الإثنين - 04 تموز 2022
بيروت 29 °

إعلان

ملفّات بايدن السعودية

المصدر: "النهار"
د. خالد محمد باطرفي
بادين والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.
بادين والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.
A+ A-
بعد اسابيع من التلميح والتصريح، والتسريبات الاعلامية، "قطعت جهيزة قول كل خطيب"، وأعلن البيت الأبيض خطته لزيارة السعودية يومي 15 - 16 يوليو ، ولقاء الرئيس جو بايدن بالعاهل السعودي وولي عهده تلبية لدعوة من الملك سلمان وبحضور زعماء دول الخليج ومصر والاردن والعراق  "من أجل الأمن لا النفط"!
فيما تشير التسريبات الى عدد أكبر من الملفات الشائكة والهامة في حقيبة الرئيس، والتي نوقشت خلال زيارة الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع، الشهر الماضي، للولايات المتّحدة، ولقاءاته مع عدد كبير من أركان الإدارة الأميركيّة و"البنتاغون" والخارجيّة و"الكونغرس". وخلال اللقاءات التي سبقت والتي تلت في الرياض وواشنطن بين مسؤولين ودبلوماسيّين كبار.

مصالح لا مبادئ
وفي كلّ الأحوال، فقد كان لسان حال الموقف السعودي: يأتي الرئيس بايدن أو لا يأتي، يلتقي بولّي العهد السعودي، أو لا يلتقي، يتجاوز "قميص خاشقجي" وأسطوانة حقوق الإنسان التي فضحتها جرائم الحرب في العراق وأفغانستان، أو لا يتجاوز. لم يعد كلّ ذلك مهما، ففي نهاية المطاف يتلخّص موقف أيّ قيادة أنّه "إذا تكلّمنا فكلّنا أصحاب مبادئ، وإذا عملنا فكلّنا أصحاب مصالح".

ورئيس الولايات المتّحدة لم ينتخب لفرض رؤيته أو رؤية حزبه وطريقة حياة الشعب الأميركيّ على الحكومات والشعوب الأخرى. وإنّما للدفاع عن مصالح بلاده، وخدمة احتياجات وتطلّعات دافعي الضرائب. وأيّ سياسة لا تحقّق ذلك، ستنتهي بخروج القيادة وحزبها من سباق الانتخابات القادمة.

وقد عبّر عن ذلك الموقف بوضوح الأمير محمد بن سلمان في لقائه مع صحيفة "أتلانتيك" عندما قال ردّاً على سؤال عما إذا كان يعتقد أنّ الرئيس الأميركيّ لم يفهمه، وكيف يمكن إيصال وجهة نظره: "بصراحة لا يهمّني أن يفهمني أو لا يفهمني، فما يعني أيّ رئيس هو خدمة مصالح بلده. والسعودية بدروها تعمل على خدمة مصالحها سواء مع أميركا أو الصين أو غيرهما. وحاليّاً يميل الميزان الاستثماريّ لصالح الصين".


من الشعار الى المسار
على هذه المسطرة، يسأل المراقبون ما الذي تغير خلال عام ونصف، فأخرج الرئيس من البرج العاجيّ الذي تزخرفه الشعارات اليسارية والليبرالية والتقدميّة المتطرّفة، الى مسار السياسة الواقعية التي تلبي احتياجات بلاده وتطلعات شعبه والتزاماته تجاه حلفائه؟ وما الذي أقنعه بالتحوّل الكامل من معاد للسعودية، ومتوعّد بإخراجها من دائرة الدول الفاعلة على الساحة الدولية لدائرة الدول المنبوذة، ليصبح مدافعاً عن علاقات بلاده معها ومعدّداً لإنجازاتها وأهميتها لمصلحة الأمن والسلام والرخاء في الشرق الأوسط والعالم؟

أهمية الإجابة على هذه الأسئلة المكرّرة أنّها تساعد على تبيّن الملفّات التي سيحملها الرئيس في زيارته المرتقبة، ويحملها مساعدوه في كلّ زيارة ولقاء. فالعالم تبدّلت خارطته أكثر من مرّة في السنتين الأخيرتين، وتعدّدت الأزمات وتداعياتها، وفرضت هذه التبدّلات نفسها على استراتيجية كافة الدول، وخاصّة تلك المنخرطة في صراع الأقطاب الذي شكّلته وأفرزته الأزمة الأوكرانية والتايوانية. فما قيل في العامين الماضيين (2020 -2021)، أنّ ما بعد كورونا ليس كما قبلها، يمكن قوله في 2022 أنّ ما بعد أوكرانيا وتايوان ليس كما قبلهما. ولا أعني بذلك حرباً باردة، بل ساخنة وربما مشتعلة، حارقة.

الأزمة الروسية الأوكرانية
ولذلك تصدّرت قائمة هذه الملفات مساحة الاختلاف بين الشريكين الأميركي والسعودي وحلفائهما حول ردود الفعل المطلوبة تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، والعلاقات الخليجية والعربية مع القطب الثنائيّ "الروسيّ- الصينيّ". فواشنطن تريد منّا عرباً ومسلمين المشاركة في جبهة موحّدة تدين روسيا بلا لبس أو التباس. والرياض تصرّ أنّ مصالحها ومصالح حلفائها لا تتقاطع مع المصالح الغربية في هذا الصدد، ورؤيتها للنزاع تمتدّ لمساحة أوسع من حلقة الغزو، وتشمل ما قبلها من حلقات وما حولها من تداعيات، بما في ذلك الأسباب التي دفعت موسكو الى الفخّ.

ولأنّ القضية تعني بشكل مباشر طرفين صديقين لدول الخليج، روسيا وأوكرانيا، فإنّ من مصلحتهما ومصلحة العرب والعالم أن تتمّ معالجتها على طاولة التفاوض والحوار، ولدى الرياض وأشقائها الخليجيّين ما يمكن المساهمة به كوسيط محايد مرحّب به من الطرفين.

وقد اتّضح ذلك جليّاً خلال زيارة وزير الخارجيّة الروسيّ، سيرجي لافروف مطلع الشهر الحاليّ، عندما اجتمع مع نظرائه في مجلس التعاون الخليجي، ثمّ التقى الوزراء الخليجيون بوزير خارجية أوكرانيا، ديميترو كوليبا، عبر التواصل المرئيّ. ورغم أنّه لم ترشح تفاصيل ما دار فيه، إلّا أنّ التوقيت يشي بأهدافه، ويؤكّد الموقف الحياديّ لدول الخليج.

عدم الانحياز
كما أنّ مصلحة المنتج والمستهلك في سوق الطاقة يحققها صمود تحالف أوبك + الذي تقوده السعودية وروسيا، كما ثبت خلال السنوات الماضية، خاصّة بعد الهبوط الكارثيّ لأسعار النفط نتيجة لأزمة كورونا وسباق التحدّي السعودي الروسي.

ومن مصلحة البلدان العربية التي تربطها مصالح استراتيجية مع روسيا في مجالات عديدة لعلّ أهمّها أمن الغذاء، ألّا تضحّي بتلك الشراكة، وألّا تشارك في حملة الشيطنة والعقوبات الغربية. وألّا تتجاوز ما تمّ الاتفاق عليه في أوبك. على أن يتمّ طرح ومناقشة أيّ مستجدات واحتياجات تتطلّب تعديلات في مستوى الإنتاج على بقية الأعضاء، بمن فيهم خصوم أميركا، روسيا وفنزويلا وإيران.

أمّا بالنسبة إلى الصين، فإنّ رؤية السعودية تتوافق مع دول عدم الانحياز في أنّ السباق المحموم نحو قيادة العالم والسيطرة على أسواقه وموارده ومنظّماته الأمميّة مسألة تخصّ أطراف السباق، وليس من مصلحة هذه الدول الانحياز الى هذا الطرف أو ذاك. بل أنّ توازن العالم واستقراره وأمنه يتطلّب معادلة لا يسود فيها قطب على آخر.

لست معك ولا ضدّك
وخلال العقود الثلاثة الماضية، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، جرّبنا سيادة الغرب الأحادية وهيمنته على المشهد الدولي، ولم ينلنا منه ذلك خيراً. وفي غياب الثقة بالحلفاء الغربيين، بعد إشعالهم للثورة الخمينية ودعمهم لها، على حساب حليف موثوق، شاه إيران، محمد رضا بهلوي، وتآمرهم مع إيران وتركيا والإخوان المسلمين في "الربيع العربي" ضدّ حلفائهم العرب، وتخلّيهم عن دول الخليج في مواجهتها لمليشيات إيران وقرصنتها وإرهابها، كان لا بدّ من توثيق التحالف العربي والإسلامي، وتوزيع الشراكات بين قوى العالم الأخرى، والتمسّك بالحياد والنأي بالنفس تجاه الصراعات الدولية.

ولا شكّ أنّ واشنطن باتت تدرك أنّ العودة الى سياسة "من ليس معي فهو ضدّي" لن تجدي مع الرياض وحلفائها، وبات أقصى ما تطمح اليه ميل ميزان الاستثمارات السعودية لصالح السوق الأميركية، بعد تسارعها في السنوات الماضية باتّجاه السوق الصينية والآسيوية. وعدم تسعير النفط باليوان أو الروبل أو حتّى اليورو في المعاملات الثنائيّة مع الدول المستهلكة، لأنّ ذلك يعني الإطاحة بعرش الدولار، العملة الوحيدة للتسعير حتى تاريخه، والأكثر اعتماديّة في المعاملات التجارية الدولية.

بريكس أم الناتو
كما يثير قلق واشنطن مشاركة السعودية في مؤتمر بريكس 2022 كضيف، ودعوتها للانضمام كعضو كامل في التحالف الذي أنشئ عام 2008 معلناً تأسيس نظام عالميّ ثنائي القطبية، يضمّ أسرع اقتصاديات العالم نموّاً، روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ويشمل في المئة من سكان الارض و27 في المئة من مساحتها.

وربما يعرض الرئيس بايدن على الرياض، من جديد، الدخول مع الناتو في شراكة دائمة تضمن لها مظلّة الحماية دون التزام بالمشاركة في حروب وصراعات لا تريد التورّط فيها. وتوقيع اتفاقية السوق الحرّة بين الاتّحاد الأوروبي مع مجلس التعاون الخليجي، مع منح دولها مزايا تفضيلية في السوق الأميركية.

مخاوف الاستثمار
وقد يقدّم الرئيس الأميركي حلولاً أو إجابات مطمئنة لمخاوف الاستثمار تجاه القوانين التعسّفية المهدّدة للدول النفطية وخاصّة العربية، كقانون "فاتكا" لمحاسبة المتورّطين في أحداث أيلول (سبتمبر)، و“نوبك" لمعاقبة دول أوبك، وبعد المصادرات العدوانية، غير القانونية، للأرصدة الروسية، الحكومية والخاصة.

ويتوقّع أن تصرّ الرياض على شروط عقود مشتريات الأسلحة والمنتجات الأميركية لضمان توطين نصف المحتوى ونقل الخبرة والتقنية. وأن تتلقّى مقابل استثماراتها استثمارات أميركية مماثلة، وخاصة في مجالات الطاقة النووية والمتجدّدة والتنمية المستدامة والذكاء الصناعي والطيران والفضاء والصناعات العسكرية.

ويتوقّع السعوديون أن تتخلى واشنطن عن شروطها المقيدة لتخصيب اليورانيوم السعودي محليّاً، وغيرها من القيود التي تعرقل الصناعة النووية السلمية الواعدة في البلاد. وأن تدعم العرض الكوريّ لبناء محطّتين نوويتين بتقنية تدّعي شركة "ويستنغهاوس" الأميركية الملكية الفكرية لبعض مكوّناتها، وتهدّد بمقاضاة كوريا في حال فازت بالعقد السعودي. فالبديل للعرض الكوري هو الروسي والصيني، بعد استبعاد الفرنسي والأميركي لأسباب تجارية.

يُتبع.. الملفّات الإقليمية
هذه أهمّ الملفات "البينية" التي ينتظر أن يحملها الرئيس جو بايدن في زيارته القادمة للسعودية، ونترك مساحة المقال القادم لاستعراض الملفّات الإقليمية التي تبدأ بإيران وتنتهي بها، مروراً بالأزمات التي سبّبتها التدخّلات الإيرانية في الشؤون العربية والقرصنة البحرية ودعم الإرهاب وتجارة المخدرات والسلاح وغسيل الأموال. إضافة الى ملفّات العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا. فإلى اللقاء.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم