له جفن، انه "ما بتحرز انو نضرب التوازنات والتفاهمات من اجل 400 موظف لادخالهم فرضا الى القطاع العام". هؤلاء كانوا قد نجحوا في امتحانات مجلس الخدمة المدنية، لكن الوزير باسيل لا يبالي من حرمانهم هم وعيالهم من وظائفهم المستحقة، لان اغلبيتهم الساحقة من المسلمين. اذاً ليست المسألة الدفاع عن العمالة الوطنية، بل عن المحاصصة الطائفية التي يستفيد منها الزعماء واتباعهم.

اما الفصائل الفلسطينية المعترضة، فقد وظفت معظم جهدها في السابق في مجال الخلافات في ما بينها، وبذلت القليل القليل لمعالجة اوضاع شعبها.

الفصائل نفسها، وخصوصاً حركة "حماس"، علقت او ألغت النقابات القائمة في غزة واستبدلتها بنقابات تابعة. وقد قمعت مرارا الاحتجاجات العمالية المطالبة بالحقوق. لذلك يبدو دفاعها اليوم عن العمالة الفلسطينية غير ذي صدقية وتحركه على الارجح دوافع سياسية.

لا يختلف سلوك الاتحاد العام لعمال فلسطين في لبنان عن سلوك الفصائل، مع العلم ان حركة "فتح" هي التي تقوده. فهذا الاتحاد لم ينشئ نقابات حتى الآن وهو شبه غائب عن تنظيم العمال الفلسطينيين ومتابعة قضاياهم. وفي الدراسة التي أجريتُها مع العمال الفلسطينيين في قطاع البناء، كان هناك شبه إجماع على انتقاد الاتحاد واعتباره غير مبال بقضاياهم.

كذلك إن الحركة النقابية اللبنانية مقصرة في الاتصال بالعمال الفلسطينيين وفي تنظيمهم في النقابات اللبنانية بهدف الدفاع عن حقوقهم.

لذلك بدا لي الاجتماع الاخير بين الاتحاد العمالي العام واتحاد عمال فلسطين بعنوان الدفاع عن العمالة الفلسطينية، مجرد رفع عتب.

المفارقة الخامسة

تجري النقاشات من دون إحصاءات دقيقة لا حول العمالة الفلسطينية ولا حول عدد اللاجئين الذين يتراوح عددهم بحسب المصادر بين مئة وخمسين الفا وخمسمئة الف. هذه الفروقات الكبيرة بين الارقام، تفتح المجال واسعا امام الكثير من التأويلات والفرضيات المغلوطة.

الادهى من ذلك كله، هو قيام وزارة العمل "بتنظيم العمالة الاجنبية" بدون إحصاءات دقيقة حول وجودها في القطاعات ومدى منافستها للعمالة الوطنية. مع غياب شبه كامل لسياسة تشغيل في إطار سياسة إقتصادية حكومية.

مع العلم ان هناك دراسة شاملة حديثة أجريت بالتعاون بين الاحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية، حول توزيع العمالة على القطاعات وحول الاوضاع المعيشية. ويمكن هذه الدراسة ان تشكل قاعدة متينة لمناقشة الموضوع بموضوعية من جهة، ورسم سياسة تشغيل ومن ضمنها تنظيم العمالة الاجنبية، من جهة ثانية.

المستغرب ان هذه الدراسة انتهت منذ اكثر من ثلاثة اشهر لكن لم يجر الافراج عنها حتى الآن. فهل اطلع عليها وزير العمل حتى يحصّن خطته برؤية مقنعة لسياسة التشغيل في لبنان، بدل ترك الامور عرضة لشتى انواع الفرضيات والتأويلات؟

تبقى المؤسسة الوطنية للاستخدام هي المكان الافضل لمناقشة مسألة تنظيم العمالة في لبنان، من قبل الاطراف الثلاثة، الدولة والعمال واصحاب العمل، وفي اطار الاتفاق على سياسة تشغيل مناسبة. وليس بالطبع مجلس الوزراء الذي اعتاد ان يخضع القضايا الى البازار السياسي من اجل تمييعها.

من المهم اشراك ممثلين عن العمال وعن اصحاب العمل الفلسطينيين، في النقاشات وفي إيجاد الحلول. بالاضافة الى لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني.

في هذا الاطار، إن مقاربة وزير العمل القانونية لا يمكن ان تكتمل، الا من خلال المرجعية القانونية للاتفاقات الدولية ولا سيما تلك حول العمالة المهاجرة (بما فيها النازحة واللاجئة).

الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي تبنّته مقدمة الدستور اللبناني يضمن حق العمل لكل انسان بغض النظر عن إنتمائه.

واعتقد انه قد حان الوقت لفصل مسألة حق العمل عن رهاب التوطين، فلا علاقة منطقية او قانونية بين الاثنين. في هذا الاطار، هناك ضرورة لتوسيع او إلغاء لائحة المهن التي يحق للفلسطينيين العمل فيها، آخذين في الاعتبار حاجات السوق القطاعية، وسياسة تشغيل تتوخى النمو.

اما اتفاقية العمل الدولية رقم 97 لسنة 1949 في شأن العمال المهاجرين وغيرها، فهي تنص على ضرورة ان تتعهد كل دولة بمعاملة العمال المهاجرين معاملة "لا تقل مواتاة عن المعاملة التي تتيحها لمواطنيها وخاصة بالنسبة للاجور والاعانات العائلية والعمل الاضافي والاجازات والضمان الاجتماعي واصابات العمل والتقاعد والشيخوخة والتدريب المهني وعمل النساء والانضمام الى المنظمات النقابية" وغيرها من الحقوق المتوفرة للعمالة الوطنية.

من الضروري هنا مقاربة وضع العمال الفلسطينيين بطريقة خاصة، آخذين في الاعتبار عوامل ثلاثة على الاقل: 1- كونهم لاجئين مقيمين في لبنان منذ فترة طويلة وليس باستطاعتهم العودة الى بلادهم، 2- كونهم يعيشون في ظروف قاسية جدا مرشحة للتفاقم بفعل التضييق المالي والخدماتي المتزايد عليهم، 3- كونهم أبناء قضية محقة يتعرضون للإضطهاد من إسرائيل ومن دول عظمى وعربية.

لا بد لمقاربة وزير العمل القانونية، من ان تضع نفسها في الاطار الاجتماعي الذي تريد تطبيق القانون فيه.

فبحسب ارقام الاونروا حول الفلسطينيين المقيمين في لبنان: معدلات الفقر 73%، 80% يعملون لحسابهم الخاص او بالاجرة، 56% بطالة، 40% يتقاضون دون الحد الادنى للاجور، 97% يعملون باتفاقيات شفهية تضعهم تحت رحمة صاحب العمل في مسألة الفصل من العمل، 98,7% لا يحصلون على إجازات مرضية او سنوية، 62% يعانون الامن الغذائي الحاد والمتوسط، 62% من المساكن تعاني تسرب المياه و55% من الاضاءة السيئة للغاية، نسبة معاناة فرد واحد على الاقل من مرض مزمن هو 81,3% من بين الاسر، عدم وجود نظام صرف صحي، بنية تحتية تالفة، مساكن مكتظة، ارتفاع معدل التسرب من المدارس.

نحن في أمسّ الحاجة الى مقاربة توفّق بين المتطلبات الانسانية والحقوقية والاقتصادية.

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard