السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

علاقة ودّ وجفاء بين العلمانية واللامركزية في لبنان اليوم

المصدر: النهار
 (تعبيرية - تصوير نبيل اسماعيل).
(تعبيرية - تصوير نبيل اسماعيل).
A+ A-
غسان صليبي
 
لا أرغب في التطرق الى العلاقة بين العلمانية واللامركزية من باب الغوص في المفاهيم، وإن كان ذلك سيكون ضروريا بعض الشيء في سياق النص. فشعبي وبلدي في حال من الانهيار على جميع الصعد، والناس تحتاج الى مقاربات ملموسة تطال اوضاعهم الخاصة. مع تفهمي لهروب بعض المفكرين والكتّاب في إتجاه النظريات العامة والتعريفات، في وضع تعجز فيه الممارسة العملية عن التصدي للأزمات التي نعاني منها.
أدخلُ الى معالجة موضوعي انطلاقا من ملاحظة ظاهرة إجتماعية ناشئة ومحدودة التأثير حتى الآن، هي ظاهرة تكوّن شبكة "مدى"، التي تضم النوادي الطالبية العلمانية في الجامعات، والتي رفعت شعار "علمانية، لامركزية وعدالة إجتماعية"، في معرض طرحها لرؤيتها في ما يتعلق بمعالجة الوضع اللبناني الحالي.
علاقة الود هذه التي تجمع مفهومَي العلمانية واللامركزية، في مطالب الطلاب الجامعيين العلمانيين، ليست بالإعتيادية ولا بالبديهية اذا صح التعبير. فتاريخ هذه العلاقة يشير إلى العكس، الى الجفاء بين المفهومين، وليس الى المودة.
 
١- علاقة جفاء بين العلمانية واللامركزية
في الحرب اللبنانية رفعت "الحركة الوطنية" شعار العلمنة، في حين رفعت "الجبهة اللبنانية" شعار الفيديرالية، وهي احد اشكال اللامركزية الموسعة. وقد ادى الصراع الدموي بين الفريقين، الى مسخ المفهومين على حد سواء، وإفراغهما من معانيهما التاريخية. فبدت العلمنة كحجة اسلامية للسيطرة على السلطة، ونُظِر الى الفيديرالية كمحاولة مسيحية لمأسسة الانعزال.
انتهت الحرب وتبنى اتفاق الطائف نتفاً من المفهومين. فأقر ضرورة تجاوز الطائفية مع التركيز على إلغاء الطائفية السياسية، كما أقر اللامركزية في حدها الأدنى، اي اللامركزية الإدارية. وعكست هذه الخيارات موازين القوى عند اقرار إتفاق الطائف، فجاءت أكثر تجاوبا مع ما كانت تطالب به القوى ذات الأكثرية المسلمة التي انتصرت في الحرب، نتيجة الصراعات الدموية في المناطق المسيحية التي ادت الى زيادة هيمنة النظام السوري على البلاد.
بعد الطائف لم يجرِ الالتفات كثيرا إلى مفهومَي العلمانية واللامركزية، بل كانا يُطرَحان كفزّاعتين وليس كمقاربتين علاجيتين للوضع القائم. فعندما يُحشر أطرافٌ شيعة سياسيا، كانوا يهددون بإلغاء الطائفية السياسية، وعندما يُحشَر أطرافٌ موارنة سياسيا، كانوا يهددون باللامركزية الموسعة، مما فاقم تشويه مفهومَي العلمانية واللامركزية معا.

٢- إنتفاضة ١٧ تشرين وعلاقة الود بين العلمانية واللامركزية
آنتفاضة ١٧ تشرين اعادت الى المفهومين شيئا من معانيهما الاصلية، بعد تنزيههما من المدلولات الطائفية والعدائية. وقد تمكنت الانتفاضة من إنجاز ذلك، من خلال حركتين متقاطعتين. حركة مركزية لاطائفية جمعت المنتفضين المستقلين عن القوى السياسية لمذاهبهم وطوائفهم وخاصة في بيروت، وحركة لامركزية جمعت المنتفضين من بيئات طائفية ومذهبية محددة، في ساحات اعتصام في كل المحافظات اللبنانية.
 
هذه الجدلية بين الحركتين سمحت للمنتفضين بتبيّن اهمية كلٍّ من الجهد المركزي والجهد اللامركزي في إحداث التغيير في لبنان. وإذا كان البعض رأى ضعفًا في عجز الانتفاضة عن توحيد قيادتها، فأنا أرى جزءا منه نتيجة لهذه الدينامية الجدلية بين المركزي واللامركزي، التي يجب عدم القفز فوقها مثاليا، بل إعتبارها كعنصر محدد في آليات التغيير السياسي والاجتماعي في لبنان اليوم، وإيجاد الصيغ التنظيمية الملائمة لترجمتها على الارض.
في هذا السياق افهم الجمع بين العلمانية واللامركزية في شعارات الطلاب العلمانيين الذين ينتمون الى بيئات مذهبية وطائفية مختلفة، والذين شكلوا العصب الشبابي في الانتفاضة. ويبدو لي ان الطرحين يتساندان، فالعلمانية تخفف وطأة الطابع المذهبي او الطائفي لللامركزية، واللامركزية ربما سهّلت، كما سنرى، الوصول الى العلمانية.
 
لا أجد في التجارب العالمية، مثالا لدولة علمانية بمفهومها الغربي، تجمع بين جناحيها مسلمين ومسيحيين. الا اذا اعتبرناها علمانية، هذه الانظمة المستبدة في منطقتنا، التي تخفي هيمنة مذهبية على المستوى السياسي، في دولة متعددة الطوائف والمذاهب، وتبقي في الوقت نفسه القوانين المذهبية للاحول الشخصية، وتدخل رجال الدين في الميادين التعليمية والثقافية.
في المقابل ألاحظ ان الأنظمة الفيديرالية، على اساس لغوي او اتني او مذهبي مسيحي، تمكنت من إعتماد العلمانية في كلٍّ من مقاطعاتها. وربما كانت حظوظ العلمانية اكبر في البيئات المذهبية في لبنان، إذا مُهِّد لها بلامركزية موسعة، تسمح للقوى العلمانية في كل بيئة بخوض صراعاتها مع القوى المذهبية، دون تمكن هذه القوى الاخيرة من التحجج بخطر المذاهب الأخرى على مستوى السلطة اللامركزية. تعطب التجارب اللامركزية للإنتفاضة أرضا مجتمعية لهذا النوع من الصراعات، خاصة في البيئة المسيحية، التي تكثر فيها الانقسامات السياسية والتناقضات بين المراجع السياسية والدينية، مع هامش نسبي مقبول في مجال انتقاد رجال الدين.
 
٣- عقبات امام العلمانية
في الواقع يواجه السعي لإقرار العلمانية عندنا، عقبات ضخمة، اتوقف عند بعضها.
- طُرِحت العلمانية تاريخيا في لبنان، كجواب على مشكلة النظام الطائفي الذي أُعتُبر انه يولّد أزمات دورية تأخذ طابعا عنيفا في بعض الاحيان. ضعف هذا الطرح انه، في خلفيته، يشبّه النظام الطائفي بالنظام الرأسمالي. ففي حين يعتبر البعض، ان تجاوز أزمات النظام الرأسمالي الدورية يتطلب إلغاء النظام الرأسمالي نفسه واستبداله بنظام إشتراكي، يجري تطبيق هذا المنطق وبتبسيط كامل على النظام الطائفي، اي اعتبار ان تجاوز ازمات النظام الطائفي يتطلب أيضا إلغاءه واستبداله بنظام علماني. وقد ذهب البعض خلال الحرب الى الكلام عن "الطائفة الطبقة"، اي تشبيه الصراع الطائفي بالصراع الطبقي في النظام الرأسمالي، مما ادى عمليا الى تأجبج النزعات الطائفية.
الخطأ الاكبر في هذه المقاربة، انها من جهة تخلط بين آليات عمل النظام الاقتصادي وآليات عمل النظام الاجتماعي السياسي، ومن جهة أخرى تهمل ضرورة وجود قوى إجتماعية من مصلحتها التغيير. وهذا ما تجسد بالطبقة العمالية في النظام الرأسمالي، التي أفرزها النظام نفسه، في حين ان التجربة دلت على ان آليات عمل النظام الطائفي تنتج بصعوبة قوىً تناقض مصالحُها اسسَ هذا النظام وتعمل بالتالي على تغييره.
 
أضف الى ذلك انه جرت المبالغة بتحميل النظام الطائفي مسؤولية الازمات، في موازاة تقليل تأثير العوامل الخارجية خلال الحرب وبعدها، على اعتبار ان النظام هو سبب بنيوي اكثر تأثيرا من العوامل الأخرى التي اعتبرت ظرفية. مع العلم ان هذه العوامل الظرفية، وخاصة بسبب تعاقبها واستخدامها للقوة العسكرية، أدخلت تعديلات بنيوية على عمل النظام الطائفي نفسه. المثل الابرز اليوم هو دور "حزب الله" في تعديل آلية عمل النظام الطائفي من خلال ثلاثة تحولات بنيوية. فالنظام بات يعمل من خلال دينامية اساسية مذهبية (شيعية- سنية) وطائفية ملحقة (مسيحية- اسلامية)، يحركها عنصر القوة والعنف اكثر من عنصر السياسة، مع توجه ديني لدى "حزب الله" ميّزه عن القوى المذهبية والطائفية الاخرى، وأضاف بعدا جديدا نوعيا للنظام الطائفي التقليدي.
- تزايدت العقبات امام العلمانية مع التطور التاريخي في لبنان. ليس فقط لأن الحساسيات الطائفية والمذهبية تضاعفت بعد الحرب في لبنان وبعد الحروب المذهبية والطائفية في الإقليم العربي. بل لأن "النظام السياسي الطائفي" اصبح جزءا من نظام مذهبي سني- شيعي اقليمي، قائم على العنف وليس على السياسة، وتديره إيران. بحيث لم يعد في الإمكان الكلام عن تغيير النظام في لبنان دون الإخذ في الإعتبار إرادة النظام الاقليمي. أضف الى ذلك ان تصدّر "حزب الله"، وهو حزب ديني، القوى ذات التأثير السياسي في لبنان، ضاعف من صعوبات إقامة نظام علماني، ذلك ان هذه الخطوة باتت تتطلب حل "حزب الله" نفسه. فالتعريف المبدئي للعلمانية هو فصل الدين عن الدولة وعن العمل السياسي، واقرار قانون مدني للاحوال الشخصية.
 
- إرتبطت العلمانية في الغرب، كشكل من اشكال الحكم يفصل الدين عن الدولة، بصعود الطبقة البورجوازية طبقيا وصراعها مع السلطة الكنسية التي كانت لها كلمتها السياسية في اطار مؤسسات الدولة، فضلا عن دور الدين في التعليم والثقافة وشؤون المجتمع. وقد اتخذ هذا الصراع طابعا دمويا في فرنسا مثلا واستمر لسنوات عديدة، حتى بعد الثورة الفرنسية. المشهد في لبنان مختلف تماما، حيث يغيب الطابع الطبقي الواضح في تركيبة الجماعة العلمانية، الطالبية او غيرها، وحيث تختفي نسبيا المواجهة المباشرة مع السلطات الدينية، التي لا صلاحيات سياسية رسمية لها في مؤسسات الدولة، والتي يتمظهر تأثيرها الاوضح في التعليم والثقافة وقوانين الاحوال الشخصية وما يرتبط بها من مؤسسات. كما يغيب نسبيا الصراع الثقافي بين القيم العلمانية والقيم الدينية، وهناك شبه صمت في ما يتعلق بنقد الفكر الديني. كل ذلك في إطار علاقة ملتبسة بين المرجعيات السياسية المذهبية من جهة والمرجعيات الدينية من جهة أخرى، التي تتواجه أحيانا وتتساند في أغلب الاحيان. ولا بد هنا من الاشارة الى محاولات تاريخية من قبل رجال دين متنورين من مثل غريغوار حداد وهاني فحص وعبدالله العلايلي ومحمد حسن الامين، للتوفيق بين الدين والعلمانية، بعيدا من الصراعات التي شهدتها البلدان الغربية، وفي إتجاه نوع من "العلمنة المؤمنة" كما كان يقول محمد حسن الامين، الذي خسرناه مؤخرا.
 
٤- عقبات امام اللامركزية
بدورها تواجه اللامركزية صعوبات إضافية بسبب التطورات الأخيرة نفسها التي عرفها لبنان. فهذه اللامركزية في لبنان، تُطرح في الظروف الحالية، في إطار ما هو أشبه بفيديرالية او بكونفيديرالية إقليمية، تضم لبنان وسوريا والعراق، وتهيمن عليها إيران من خارج ومن داخل حدودها. كما ان قيام اللامركزية في لبنان، في وظائفها الادارية والتنموية، يفترض حل مشكلة "دويلة" "حزب الله"، المستقلة اقتصاديا وماليا وامنيا وثقافيا، والتي تنسج علاقاتها الخارجية بحرية كاملة. وهذا ما يتناقض مع اللامركزية، وهو اقرب الى التقسيم الفعلي على أرض لبنان.
 
في ظل الازمة الاقتصادية والمالية والمعيشية التي يعيشها لبنان واللبنانيون، تحتاج المعالجات الى سياسات مركزية ولامركزية منسقة. واذا كانت المعالجات الإغاثية التي تقوم بها الاحزاب المذهبية على المستوى اللامركزي هي الغالبة اليوم، في ظل فراغ حكومي وتقاعس من المسؤولين، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه، يقوّي احتمالات توسع المعالجات اللامركزية من قبل الاحزاب المذهبية، وصولا الى المهام الامنية.
 
٥ مفهوم ثالث: العدالة الاجتماعية
لطالما حملت الأطروحات اللامركزية، الى جانب بعدها الإداري، بعدا اجتماعيا وتنمويا، يعمل من اجل توزيع عادل للثروة بين المناطق والفئات الاجتماعية، في إطار سياسات تنموية تدعم القطاعات الاقتصادية وخاصة تلك الأكثر قدرة على النمو وعلى استيعاب يد عاملة جديدة وامتصاص البطالة. حتى ان الافكار الاشتراكية، التي غلبت عليها النزعة المركزية داخل الاتجاه اللينيني الماركسي، قابلتها نزعة أخرى، مثّلها الفرنسي جوزف برودون، تروّج للفيديرالية كشكل اكثر ديموقراطية، يحافظ على حرية الفرد تجاه الدولة ويعطيه دورا اكبر في إدارة شؤونه. من الملاحظ ان هذه النزعة الاخيرة شبه غائبة في اوساط اليسار اللبناني لصالح النزعة المركزية.
 
نتلمس هنا اهمية مفهوم ثالث تحتاجه العلمانية واللامركزية وخاصة في ظروف لبنان، الا وهو مفهوم العدالة الاجتماعية. لا اعتقد انها مصادفة ان ترفع "شبكة مدى" شعارا يجمع المفاهيم الثلاثة: علمانية، لامركزية وعدالة اجتماعية. وهذا ما جعلني أختار لمقالي المنشور في "النهار" مع بداية السنة الحالية عنوان "الطالب المطالب أمل يلوح في افق ٢٠٢١". وانا بالطبع انظر الى هذا الامل على المدى البعيد، اذا سمحت التطورات بتقاطع عوامل مساعدة، معظمها للاسف غير متوافر اليوم.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم