الأربعاء - 24 نيسان 2024

إعلان

"المستقبل" بين جيلين

المصدر: "النهار"
"المستقبل" بين جيلين.
"المستقبل" بين جيلين.
A+ A-
هاني حمود*

قبل انقضاء القرن والألفية الماضيين بعام، أطلق رفيق الحريري جريدته، "المستقبل". يومها كان في المعارضة، في معركة ظاهرها مع إميللحود، وحقيقتها مواجهة مع نظام الوصاية، ومع مشاريع متقاطعة لشفط النخاع الشوكي من وطن سحر رفيق الحريري بتركيبته وأهلهوإمكاناتهما.


بعد ذلك بخمس سنوات، دفع رفيق الحريري ثمن وقوفه في وجه هذه المشاريع، بدمه. ولم تنتهِ المواجهة. تحوّلت جريدته من المعارضة إلىالثورة، ثورة اللبنانيين على واقع كان العالم كله يتواطأ على إقناعهم بأنّ شيئاً لا يمكن أن يغيّره، فإذا بهم يثبتون العكس.


ومنذ ذلك اليوم، واللبنانيون جميعاً، ومعهم جريدة "المستقبل"، يدفعون ثمن الصفعة التي وجهوها لتواطؤ العالم، كل العالم، ذات رابع عشرمن آذار، وثمن انتصارهم على مشاريع القضاء على لبنان كما رآه شهيدهم، فيتلقون الضربة تلو الضربة والطعنة تلو الطعنة، لكن لا يركعون.


وبين إطلاق رفيق الحريري لجريدته، واليوم، عشرون عاماً. جيل كامل، ووقت كافٍ لتحولات عميقة، في الوطن والمنطقة والعالم. فيالتكنولوجيا، والإتصالات، والإعلام. في الكتابة، والأهم، الأهم: في القراءة.
 
حريق في مبنى جريدة "المستقبل" إثر هجوم ٧ ايار.
 
لم نكن يوماً، في لبنان وعالم العرب إجمالاً، أبطال العالم في القراءة، لأسباب عديدة ربما لا مجال لتعدادها هنا. لكن الثورة التكنولوجية التيشهدتها السنوات العشرون الأخيرة - الجيل الكامل - غيّرت حتى في القليل من قراءتنا، وبخاصة للصحافة المطبوعة.


عشرون عاماً حوّلت جيلاً من القراء إلى مستهلكين يشعرون أنّ 120 حرفاً، أنّ كلمات لا يتخطى عددها مساحة شاشة هاتفهم الذكي، كافيةلجعلهم يعرفون. فباتت معركة المحررين اليومية في جريدة "المستقبل" - كما كل صحف العالم على ما أفترض - إيجاد عنوان لا يشعر القارئأنه رآه في الليلة السابقة، على شاشة هاتفه الذكي، بين رسالة نصية من قريب أو صديق، ومقتطف فيديو غريب وإن مركّب، رافقه إلى وسادةنومه.


وعشرون عاماً، أنتجت في نهايتها جيلاً جديداً، تحوّل من قارئ إلى ناشر، يُنافس الصحف بأخبار ينشرها هو، ويبارز كتابها بآرائه هو،على وسائل التواصل الاجتماعي. جيل لم يعد يقبل أن يقف بينه وبين الخبر محرر محترف في التدقيق باللغة والمعلومات والمصادر، ولا كاتباعتنق الفكر قضية قبل أن يجرؤ على إبداء الرأي. جيل بعض معرفته من 120 حرفاً، ينشر الخبر ويبدي الرأي عبر الفضاء الرقمي المفتوح،حتى لو اختلط الخبر بالشائعة ولم يتجاوز الرأي الغريزة.


حسناً، غداً، يبدأ جيل جديد. جيل بلا... "مستقبل" في طبعتها الورقية، وجيل ستنتهي معه، عاجلاً أم آجلاً، كل الصحافة المطبوعة. عشرونعاماً جديدة، تبدأ اليوم، ولن تتنتهي فيها المواجهة.

(مقال نشر تزامناً مع توقف صدور جريدة "المستقبل")

• رئيس تحرير المستقبل


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم