الأربعاء - 29 أيار 2024

إعلان

"تزوّجتو لأنّو حنون أكتر من بيّي"... قانون الزواج المبكر يراوح مكانه وإقراره مرهون بالسلطة الدينيّة؟

المصدر: "النهار"
رنا حيدر
رنا حيدر
تعبيرية.
تعبيرية.
A+ A-
قد يغيب عن بال الكثيرين أنّ العالم يحضن أكثر من 650 مليون عروس طفلة، بما في ذلك الفتيات المتزوجات حاليّاً والنساء اللواتي تزوّجن لأوّل مرّة في مرحلة الطفولة، منهنّ 40 مليون عروس طفلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهذه الأرقام قابلة للارتفاع على مدى السنوات المقبلة بنسبة تقدّر بـ10 ملايين، بحسب تقرير اليونيسف. تالياً تُعتبر قضيّة زواج القاصرات مسألة طال عليها الزمن، إذ إنّها لا تزال موجودة في مجتمعنا اليوم، لكنّها تتفاقم عاماً بعد عام.

وبحسب ورقة بحثية نشرتها جمعيّة "التجمّع النسائيّ الديموقراطيّ اللبنانيّ"، تبيّن أنّه في بداية عام 2022 ارتفعت نسبة تزويج الأطفال 5 في المئة، مقارنةً بنهاية عام 2021، ووصلت النسبة الى 14 في المئة. والملفت أيضاً أنّ 22 في المئة من الفتيات (18-15) تؤكّدن أنّ السبب الرئيسيّ لعدم الذهاب الى المدرسة هو زواجهنّ عن عمر مبكر.
 
وليس من قبيل المبالغة القول إنّ هذه الأرقام تشير الى الوضع الاجتماعيّ الكارثيّ الذي نتّجه إليه، إذ إنّنا نضع أطفالنا عرضةً لخطر التدمير النفسيّ والجسديّ. واليوم يعود قانون منع تزويج القاصرات الى الواجهة مع إحالته إلى لجنة حقوق الإنسان، بعد إعادة اقتراحه من قبل النائبين جورج عقيص وأنطوان حبشي، فهل تدرك المكوّنات الطائفيّة والسياسيّة أهميّة إقرار القانون، أوّلاً، لإسقاط إرث يضرّ بأطفال المجتمع ولا يفيد، وثانياً، لكي يعطي أملاً بمستقبلٍ آمن لكلّ الأطفال ولأيّ مكوّن انتموا؟


إغراءات الزواج المبكر... البوظة!
حين نسمع حكايات الناجيات، نعلم أنّهنّ يعشن في بيئة ذكوريّة دفنت أحلامهنّ داخل قفص يُسمّى الزواج المبكر. يُتركن بمفردهنّ لمصيرهنّ. وفي غياب مسؤوليّة الدولة، يأتي دور الجمعيّات التي تهتمّ بالناجيات وبنشر التوعية لتفادي تدمير مستقبل الفتيات.
 
وفي حديث لـ"النهار" تروي سابين أبي عيد، المنسّقة الإقليميّة للتواصل والحملات في جمعيّة "آكشن ايد" في المنطقة العربيّة، عن الواقع المرير الذي يعاني منه مجتمعنا، وتقول: "حين نجول بين الناجيات نُصدم بثقل الحياة على أكتافهنّ، معظمهنّ لا يزلن في سنّ مُبكر، منهنّ يقلن إنّهنّ تزوّجن "لأنّو زواجن حنونين أكتر من بيّاتن"، أم "تزوجتو لأنّو وعدني يجبلي بوظة، أو بياخدني على المطعم"، وهذه دلالة على براءة أفكارهنّ، فذنبهنّ الوحيد أنّهنّ ولدن فتيات في لبنان، إذ لا قانون يحميهنّ".
 
ولفتت أبي عيد إلى قصّتَي أروى ولمى، وهما فتاتان تعرّفت عليهما جمعية "أكشين ايد" خلال جولتها.

أروى
"تزوّجت من ابن خالتي، حين بلغت سنّ الـ15، وكنت في مدرسة داخلية لمدّة 10 سنوات، لكنّ أهلي منفصلين، وأضحت والدتي معيلتي الوحيدة. كان الهدف من زواجي تخفيف عبء المصاريف عن كاهل أمّي التي تعمل في معمل للألبان والأجبان، إذ إنّ عائلتنا كبيرة تتكوّن من ثلاث بنات وشابّ. بعد زواجي نجحت في شهادة "البروفيه" (شهادة رسميّة)، وكنت حاملاً حينها، لكنّي لم أتابع دراستي بالرغم من أنّني أحبّ مادّة الرياضيات. دخلت في حالة اكتئاب بعد الزواج، لم أكن أريد أيّاً من المسؤوليات التي وُضعت على كتفَيّ. كنت أطمح أن أكمل دراستي، فالمدرسة بمثابة بيتي الثاني، وأحزن حين أرى أطفالاً في مثل سنّي يذهبون الى المدرسة، وأشعر "إنّو عن جد مش خرج كون حاملاً ولا أمّاً" .
  
لمى
بدورها تقول لمى: "تزوّجت وكان عمري 16 سنة، تطلقت بعد 4 سنوات والآن عمري 20 سنة، لديّ طفلة وعمرها سنتين ونصف. تزوّجت قسراً من ابن زوج عمّتي، تهدّدت عمّتي بالطلاق إن لم أتزوّج من ابن زوجها، وفضّلت العائلة أن أتزوج بسبب الوضع الاقتصاديّ الصعب الذي نعاني منه. كنت أعمل في مشتل مع زوجي من الساعة 8 صباحاً لغاية 9 مساءً، وكان يوصلني والد زوجي. وكنت أتعرّض للعنف المتكرّر من قبل زوجي وعائلته، فضلاً عن الضرب من قبل ربّ العمل في المشتل على مدار 4 سنوات.
حملت مرّتين، المرّة الأولى توفّي الطفل بعد الإنجاب لأنّهم تأخّروا في إسعافي الى المستشفى، وبعد أسبوع أجبروني على العودة الى العمل. وفي المرّة الثانية أنجبت طفلتي. تركت بيت زوجي مرّات عدّة، لكنّ أهلي رفضوا الأمر وأجبروني على العودة، فهربت بُعيدها من بيت زوجي بشكل نهائيّ مع ابنتي وطلبت الطلاق. حصلت عليه، لكنّه رفض إعطائي نفقة ابنتي، أو حتّى "المؤخّر بعد الزواج"، وأعمل اليوم في محلّ حلويات لإعالة ابنتي".

 
تداعيات الزواج المبكر
على المستوى الصحّيّ:
وللزواج المبكر تداعيات صحّيّة أيضاً، ولإدراكها يتوجّب وجود توعية في المجتمعات التي تشجّع على هذا الزواج. إذ بحسب الدراسات والتقارير العلميّة، فمعظم الفتيات لا يملكن ثقافة جنسيّة وصحّيّة كاملة لتجنّب تداعيات العلاقة بشكل مبكر، ما يعرّضهنّ لكثير من الأمراض أو العوارض النفسيّة. فعلى سبيل المثال، 41 في المئة لا يعرفن عن الأمراض المنقولة جنسيّاً، و33 في المئة لا يعرفن عن العلاقة الجنسيّة وسبل منع الحمل، و30 في المئة لم تكن لديهنّ معلومات مسبقة عن الدورة الشهريّة عند البلوغ"، وفق دراسة نشرتها جمعيّة التجمّع النسائيّ الديمقراطيّ اللبنانيّ.
 
 
على الصعيد النفسيّ:
تؤكّد المعالجة النفسيّة يارا سنجب في حديث لـ"النهار" أنّه من المهّم أن تعيش الفتاة مرحلتَي الطفولة والمراهقة، ما يؤمّن لها حياة طبيعيّة، لكن في حال أُخرجت من هذه الحلقة، سيكون التأثير النفسيّ تدميريّاً، خصوصاً على المدى البعيد، مشيرة الى أنّ "الفتاة التي تُزوَّج قاصراً لن تتمكّن من الاهتمام بعائلتها، وبأطفالها، أو حتّى بنفسها، إذ إنّها تخطّت مراحل من حياتها وحُمّلت مسؤوليّة كبيرة بالنسبة إلى عمرها، ولاسيّما أنّ الزواج في معظم الأحيان، يُجبرها على مغادرة مدرستها وترك العلم والانصراف إلى أمور الحياة".
 
ومن العوامل المؤثّرة نفسيّاً، بحسب سنجب، عامل الخضوع، الذي يجعل الفتاة تحت وصيّة أهلها أو زوجها، فيولّد تداعيات سلبيّة، تنعكس على شخصيّتها أوّلاً، وعلى عائلتها ثانياً، خصوصاً أنّه في حال الزواج المبكر لن تكون أمّاً طبيعيّة، بل امرأة طفلة تعيش طفولتها مع أبنائها.

أمّا على الصعيد الاجتماعيّ، فـ"ستلقى الفتاة مستوى ثقافيّاً متدنّياً ما ينعكس سلباً على تطوّر وعيها ونضوجها، ويؤثّر بالموازاة على تربية أطفالها، وهذا سيدفعها إلى مقارنة نفسها بالآخرين وسبل حياتها". (هي الحال التي عانت منها أروى).

 
ومن جهة الرجل، لفتت سنجب الى أنّ مسألة اختيار طفلة قاصر كزوجة، دليل على عدم التمتّع بالوعي والنضوج الكافيين، وهو أمر قد يدخل العائلة في حالة غير متماسكة، كتعرّض الزوجة القاصر للعنف، باعتبار أنّها قاصر ومن مسؤوليّته تربيتها.

اجتماعيّاً ودينيّاً، هل يقبل رجال الدين قانون حدّ الزواج؟

يعتبر إمام مدينة جبيل الشيخ أحمد اللقّيس في حديثه لـ"النهار" أنّ الشرع الإسلاميّ يسمح بزواج القاصرات، لكنّه لا "يحبّذ" أو يجبر على هذا النوع من الزواج، معتبراً أنّه في حال قارنّا السلطة القانونيّة والسلطة التشريعيّة الدينيّة، يعلو الدين على قانون الدولة.
 
وشدّد اللقّيس على أنّ الزواج يتمّ ضمن شروط معيّنة، أوّلها موافقة وليّ أمرها، ومن ثمّ التأكّد إذا كانت ناضجة من الناحية الجسديّة، وقادرة على الحمل.

وأشار اللقّيس إلى أنّه "غالباً ما يُلقى اللوم على المحكمة الشرعيّة في حال تزويج قاصر من دون مراعاة الشروط، لكن ليس في وسع دار الفتوى ودار المشايخ السيطرة أو ضبط جميع عقود الزواج، إذ إنّ من صلاحيّة أيّ شيخ كان تسجيل زواج حتّى لو لم يكن مسجّلاً في دار الفتوى، وذلك يضعنا أمام معضلة صعبة لا يمكن حتّى للدولة السيطرة عليها"، مضيفاً: "نُجبر في بعض الأحيان على تصحيح الأخطاء المرتكبة، مثل حمل قاصر من دون موافقة أهلها، ففي هذه الحال على المحكمة الشرعيّة عقد زواجها للحصول على أوراق ثبوتيّة لطفلها".


أمّا من ناحية الديانة المسيحيّة والكنسيّة، يعتبر الأب ألان صياح في حديثه لـ"النهار" أنّ الزواج حقّ للجميع، والكنيسة غير قادرة على فرض أو منع أيّ طرف يطمح بالزواج، لافتاً الى أنّ "كلّ ما بإمكان الكنيسة فعله هو نشر التوعية اللازمة من خلال الدورات الإلزاميّة، لتسليط الضوء على مخاطر الزواج المبكر".

ويرى صياح أنّ "مفهوم سرّ الزواج مبنيّ على الشراكة والاحترام والحوار، كما أنّه يحفظ كيان الطرفين، المرأة والرجل، ولا يمكن أن تكون المرأة مغلوباً على أمرها"، مضيفاً: "الكنيسة توصي دائماً أن يكون الطرفان بكامل نضوجهما ووعيهما، والأكيد أنّ الكنيسة تؤيّد قانون يحدّ من سنّ الزواج"، لافتاً الى أنّه "في الدين المسيحيّ لا نعاني من زواج القاصرات بل على العكس، وهو التأخّر في الزواج".

 

قانون منع تزويج القاصرات
في هذا السياق، يؤكّد نائب تكتّل "الجمهورية القويّة" جورج عقيص في حديث لـ"النهار أنّه "أعاد برفقة النائب أنطوان حبشي، تقديم القانون الذي اقترحه النائب السابق إيلي كيروز عام 2017. وبعد دراسته في لجنة الإدارة والعدل، أُحيل الى مجلس النوّاب، ولاقى بالموازاة معارضة من قبل بعض النوّاب في المجلس". ومن ثمّ انتقل القانون الى لجنة حقوق الإنسان، حيث لا يزال متواجداً، لافتاً الى أنّه "لم يُواجه اعتراضاً من قبل أيّ عضو من اللجنة، وجُلّ ما طُلب هو إحصاءات من وزارة الشؤون الاجتماعيّة ووزارة الداخليّة لتأمين العدد الدقيق لعقود الزيجات، التي غالباً لا تُسجّل في دوائر النفوس".

ولعلّ العقبة الأبرز التي أجّلت إقرار القانون هي مدى تقبّل السلطة الدينيّة فكرة إلغاء زواج القاصرات، وفي هذا السياق لفت عقيص الى أنّ "هذا القانون ليس لديه أيّ طابع دينيّ، وهو يتعلّق في المقام الأوّل بتطوير الفكر الاجتماعيّ، خصوصاً أنّ لبنان من البلاد التي وقّعت على اتّفاقيّة "سيداو" (اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة) عام 1997".


وأضاف عقيص: "ظاهرة تزويج القاصرات مسألة قديمة، لكن مع الأزمة الاقتصاديّة ازدادت، وذلك يهدّد هيكليّتنا الاجتماعيّة، تالياً هذا الواقع يتناقض مع اتفاقيّة سيداو التي تهتمّ بالدفاع عن حقوق المرأة"، مشدّداً على أنّ "إقرار هذا القانون يعزّز انضمام لبنان الى الاتّفاقية ومدى تقيّده ببنودها، خصوصاً أنّه سبق ووسمنا بـ"نقطة سوداء"، إذ إنّ القانون اللبنانيّ لا يدين تزويج القاصرات، الذي يعارض بدوره أبسط حقوق المرأة والطفل".

وأعرب عقيص عن أمله بإقرار القانون في المستقبل القريب، معتبراً أنّ "معارضة هذا الموضوع تتراجع مع الوقت، ويسود نوع من الاقتناع عند بعض رجال الدين مسلمين ومسيحيّين بأهميّة القانون المطروح".

بإمكانكم إيجاد نسخة عن القانون في الرابط الآتي:
 
 
 
حملة "مش قبل 18" وأهميّة إقرار القانون
 
 
من أبرز الحملات التي اُطلقت للمطالبة بإقرار القانون، هي حملة "مش قبل 18" لجمعية "التجمّع النسائيّ الديمقراطيّ اللبنانيّ"، والتي لا تزال لغاية اليوم وبعد 7 سنوات من اقتراح القانون، ناشطة.
وفي هذا الصدد، أكّدت منسّقة التواصل والحملات في التجمّع النسائيّ الديمقراطيّ اللبنانيّ رشا وزنة في حديث لـ"النهار" أنّ "الحملة بدأت بغية التركيز على خطورة الزواج من حيث الصحّة الجسديّة والنفسيّة، وناقشنا حينها أهميّة إقراره في جلسة حواريّة مع نوّاب من ستّ كتل نيابيّة، وطالبنا بمنع تزويج أيّ طفل دون سنّ الـ 18 ، وذلك يشمل أيضاً اللاجئين الموجودين على الأراضي اللبنانيّة الذين يخضعون لقوانين الأحوال الشخصيّة".

ولفتت وزنة الى أنّ "هذا القانون يهدف الى توحيد سنّ الزواج، ولعلّ العائق الأبرز هو السلطة الدينيّة وتأثيرها على السلطة السياسيّة، إذ يختلف سنّ الزواج لدى مختلف الطوائف".

 


وأضافت وزنة أنّ الجمعيّة تحاول حثّ السلطة التشريعيّة بفرض قراراتها على السلطة الدينيّة، وليس العكس، تالياً هذا القانون يغيّر هيكليّة الفرض ويوحّد السنّ على كافة المواطنين. وأشارت الى أنّه "من الصعب الحدّ من خطورة تفاقم ظاهرة الزواج المبكر المحميّة في إطار قانونيّ، بالرغم من الحملات التوعويّة التي تنفذّ على نطاق واسع".


فاذا أردنا تلخيص دوافع تزويج الأطفال، فهي متعدّدة، مثل الفقر، والجوع، والجهل وهي من المشاكل الأساسيّة التي تزيد من هذه الظاهرة، وإذا أردنا الاطّلاع على التداعيات، فاللائحة تطول.
وجُلّ ما على الدولة فعله هو تنفيذ بنود الاتّفاقات التي وقّعت عليها، عام 1991 لضمان حقوق الطفل والتي تحدّد الحدّ الأدنى لسنّ الزواج عن عمر 18، فضلاً عن اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو)، والتي تلزم الدول بضمان الموافقة الحرّة والكاملة على الزواج. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم