الثلاثاء - 04 تشرين الأول 2022
بيروت 25 °

إعلان

جبران تويني: سليل الإغريق وعاشق الحرية

المصدر: "النهار"
روزيت فاضل @rosettefadel
جبران تويني يهدم حائط العمالة والطائفية
جبران تويني يهدم حائط العمالة والطائفية
A+ A-

أراد جبران تويني أن يعرِّف جيل الحرب -وأنا منهم- على الآخَر، فجمع في مكتبه في الأشرفية أسرة تحرير ملحق "نهار الشباب" من جميع المناطق والطوائف لتصدر ملحقاً وطنياً بأقلام شابة. لا شك أن جبران تويني كان يتطلع إلى إعطاء فرصة استثنائية لجيل واعد في الصحافة، الذي برزت منه أقلام مخضرمة اليوم كالصحافية مارلين خليفة التي يحتذى بمهنيتها العالية جداً، والإعلامي المميز جداً حسين جرادي وسواهما، في حين لم يستطع البعض الاستمرار في مهنة المتاعب.

كما لمعت أسماء عدة في قطاعات بعد أن شبّت على قيم الوطنية والعنفوان، التي زرعها جبران تويني في نفوسنا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وزير الداخلية الأسبق زياد بارود، وزير الصناعة السابق النائب وائل بو فاعور، مستشار رئيس حزب التقدمي الإشتراكي رامي الريس، سفير لبنان في كندا فادي زيادة، رئيس مجلس كتاب العدل في لبنان الأستاذ جوزف بشارة وسواهم، إضافة إلى تمايز محامين كثرعلى رأسهم الأستاذان ربيع الشاعر ووسام عيد، مروراً بقطاع إدارة الأعمال والتطوير العقاري وعلى رأسهم مدير عام وصاحب شركة هندسة وتطوير عقاري غابي كرم. 

كيف قارب جبران تويني جيلنا، جيل الحرب؟ الجواب بسيط، من خلال تخصيص موازنة من ملحق " النهار" لتنظيم رحلات استكشافية للبنان بدءاً من الشمال مروراً بصيدا وبلدة أرنون وصولاً إلى النبطية والشوف طبعاً... أضف إلى أنه "دفع تلامذة المدارس الخاصة والرسمية إلى المشاركة في مسابقات تصوير فرتوغرافي للمواقع التراثية مثلاً في محاولة للتعرّف إلى لبنان الحقيقي. كما كان السباق في جمعنا في حوارات متواصلة كانت تنظم في مهرجانات عابرة للبنان، وأهمها برأيي أنه نظم وأسرة "النهار" في وسط بيروت، التي كانت تلملم جراحها من خلال ورشة إعادة إعمارها، كأنه كان يعي أن هذا المهرجان سيمحي خطوط التماس التي توغلت في عقولنا وربما في نفوسنا.

 نسرين درزي: صوت الشباب يصدح  

كيف كان الجو العام في أسرة تحرير ملحق "نهارالشباب"؟ تقول الزميلة نسرين درزي، صحافية في جريدة "الاتحاد" الإماراتية منذ العام 2000،: "بدأت مسيرتي المهنية من "نهار الشباب" مع الكبير جبران تويني في العام 1993، ثم انتقلت إلى مكاتب "النهار" في شارع الحمراء من العام 1996 - 2000، ولم أتركها إلا بداعي سفري من لبنان.

لم يكن كمدير يطلب مواد صحافية من باب إصدار الأوامر وتجاهل احتياجات الوصول إلى مصادر معلوماتها، بل كان خير متابع ومسهّل لأدق التفاصيل. وبقدر ما كان يتجنب توجيه أي ملاحظة لفريق العمل بالعلن، كان يحرص على توجيه الإطراء أمام الجميع. جبران تويني صاحب الأفكار السابقة لأوانها في بداية التسعينيات، شخصية تركت أثرها على جيل فذ من الإعلاميين الذين سطروا بداياتهم معه، ويتبوأون اليوم مناصب عالية في المجال سواء داخل لبنان أو في بلدان الاغتراب.

يكفي أن تقول إنك تخرجت من مدرسةالنهار" وبدأت مع جبران تويني من "نهار الشباب" حتى تستعيد صوراً من الماضي الجميل وتشعر بوزنِ تاجٍ وُضع على رأسك يوماً ولم يغادرك أبداً".

 

جوزف بشارة: "فلنزرع حديقتنا" ـ فولتير

 

بدأتُ مقالي عن جبران تويني مستخدماً هذه الجملة الشهرة من فولتير لأبرز من خلالها الثمار التي زرعها جبران تويني على امتداد لبنان كل لبنان ورواها باستشهاده. أستحضر في هذا السياق 7 بذور مثمرة نشرها في كل ساحات الوطن، أولها حب لبنان والفكرة الوطنية كمشروع تمدن وترقّ للإنسان والجماعات، ثانياً، تجسيد فلسفة التواصل بحيث تخفي شجاعة التعبير رغبة صادقة في التواصل مع الآخر، الأمر الذي نفتقده في وسائل التواصل حالياً، ثالثاً، العودة إلى ينابيع الديموقراطية المباشرة  ومواجهة ترهل الديموقراطية التمثيلية وذلك عبر استلهام تجربة الآغورا اليونانية والهايدبارك اللندني، رابعاً التأسيس لطبقةسياسية وسطى تقدم نماذج عصرية لقيادات شبابية فاعلة في مختلف شؤون المجتمع كبديل للطبقة التقليدية والإقطاعية، خامساً، التأكيد على قيم المواطن الفرد النقدي والفاعل بعيداً عن اختزال أي زعيم أو مذهب، سادساً، المقاومة الثقافية الدائمة في وجه احتلالات الخارج وتخلّف الداخل، وسابعاً تفعيل قوة بلسمة الجراح وهذا قمة إبداع أوجدوه عبر ملحق "نهار الشباب".

ربيع الشاعر: جبران والإغريق والحرية!

مع انتهاء الحرب اللبنانية استأثرت الأحزاب المتقاتلة بمفاصل السلطة وخنقت كل أنواع الحرية والكرامة الإنسانية. وعلى الرغم من إعادة الإعمار إلاّ أن دمار القيم كان أشد من الدمار الحاصل على خطوط التماس.

فكان لا بد من عملية إعمار من نوع آخر تماماً كما دعى إليها سقراط بجملته الشهيرة: "حسنًا، أقول [سقراط]، فلنخلق بالكلمات (أي من خلال التفكير) مدينة من جذورها: يبدو أن حاجتنا هي التي ستخلقها."

وهكذا، خلق جبران تويني، سليل الإغريق، ملحق "نهار الشباب" انطلاقاً من الحاجة إلى مسرح ومنبر للفكر الحر على تنوع مشاربه، فدعا الشباب ليخرجوا من متاريس الحرب وليتخاطبوا ويتخابطوا فكرياً من دون خوف لأن الخوف هو المصدر الأساسي للموت وبالتالي لعبودية العنف والتخلّفإلاّ أن "رجال الكهف" فضّلوا قتل جبران لأنهم لا يريدون لأحد بأن يعرف باحتمال وجود "خلاص" خارج شريعة القوة والفساد والترهيب التي اتفقوا على فرضها علينا.

بعد استشهاد جبران تويني تغيّر اسم "نهار الشباب" مرات ومرات ولم يتغيّر النضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة، فانتقلت ساحات الحرية من "الملحق" إلى "الصفحات الأولى" في الجامعات والجمعيات والشوارع والبيوت. رفض جبران كسقراط أن يهرب فاستشهد ولكن خلّد قسمه للبنان.

من بعد استشهاد جبران تويني قالوا عنّا "أفلاطونيين" أي مثاليين "مثله" ويقصدون "قاصرين" أو "متهوّرين" لأننا ندعو إلى بناء "المدينة الفاضلة"، ونحن نقول لمن قتل جبران أو يحاول أن يقتل الحرية في لبنان، إن أنتم ارتضيتم في هذه الحياة بأن تكونوا عبيداً بالوراثة أو عن خوف فإن عشقنا للحرية وللمنطق والوعي والعدالة إن لم يحرّركم، لعلّة فيكم، فسيحرّر أولادكم كما نحن تحرّرنا، وسيتحرر معنا لبنان من الجهل والطغيان تماماً كما أراده جبران. فقدر الأحرار أن يقتلهم العبيد لتنتصر الحريّة!

                وسام عيد: في حِمى الصحافة!

... لطالما كنّا، نحن الصحافيين، نستمدّ القوّة والعزم من الشهيد "جبران تويني" الذي كان دائمًا يردِّد: "مش مسموح حدن ياكلكن راسكن... إنتو السلطة الرابعة وما خلق يلّي بدو يدعس عإجركن مين ما كان ".يكون ومهما علي شأنو... مفهوم!؟!

ذات يوم، وبينما كنت في جولة ميدانية على إحدى كسّارات "كسروان" تعود ملكيتها إلى نائب نافذ، فوجئت بمجموعة من "الزعران" المدجّجين بالأسلحة يمنعونني من الدخول.

ما إن شاهدت هذا المنظر الإرهابي حتى انتابني خوف شديد، مردّدًا بيني وبين نفسي: "شو عملت فيّي يا أستاذ جبران؟"، وما كنت أملكه آنذاك هو قلم وورقة ليس إلاّ!

فما كان عليّ إلاّ أن قلت لهم، وأنا في حالة إرباك: "عذرًا يا شباب يبدو إني مغلّط بالعنوان"، واتجهت بسرعة نحو سيارتي محاولاً نسخ المشاهد التي رأيتها في مخيّلتي بعدما شاهدت كيف كانت جرّافات المقلع تكشّر عن أنيابها استعدادًا لالتهام ما تبقى من الجبل الأخضر...

وصولي إلى مكاتب جريدة "النهار" كان أشبه بمعجزة. عندها أيقنت خطورة العمل الصحافي في مواجهة أصحاب النفوذ الذين يجذبهم طعم الموارد الطبيعية فيستبيحونها.

فما كان عليّ آنذاك سوى أن أستعمل سلاحي الوحيد، ألا وهو القلم ليصدر مقالي في اليوم التالي حاملاً توقيعي بكل جرأة، فأنا أصبحت في حِمى "الأستاذ جبران".

كان المقال بعنوان: "كسارات تمضي في التخريب رغم أنف الدولة... والقانون"، أكّدت فيه أن المقلع العائد إلى النائب النافذ يستبيح الطبيعة ويلتهم الجبال ويصدّع منازل الناس. صدر المقال في اليوم التالي. هذا صحيح، لكنّي بكل صراحة لم أتوّجه منذ ذلك التاريخ نحو هذا المقلع الذي أقضّ مضجعي لفترة طويلة لكوني عرّضت نفسي للخطر.

المهمّ أنّ أعمال المقلع توقّفت، وقد أنقذت الأهالي من شبح الكسّارة، ولكنّ الأهم أنني حمدت الله على سلامتي".

غابي كرم: جبران وفكر مونتاين نموذجاً

اقتدى جبران تويني بميشال دو مونتاين، الذي دعا دائماً إلى تكوين فكر نقدي عند الإنسان، ونبذ أي محاولة لجعله مجرد "متلقٍ" لمخزون من المعلومات لا تعني صاحبها. استمد جبران تويني هذا المفهوم لمونتاين، الذي نبّه إلى أهمية رسم الذات واتخاذها مادة للكتابة، هذه الذات التي تنبع من الشباب ذاتهم التواقين إلى صناعة وطن.

كلام فلسفي ربما لمن امتهن إدارة الأعمال. لكن لا أنسى البتة أن "النهار" كانت دائماً بيتنا الثاني والملجأ الوحيد الذي نتردد إليه بفرح كبير. أذكر تماماً أنني ترددت للقائه، فبادر في إعطائي الأولوية ، وقرر أن يلزم أحد السياسيين للانتظار بعض الوقت ليسمع ما أريده قوله، وهذا أمر دغدغ مشاعري، مشاعر جامعيّ شاب في حينها.

شكّل جبران تويني جسر عبور لنا لتمكيننا من تطوير عامل الثقة بأنفسنا وبه وبالوطن، بدورنا ّفي خلق علامة فارقة في لبنان، ذلك البلد الذي كان يرزح تحت وطأة احتلال سوري يكم الأفواه والحريات ويغلق كل فرصة للكلمة الحرة في لبنان.

أعطى جبران تويني معنى للحوار خارج أسوار الجامعة وفي داخلها من خلال دعمنا في تنظيم لقاءات شبابية في حرم جامعتنا، جامعة سيدة اللويزة. أذكر أن الحماس كان يغلب على مراحل تنظيم اللقاء لأننا سنقول كا يجول في أذهاننا دون خوف أو مذلة... كان يثمّن فكرنا السياسي حتى لو كان لا يوافق ضمناً على النمط التفكيري، تاركاً لنا فرصة التعبير دون شك.

في الحقيقة، أتشارك مع جبران نهجه العلماني الإنساني الذي حقق من خلاله جمع شمل الشبان والشابات من كل الطوائف والتيارات والخلفيات الحزبية للعمل من أجل لبنان سيد، حر ومستقل.

جبران تويني لا يتكرر. أحببناه لشخصه، وهذا تعدى كونه من سلالة صحافية عريقة جداً. أحببنا الرجل صاحب القلب الكبير، قلب طفل حلمَ بوطن...

[email protected]

Twitter :@rosettefadel

 

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم