السبت - 24 تشرين الأول 2020
بيروت 34 °

إعلان

الاقتصاد الرقمي: خيار بديل في لبنان؟

عام على الثورة (نبيل اسماعيل).
عام على الثورة (نبيل اسماعيل).
A+ A-
 
كريم مرهج وإلينا قريشي
 
 
في ظلّ التحدّيات الخطيرة التي يواجهها لبنان، من حوكمة فاشلة، وانهيار اقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت وما نتج عنه من أزمة إنسانيّة، هل يمكن للاقتصاد الرقمي أن يلعب دورًا في التغلّب على هذه التحدّيات؟

يشير مصطلح "الاقتصاد الرقمي" إلى اقتصاد تكون فيه وسائل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الأساسيّة رقميّة، و"يدور في فلك الشركات والصناعات والمؤسّسات والمستهلكين، الذين يعملون، بشكل واضح، في إنشاء المنتجات الرقميّة وبيعها واستهلاكها". لا يُعدُّ المصطلح غريبًا على الخطاب الشائع في لبنان، فقد ورد مرّات عدّة في البيانات الوزاريّة، وفي "رؤية لبنان الاقتصاديّة" التي أعدَّتها شركة "ماكينزي"، وكذلك في استراتيجيّة التحوُّل الرقمي لعام 2018 الصادرة عن مكتب وزير الدولة للتنمية الإداريّة (OMSAR). في كانون الأوّل 2019، أنشأت الحكومة، في حينها، وزارة دولة للاستثمار والتكنولوجيا، التي كان هدفها التركيز على اقتصاد المعرفة، وتسهيل ممارسة الأعمال، وتشجيع الاستثمارات الأجنبيّة، بهدف دعم اقتصاد المعرفة كجزء مُنتج ضمن القطاع الخاص.

تكمن أهمّية الاقتصاد الرقمي في قدرته على مواجهة العديد من المشاكل الأساسية في لبنان، وعلى إيجاد فرص عمل مناسبة لليد العاملة الشابة والماهرة وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلد باعتباره قطاعًا اقتصاديًا حيّويًا ومنتجًا. وفيما يستمرّ العالم في مواجهة الأزمات والتحديّات الاقتصادية المُرتبطة بجائحة كورونا، تشكّل التحوّلات الرقميّة منقذًا محتملًا للشركات من حتميّة الإغلاق، نسبةً إلى الفرص الهائلة التي توفّرها والتي يمكن الاستفادة منها.

إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة 80 إلى 90% من المقيمين في لبنان يمكنهم الوصول إلى خدمة الإنترنت، بالإضافة إلى وجود سوق كبيرة للإنترنت جاهزة لبناء اقتصاد رقمي من خلالها.
قدرات لبنان الرقمية

تتمثّل ثروة لبنان الأكبر بسكّانه. يُبيّن برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي أن نحو 30% من مجمل المقيمين فيه تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، وهي فئة حائزة على تعليم جيّد، إذ يبلغ معدّل الإلمام بالقراءة والكتابة ضمن هذه الفئة 99.75%. بالإضافة الى ذلك، يكشف تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التعليم الثانوي والجامعي شائع في لبنان، وأن من السهل العثور على موظّفين كفوئين لسوق العمل. ووفقُا للمقارنات الإقليميّة، يمتلك قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في لبنان ميزة مهمة مرتبطة برأس ماله البشري، كون "الوافدين الجُدد إلى سوق العمل هم غالبًا ذوو مهارات عالية، ويجيدون لغات عدّة، وأجورهم تنافسيّة".

بُذِلت بعض الجهود الفعليّة لتطوير الاقتصاد الرقمي في لبنان. وعلى الرغم من بعض الشوائب، وفّر تعميم مصرف لبنان 331 الصادر في العام 2014، تمويلًا لروّاد الأعمال وإطارًا للمصارف للاستثمار في الشركات الناشئة ما أدّى إلى زيادة لافتة في هذه الاستثمارات. نتيجة ذلك، تبلور نظام في القطاع الخاصّ لدعم الشركات الناشئة، من تمويل وتطوير، اذ سجّل مسرّع الأعمال speed في منطقة بيروت الرقميّة، 11 حاضنة أعمال، و15 منظّمة دعم، و13 صندوقاً لتمويل الشركات الناشئة، وبلغ حجم استثماراتها نحو 459 مليون دولار، في حين قدّمت حاضنة الأعمال Berytech نموذجًا لكيفيّة تحقيق أنظمة روّاد الأعمال فوائد كبيرة، إذ وفّرت استثماراتها القائمة منذ العام 2002، والبالغة نحو 70 مليون دولار، نحو ألفي وظيفة.

يُعتبر مشهد الشركات التكنولوجيّة اللبنانيّة الناشئة واعدًا بشكل عام، وهو أمر مُعترف به دوليًا، بحيث يصنِّف المؤشّر العالمي لريادة الأعمال والتنمية لبنان في المرتبة 59 من أصل 137 بلدًا، فيما يحلّ لبنان في المرتبة الرابعة في "نشاط ريادة المنتجات الجديدة" وفق تصنيف "إنسياد" للقدرة التنافسيّة العالميّة لعام 2019. مع الإشارة الى ان مسرّع الأعمال، UK Lebanon Tech Hub سجّل قصص نجاح عديدة مثل Proximie، وهي منصّة للواقع المُعزّز تجري عمليّات جراحيّة عن بعد.

العوائق المحتملة

لا يعتبر ازدهار قطاع الشركات الناشئة في لبنان منيعًا ضد العوائق التي تواجهه. إذ يؤدي ضعف البنية التحتيّة الأساسيّة، وضعف الحوكمة في القطاع العام، الذي يتّسم بعدم كفاية الأداء الحكومي الإلكتروني وانخفاض المعرفة التقنيّة بين الموظّفين العامّين، إلى إعاقة هذه الإمكانات. في الواقع، لا تفاقم الأزمة الاقتصاديّة الراهنة ونمو معدّل البطالة حدّة العوائق الهيكليّة فحسب، بل تشكّل حاجة ضرورية لإيجاد الحلول لها.

تُعتبر البنية التحتيّة الأساسيّة، ربّما، العامل الأهم المفقود في الاقتصاد الرقمي في لبنان. على سبيل المثال، يكاد يكون من المستحيل الحصول على كهرباء على مدار الساعة، لا سيّما خلال الأزمة الاقتصاديّة الراهنة، من دون وجود مولّد كهربائي، الذي قد تكون كلفته باهظة جدًّا على الشركات. في هذا السياق، بيّنت دراسة استقصائيّة، أعدّها صندوق النقد الدولي في العام 2019، أن نقص الكهرباء هو ثاني أكبر عائق أمام القدرة التنافسيّة في لبنان.

كما يشير غالبًا، المشاركون في الاقتصاد الرقمي اللبناني إلى وجود ثغرات في التنظيم والإطار التشريعي، ما يعتبرونه عائقًا أمام الشركات الناشئة، بحيث يتوقّع المستثمرون توفّر مستوى أساسي من الأمن والاستقرار. تناولت وزارة الدولة للاستثمار والتكنولوجيا هذه الإشكاليّة في خطّة عملها لعامي 2019-2020، والتي تهدف إلى تنفيذ القوانين المُتعلّقة بالأمن السيبراني وخصوصيّة البيانات من ضمن قضايا عديدة، إذ أغفل قانون المعاملات الإلكترونيّة في العام 2018 العديد من القضايا المُتعلّقة بحماية البيانات، وأثار العديد من الانتقادات.

فضلاً عن ذلك، يؤدّي نقص خدمات الحكومة الإلكترونيّة إلى إبطاء عملية إطلاق الأعمال. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإرساء الحكومة الإلكترونيّة على مدى عقود طويلة، إلّا أنها لم تُحرز سوى تقدّم ضئيل مرتبط بتوفير بعض الخدمات عبر الإنترنت. وفيما تمتلك العديد من الوزارات والهيئات العامّة مواقع إلكترونيّة وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تنشر من خلالها المعلومات الأساسيّة، إلا أن ّأمن الخدمات الحكوميّة التي يمكن إجراؤها عبر الإنترنت ضئيلة. تقرُّ استراتيجيّة التحوُّل الرقمي لعام 2018، الصادرة عن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، بإمكانات لبنان للتحوّل إلى مركز تنافسي دولي للاقتصاد الرقمي في المنطقة، لكن مجلس الوزراء لم يتبنَّاها رسميًا.

أخيرًا، على الرغم من المستوى التعليمي الجيد للقوى العاملة لكن لا يزال هناك فجوة في المهارات المُرتبطة باقتصاد المعرفة. تتمتّع القوى العاملة اللبنانية بتعليم جيّد في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيّات، لكن الجامعات تعرّضت لانتقادات لعدم منح المهارات التقنية والعملية الأهمية اللازمة، ولبطء في تحديث المناهج وتطويرها. إلى ذلك، يعتبر التركيز المفرط على العلوم النظرية، ونقص التنسيق بين الجامعات والقطاع الخاص، سببًا في فشل تزويد الطلاب بأكثر الأدوات ابتكارًا والمعرفة التي يتطلبها السوق.

المضي قدمًا: تسخير الأدوات الرقميّة للخروج من الأزمة

لا ينبغي اعتبار الاقتصاد الرقمي حلاً بعيد المنال، كونه قطاعًا فرعيًا يدخل ضمن كلّ القطاعات الاقتصاديّة. تقدّم الأزمة الاقتصادية، على الرغم من شدتها، فرصًا للتغيير.

أوّلاً، لقد حفّزت الظروف الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد أكثر إنتاجيّة. بالإضافة إلى أن تخفيض قيمة العملة وفرض قيود مصرفيّة جعلت الهجرة والدراسة في الخارج أكثر صعوبة وتكلفة، وهو ما قد يقلل من هجرة الأدمغة من لبنان ويحافظ على الشباب المتعلِّم، على أمل، أن يساهموا في سوق عمل أكثر إنتاجيّة وابتكارًا. كما يمكن أن يكون المغتربون اللبنانيون مصدرًا مهمًّا للتواصل والاستثمار، فتساهم المبادرات مثل LIFE، وهي شبكة عالميّة تضمّ مهنيين لبنانيين مغتربين في ربط المستثمرين بروّاد الأعمال والشباب في لبنان. وبعيدًا عن العمل الخيري، يمكن لهذه الاستثمارات أن تولِّد فرص عمل وأن تساهم في الاقتصاد. محلّيًا، بُذِل العديد من الجهود على المستوى الرقمي للتعامل مع الأزمة الاقتصاديّة، إذ توفِّر منصّات مثل Jobs For Lebanon وLibanTroc فرصًا لنقل عمليّات التوظيف والشراء إلى شبكة الإنترنت، وربط الأفراد المُحتاجين بالقادرين على مساعدتهم بشكل أفضل. وبالتالي، يساهم توافر الشركات على شبكة الانترنت في نموّ، الاقتصاد الرقمي.

من الواضح أن النظام الاقتصادي الحالي في لبنان، الذي يعتمد بشكل رئيس على السياحة وتحويلات المغتربين والمساعدات الدولية، لم يؤدِّ إلى خلق اختلالات اقتصاديّة وتفاوتات اجتماعيّة واقتصاديّة حادّة فحسب، بل شكّل بذاته نظامًا غير مُستدام ومبنيًا على أسس هشّة. وفيما يمضي لبنان في انهياره المُتعدد الأوجه، يصبح التفكير بالبدائل الاقتصاديّة أمرًا عاجلًا لا بدّ منه. هنا، يُعدّ الاقتصاد الرقمي مجالًا واعدًا للاستفادة منه، وربّما لا يكون الحلّ السحري للأزمة الاقتصاديّة في لبنان، لكنّه بلا شكّ جانب مهمٌّ من أي حلّ قد يُرسى.
 
معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة*
 
الكلمات الدالة