الأحد - 17 كانون الثاني 2021
بيروت 14 °

إعلان

مستشار بايدن للأمن القوميّ... أيّ رؤية عالميّة للدور الأميركيّ؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
مستشار بايدن لشؤون الأمن القومي في الإدارة المقبلة جايك سوليفان - "أ ب"
مستشار بايدن لشؤون الأمن القومي في الإدارة المقبلة جايك سوليفان - "أ ب"
A+ A-
من بين الشخصيّات ذات الباع الطويل في الديبلوماسيّة الأميركيّة والتي عيّنها مؤخّراً الرئيس المنتخب جو بايدن في إدارته، يبرز اسم جايك سوليفان الذي سيتولى منصب مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القوميّ. مثل وزير الخارجيّة أنطوني بلينكن، أمضى سوليفان فترة طويلة في مناصب استشاريّة لدى كل من بايدن وهيلاري كلينتون، وتركا بصمتيهما في وزارة الخارجيّة. يعير الاثنان أهمّيّة خاصّة إلى التحالفات مع أصدقاء الولايات المتّحدة وإلى الديبلوماسية الدولية لحل المشاكل الطارئة كجائحة "كورونا" وصعود الصين وتجديد معاهدات حظر السلاح.
 
محطّات
يحمل سوليفان (44 عاماً) درجة دكتوراه في القانون من جامعة ييل ودرجة الماجيستير في الفلسفة في العلاقات الدولية من جامعة أكسفورد. في 2008، كان سوليفان مستشاراً لحملة هيلاري كلينتون ثمّ لحملة باراك أوباما في الانتخابات النهائية. وعندما أصبحت كلينتون وزيرة للخارجيّة في عهد أوباما، دخل سوليفان وزارة الخارجيّة كمدير للتخطيط السياسيّ.
 
بعد استقالتها من منصبها، انتقل سوليفان ليشغل منصب كبير المساعدين في الشؤون الأمنيّة لنائب الرئيس جو بايدن. وفي 2014، أصبح أستاذاً في جامعة ييل. وعاد ليكون مستشاراً لحملة كلينتون سنة 2016. بعدها، أصبح محلّلاً زائراً في "مركز كارنيغي للسلام الدوليّ" ومستشاراً في شركة "ماكرو أدفايزوري پارتنرز" لتحليل المخاطر الأمنيّة ومقرّاها لندن ونيويورك. كان سوليفان من أبرز المفاوضين الأميركيّين مع إيران حول الاتّفاق النوويّ بدءاً من 2013، وقد انتهت عمليّة التفاوض الأوّليّة إلى اتفاقيّة جنيف الموقّتة حول البرنامج النوويّ الإيرانيّ.

عند بروز تيّار MeToo مع مجموعة من النساء اللواتي بدأن يتحدّثن علناً عن المضايقات والتحرّشات التي تعرّضن لها في أماكن العمل، خصوصاً في مجتمع الأمن القوميّ، دافع سوليفان في مجلّة "فورين بوليسي" عن النساء: "ربّة عملي السابقة، هيلاري كلينتون، تذكّرنا طوال الوقت بأنّ المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء ليس فقط الأمر الصائب لفعله. إنّه الأمر الذكيّ لفعله".

انتقاد للرؤية الأمنيّة "الترامبيّة"
على المستوى السياسيّ، عمد سوليفان وزميله في مركز "كارنيغي" سلمان أحمد إلى انتقاد وثيقة الأمن القوميّ الصادرة عن إدارة ترامب عبر مقال نشرته "فورين بوليسي" في كانون الأوّل 2017، إذ وضعت الوثيقة روسيا والصين في المصافّ نفسه كـ "قوى تنقيحيّة". وهذا يقرّب الدولتين من بعضهما، في افتراق عن السياسات السابقة التي حاولت جاهدة ألّا تصل إلى هذه النتيجة. ورأى الكاتبان أنّ هذه الرؤية تجعل التعاون الأميركيّ-الصينيّ أصعب حيث تبرز المجالات التي تفرض مثل هذا التعاون. كما لم تميّز إدارة ترامب عند الحديث عن الدول التي تعاني تجاريّاً معها بين منافسي واشنطن وحلفائها مثل كندا والصين وألمانيا والمكسيك.

وفي أيّار الماضي، وضمن المجلّة نفسها، حذّر سوليفان الولايات المتحدة من أنّ الصين تشكّل حاليّاً منافساً أقوى ممّا كان عليه الاتّحاد السوفياتيّ، مشدّداً على ضرورة استعادة واشنطن لريادتها العالميّة على مستوى القيم والابتكار وتوطيد التحالفات مع الشركاء التاريخيّين.

إيران والتحذير من اغتيال سليماني
عقب اغتيال واشنطن قائد "قوّة القدس" قاسم سليماني في كانون الثاني، توقّع سوليفان ورئيس مركز "كارنيغي" ويليام بيرنز، أن تؤدّي عمليّة الاغتيال إلى فرض كلفة على الولايات المتحدة أكبر بكثير من كلفة اغتياله التي تكبّدتها إيران. لا شكّ في أنّ هذا التحليل كان يجاري توقّعات كثر من مناوئي ترامب بأنّ الانتقام سيكون استراتيجيّاً. لكنّ ذلك لم يحصل. مع ذلك، كان سوليفان وبيرنز محقّين حين أظهرا غياباً في الاستراتيجيّة الأميركيّة المتجانسة حيال طهران، إذ إنّ ترامب يريد فرض حملة ضغط أقصى عليها لكنّه في المقابل يريد الانسحاب من المنطقة.

لعلّ أبرز ما يمكن ملاحظته في المقال الذي نشرته مجلّة "ذي اطلانتيك" في 6 كانون الثاني، هو إشارة سوليفان وبيرنز إلى أنّ أحد "القوانين الحديديّة" للسياسة الخارجيّة هو إدراك عدم إمكانيّة الرئيس القيام بخطوة كهذه فقط لأنّه قادر عليها أو لأنّه "يمكن الدفاع عنها أخلاقيّاً". فهذان العنصران (الإمكانيّة والأخلاقيّة) "لا يجعلانها أمراً ذكيّاً". وكتبا أنّ الرئيسين باراك أوباما وبوش الابن التزما بهذا القانون حين تعلّق النقاش بمطاردة سليماني.

من غير الواضح اليوم ما إذا كان سوليفان عدّل قراءته لمواطن قوّة وضعف الأميركيّين والإيرانيّين، بعدما أخفق في توقّع نتائج عمليّة الاغتيال. لكنّ السؤال الذي يتصدّر الواجهة هو كيفيّة حضّ سوليفان الولايات المتّحدة على توطيد شراكاتها مع الحلفاء بناء على "القيم"، إن كان المعيار "الأخلاقيّ" عاجزاً عن إعطاء المشروعيّة وحتى "الذكاء" للتحرّكات العسكريّة الأميركيّة الخارجيّة.
 
ويصبح التساؤل أكثر إلحاحاً حين يكون التدخّل العسكريّ الأميركيّ المحدود مطروحاً ضدّ قوّة بعيدة من أن توازن قدرة وموقع الولايات المتحدة. هل هي الواقعيّة السياسيّة البحتة التي تريد تجنّب الحروب بصرف النظر عن ضآلة احتمالاتها؟
قد يكون من المبكر استنباط إجابة محدّدة على السؤال الذي طُرح كثيراً خلال العقد الماضي خصوصاً في ملفّات ليبيا وسوريا وإيران. على الرغم من ذلك، ثمّة أكثر من بُعد لصياغة جواب أوّليّ، هو بالتأكيد، بالغ التعقيد. 

إملاءات السياسة الخارجيّة
يرى البعض أنّ واشنطن باتت أقلّ قدرة على "عزل الدول المارقة" فكيف بالأحرى استهدافها عسكريّاً. هذا هو توجّه الباحث في مركز "ديفنس برايوريتيز" ريتشارد حنانيا، طارح فكرة أنّ الصين، لا سوليفان أو بلينكن، هي التي تملي السياسة الخارجيّة. وكتب في شبكة "أن بي سي" الإخباريّة أنّ الولايات المتّحدة لم يعد بإمكانها احتلال الموقع العالميّ نفسه الذي شغلته منذ عشرين عاماً حين كان حجم الناتج القوميّ الأميركيّ أكبر من نظيره الصينيّ بـ 17 ضعفاً. حتى رغبة بايدن بالعودة إلى الاتّفاق النوويّ مع إيران هي طريق لإنهاء عزلة إيران اقتصاديّاً والتركيز عوضاً عن ذلك على وقف الانتشار النوويّ. ويعتقد حنانيا أنّ سوليفان وبلينكن هما من ديموقراطيّي الوسط لجهة تعزيز قوّة واشنطن الديبلوماسيّة إزاء الخصوم، كما لجهة التعاون معهم حيث تلوح هذه الإمكانيّة.

هذا ما قاله سوليفان في حزيران الماضي خلال حديث مع "مركز الدراسات الاستراتجيّة والدوليّة" عندما قال إنّه يجب على واشنطن ألّا تظنّ بأنّ موسكو ستكون مخلّصة الأميركيّين على الإطلاق. لكن، بحسب رأيه أيضاً، على الأميركيّين أيضاً ألّا يظنّوا أنّه بسبب سلوك الكرملين، لا يمكنهم التواصل معه حول بعض المسائل في الشرق الأوسط، وهذا ما حصل مع الاتّفاق النوويّ.

في تلك المقابلة، لم يبدُ سوليفان مؤمناً بقوّة الديبلوماسيّة كنقيض كلّيّ للقوّة العسكريّة. فهو وإن كان يميل إلى الأولى بشكل أكبر، اعترف بأنّ عدم الاحتفاظ ببصمة عسكريّة كافية في ليبيا وسوريا أنتج انطباعاً لدى مختلف اللاعبين بأنّ واشنطن غير موجودة، ولهذا فشلت مبادراتها.

في حديث إلى هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي"، يقول الديبلوماسيّ السابق في إدارة باراك أوباما پي جاي كراولي، إنّ سوليفان وبلينكن هما براغماتيّان لا مؤدلجان. ينتظر العالم بدءاً من اليوم كيفيّة انعكاس هذه البراغماتيّة عليه – كما على موقع الولايات المتّحدة فيه.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم