الأحد - 14 نيسان 2024

إعلان

نهاية اليمين الأميركي المحافظ

رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ترفع بيان إقالة الرئيس دونالد ترامب بعد تصويت المجلس على عزله، في مبنى الكابيتول (أ ف ب).
رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ترفع بيان إقالة الرئيس دونالد ترامب بعد تصويت المجلس على عزله، في مبنى الكابيتول (أ ف ب).
A+ A-
حسين عبد الحسين
 
شكّلت الحقبة الممتدة بين انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في تشرين الثاني 2016 واجتياح مناصريه مبنى الكونغرس في كانون الثاني 2021 سنوات مشت فيها الولايات المتحدة عكس مجرى التاريخ، الذي يسير بخطى حثيثة نحو عولمة كاملة، وأكّدت تجربة ترامب استحالة وقف الزمن. 
 
أميركا تربعت على عرش العالم بعدما هزمت باقي الإمبراطوريات في الحرب العالمية الثانية، والسوفيات في الحرب الباردة. لكن قوة أميركا لا تعني خلوها من المشاكل، بل هي مرتبطة بقدرتها على التطور في وجه معارضة التقليديين والمحافظين. والمحافظون في الولايات المتحدة غالبيتهم على مذهب البروتستانتية، الأكثر تحرراً من الكاثوليكية، فكنائس البروتستانت أكثر بساطة، لا من أيقونات وفخامة مثل الكنائس التقليدية، ولا ثياب تقليدية أو ذهب يميز رجال الدين البروتستانت عن رعيتهم، والعلاقة بين البروتستانتي والقداسة مباشرة لا وساطة للكنيسة فيها. والبروتستانتية سمحت بتطور الشخصانية، وقوّضت القبلية والجماعة، وسمحت بانتشار ما يعرف بـ"الأخلاق البروتستانتية"، وهذه فتحت الباب بدورها للجدارة الفردية على حساب الخمول الذي يختبئ خلف الجماعة.
 
لكن البروتستانتية نفسها لم تكن من دون خطيئة، فلم تتنبه للمشكلة الأخلاقية الناجمة عن العبودية الا متأخرة، وخاضت حرباً أهلية لتخليص نفسها من شياطينها ومن الاستعباد. على أن العادات الاجتماعية لا تتغير بسرعة التغيير الفكري بين النخب، فواصلت أميركا نموها اقتصادياً وعلمياً، لكنها رمت بغير البيض خارج النعيم الذي تمتعت به غالبية البيض. 
 
ويوم ثار القس البروتستانتي الأسود مارتن لوثر كينغ على التمييز العنصري وقاد "حركة الحقوق المدنية"، لم يطالب بحصة للسود بل طالب بقبول البيض "استيعاب" السود، وقبول اندماجهم في المجتمع، وإلغاء التمييز. لكن على عكس كينغ، قامت حركات ضد "الاستيعاب"، منها بين السود، وطالبت بتكريس اختلافها وبحصة لها، وأصرت على هوية خاصة بها مستوحاة من تاريخها الأفريقي ومن العبودية، وهذه مطالبات أقلقت البيض، إذ هم اعتقدوا أن الهوية الثقافية البيضاء للبلاد كانت سبب صعودها وعظمتها.
 
وبلغ رفض "الاستيعاب" ذروته في السبعينات من القرن الماضي، وكرّس الإيطاليون الأميركيون، مثلاً، إيطاليتهم، وتم انتاج فيلم "العرّاب" في هذا السياق، ومثلهم قدم الإيرلنديون ثقافتهم، وأطلق السود شعورهم وراحوا يلبسون ملابس أفريقية للتباهي بحضارتهم، ومثلهم فعل الآسيويون وغيرهم.
 
رأى البيض صعود الهويات الثقافية للأقليات الإثنية تهديداً لهويتهم، فوجدوا ضالتهم بالكنائس البروتستانتية، وكانت عودة الى التدين في الثمانينات من القرن الماضي، ونشأ "الحزام الإنجيلي" في الولايات ذات الغالبية البروتستانتية البيضاء، وربط البيض هويتهم بنجاحاتهم الاقتصادية وقوة أميركا العسكرية، وبلغت العصبية المسيحية البيضاء ذروتها مع انتخاب رونالد ريغان، الذي وعد بالعودة الى الماضي الذهبي - أي ما قبل الأقليات - لمحو التعثرين الاقتصادي، والعسكري الذي تلى حرب فيتنام. 
 
عهد ريغان صاغ هوية اليمين المسيحي الأميركي الأبيض، المتمركز في "الحزب الجمهوري"، وهو الوعد الذي كرره كل المرشحين الجمهوريين للرئاسة بعده، خصوصاً أن زمن ريغان صادف مع فورة اقتصادية وانتصار على السوفيات. وعزز زمن ريغان المزج بين هوية المحافظين المسيحية وبين اقتصاد السوق الحر. واعتبر الجمهوريون أن الانفتاح التجاري على العالم، بل العولمة نفسها، ستكون بمصلحة أميركا، لأن "الأميركي بطبعه متفوق"، وسيغزو العالم.
 
غزت الشركات الأميركية فعلياً العالم، وعزز اختراع أميركا الإنترنت العولمة في شكل غير مسبوق. لكن المسيحيين المحافظين العاديين لا يملكون شركات ليفيدوا من انخفاض تكلفة العمالة في الصين وغيرها، بل إن العولمة أطاحت بالأعمال التي تتطلب مهارات متواضعة، وحصرت التنافس بأصحاب المهارات المتفوقة عالمياً، أي خريجي الجامعات. هكذا، أقفلت معامل الريف الأميركي وتضخمت المدن، حيث الجامعات والأعمال القادرة على التنافس في السوق العالمية، وانقلب سحر العولمة على سحرته من قادة "الحزب الجمهوري".
 
ومع الانفصال بين قادة الحزب الأثرياء وقاعدتهم من الأقل دخلاً، راح السياسيون الجمهوريون يلجأون الى الشعبوية للحفاظ على ولاء قاعدتهم، وراحوا يخوضون معارك دينية واجتماعية، مثل الإجهاض والمثلية الجنسية، لتشتيت انتباه قاعدتهم عن العولمة التي تتطلب برامج حكومية لتطوير المهارات الأميركية، ومساعدتها على التنافس في الاقتصاد العالمي، على غرار ما تفعل ألمانيا. لكن قادة "الحزب الجمهوري"، وهم من كبار المتمولين وأصحاب الشركات، كانوا يسعون في الوقت نفسه لتخفيض الضرائب لزيادة أرباحهم، وهو ما تزامن مع تخفيض الانفاق الحكومي، والمزيد من الأسى للقاعدة الجمهورية.
 
ومع خروج الرئيس جورج بوش الابن من الحكم، كانت قاعدة "الحزب الجمهوريط انفصلت تماماً عن القيادة. القاعدة كانت ترغب في اقفال الحدود أمام تدفق المهاجرين لوقف تدني الرواتب، أما القادة من أصحاب الشركات، ومنهم ترامب، فهم يبحثون عادة عن العمال الأقل تكلفة، وهؤلاء عادة من المهاجرين. كذلك الأمر بالنسبة إلى نخبة الجمهوريين التي تناسب أعمالهم معامل أقل تكلفة في الصين من المعامل الأكثر تكلفة في ولاياتهم الجمهورية. ومع تطور قاعدة الجمهوريين اجتماعياً، خصوصاً حول مواضيع كالمثلية الجنسية، صارت القاعدة الجمهورية ترى في الحزب الديموقراطي، الذي يتبنى سياسات حكومية لصالح العاملين على حساب أرباب العمل، خياراً أفضل.
 
هكذا، فاز الجمهوريون بغالبية الأصوات في الانتخابات الرئاسية مرة واحدة منذ عام 1988، فيما تفوّق الديموقراطيون شعبياً في كل الانتخابات الرئاسية باستثناء 2004، ولولا الكلية الانتخابية، والتلاعب برسم الدوائر الكونغرسية، أي أنه لو كان التصويت في أميركا شعبياً بحتاً، لجلس الجمهوريون خارج الحكم على مدى عقدين. 
 
ثم جاء ترامب بتواضعه الفكري وشعبويته الخارقة، واستخدم وسائل "الحزب الجمهوري" في تخويف القاعدة من الأقليات أو من الديموقراطيين، وعزز اتهامه لهم بالاشتراكية زوراً، وعزز نزعة نظريات المؤامرة التي تنتشر بين الأقل ثقافة. ونجح ترامب في تقسيم حزبه: قاعدة من الريفيين الفقراء السذج سياسياً، وقيادة من المستفيدين الذين يعيشون حياة باذخة لا تتوافق والأخلاق المسيحية التي يبشرون بها، فترامب، في حياته الشخصية وأعماله المالية، هو عكس كل مبادئ قاعدته. كذلك استغل ترامب أدوات التضليل التي كان ابتكرها الجمهوريون، مثل التشكيك بالحقائق وبالاعلام. 
 
لكن ترامب خطى أبعد مما يمكن حتى للقيادة الجمهورية نفسها أن تقبله، اذ هو قام بأمرين هما بمثابة الكفر لدى كل الأميركيين، باستثناء مناصريه المغرر بهم. أولاً، رفض ترامب نتائج الانتخابات على عكس تقليد أميركي قائم منذ قيام الدولة، وثانياً، حاول استخدام العنف لتهديد خصومه وفرض إدارته في عملية اجتياح أنصاره الكونغرس. انتهى ترامب، وانتهت الحركة اليمينية المحافظة في أميركا، ولن تعود الى الحياة ما لم يظهر فيها قادة ممن يعيدونها الى صوابها والى المسيحية التي تنادي بها.
 
والمسيحية لا تقدس السلاح، على ما تفعل قاعدة ترامب، بل إن المسيح يدعو الى "تقديم الخد الآخر"، والمسيحية لا تمجد الثراء، بل إن الإنجيل يقول إن الثري لا يدخل الملكوت إلا إنْ دخل الجمل خرم الإبرة، والمسيحية لا تدعو للتمييز على أساس العرق، بل تتوجه الى جميع الأعراق - بلا تمييز - للإيمان بالخلاص الإلهي. هكذا، الى أن يظهر قادة ممن يعيدون القاعدة الجمهورية الى صوابها، ويزاوجون بين المسيحية وبين الأهداف السياسية لـ"الحزب الجمهوريط، ويعدّون الجمهوريين للتنافس في اقتصاد يزداد عولمة مع مرور الساعات، يمكن القول إن اليمين الأميركي المحافظ انتهى، على الأقل حتى اشعار آخر.
 
*باحث عراقي مقيم في واشنطن
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم