الغاز الجزائري يتدفق إلى أوروبا... دول توقّع عقوداً واكتشاف حقول جديدة
تحظى الجزائر بفرصة ذهبية جديدة في ظلّ استمرار أزمة الطاقة العالمية للعام الثاني على التوالي، ورغبة القارة الأوروبية في التخلّص من الغاز الروسي في سياق العقوبات الغربية المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا.
تحظى الجزائر بفرصة ذهبية جديدة في ظلّ استمرار أزمة الطاقة العالمية للعام الثاني على التوالي، ورغبة القارة الأوروبية في التخلّص من الغاز الروسي في سياق العقوبات الغربية المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا.
وبعد ألمانيا التي وقّعت اتفاقات مع السلطات الجزائرية للحصول على الغاز، بهدف تقليل اعتمادها على موسكو، وسلوفينيا التي استفادت هي الأخرى من الغاز الجزائري عن طريق صفقة أُبرمت بين الشركة البترولية الجزائرية "سوناطراك" وشركة "جيوبلن" السلوفينية لتزويدها بالغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب الذي يربط الجزائر بإيطاليا وذلك لمدة ثلاث سنوات، جاء دور المجر، التي زارها رئيس الدبلوماسية الجزائرية أحمد عطاف قبل أسبوعين، في إطار الجولة التي بدأها من العاصمة التركية أنقرة، بتكليف من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
رغبة المجر في الحصول على الوقود الأزرق الجزائري وردت على لسان وزير الخارجية بيتر سيارتو، الذي قال إنّ بلاده ترغب في استيراد الغاز الجزائري، وذلك ضمن استراتيجيتها الهادفة لتنويع مصادر تمويلها، وفق ما ورد في بيان للخارجية الجزائرية، عبر صفحتها على "فايسبوك".
ومنذ نشوب الأزمة بين الجزائر وإسبانيا، على خلفية دعم سيادة المغرب على الصحراء الغربية، وكردّة فعل على ذلك، قلّصت البلاد صادراتها من الغاز إلى ما دون الكميات المُتعاقد عليها، وحوّلت الجزائر أنظارها نحو إيطاليا، بالإعلان عن إعادة إطلاق مشروع أنبوب الغاز الرابط بين الجزائر وإيطاليا مباشرة.

وتوغّلت الجزائر في جنوب وجنوب شرق أوروبا. وخلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، وقّعت سلوفينيا التي دخلت منطقة اليورو في كانون الثاني (يناير) 2007، اتفاقاً مع الجزائر لاستيراد حوالى 300 مليون متر مكعب سنوياً من الغاز بواسطة خط الأنابيب الحالي عبر إيطاليا، وهو ما سيمكّن سلوفينيا من خفض استيراد الغاز الروسي بمقدار الثلث.
وفي هذا السياق يقول الخبير الطاقوي لمكي محمد المكي لـ"النهار العربي"، إنّ "العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ألقت بظلالها على كل الميادين وفي كل الأقاليم، من الدول إلى المؤسسات. وهذا التأثير نستطيع تصنيفه إلى قسمين، الأول هو كل من استغلّ الفرصة وكان من المستفيدين، أما الصنف الثاني، فكل من أثّرت عليه هذه الحرب سلباً، وكمثال على ذلك دول الاتحاد الأوروبي التي أثقلت كاهلها العقوبات التي فرضتها بنفسها على روسيا ومؤسساتها حيث أخرجت سيفها فقطعت يدها".
أما الدول المستفيدة، فيقسمها المكي كذلك إلى قسمين، وهنا يشير إلى "الدول التي تحاول انتهاز فرصة خروج أو عزل دول من الأسواق الكبرى، كالولايات المتحدة، التي لا تزال تسعى لخلافة روسيا في تصدّر قائمة ممولي الاتحاد الأوروبي بالغاز، وذلك عن طريق غازها، بالرغم من أنّ سعره مرتفع مقارنة بالغاز الروسي المتدفق عبر الأنابيب".
أما الثاني، فيشير إلى الدول المستفيدة تلقائياً من الصراع، "ونستطيع هنا أن نذكر الجزائر التي ساءت علاقاتها بإسبانيا وتقلّصت كميات الغاز المتدفقة عبر أنبوب "الميد غاز"، وهذا الوضع بدوره موازٍ لخفض تدفق الغاز الروسي إلى كل من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا عبر خط الشمال، وهو الأمر الذي استغلته الجزائر بعدما أمّنت احتياجات إيطاليا من هذه المادة الحيوية، من دون المساس بشريكها وحليف الماضي والحاضر روسيا".
10 اكتشافات نفطية
وما عزّز موقع الجزائر في ظلّ أزمة الطاقة العالمية، نجاح شركة "سوناطراك" (عملاق النفط الجزائري) في تحقيق 10 اكتشافات نفطية في البلاد خلال النصف الأول من العام الجاري (2023) في سياق أهدافها الرامية إلى رفع احتياطات البلاد من الهيدروكربونات.
وفي نهاية آب (أغسطس) الماضي، كشف مدير قسم الاستكشافات في "سوناطراك" ربيع باجي، عن أنّ عمليات الحفر الجارية منذ بداية العام الجاري تمكنت من اكتشاف 10 حقول جديدة للغاز والنفط خلال النصف الأول من 2023. وقال في حوار خاص للإذاعة الحكومية، إنّ "معظم اكتشافات النفط في الجزائر الجديدة تقع بالقرب من المنشآت ومناطق الاستغلال الحالية، ما يسمح للشركة بضمّها سريعاً إلى عمليات الإنتاج".
وكانت شركة "سوناطراك" قد أعلنت في تموز (يوليو) الماضي، أنّها نجحت منذ بداية 2022 وحتى نهاية أيار (مايو) 2023 في تحقيق 23 اكتشاف نفط وغاز في الجزائر، وتجري حالياً الشركة عملية تدقيق وتقييم لمردودية هذه الاكتشافات، وستعلن نتائجها قبل نهاية العام الجاري.
وتندرج اكتشافات النفط في البلاد، في إطار برنامج استثماري ضخم تنفّذه الشركة، يستهدف استثمار 40 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين 2023 -2027، بينها 30 مليار دولار في مجال استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما بغرض رفع الإنتاج على المديين القصير والمتوسط.

كبار المستفيدين
وباتت الجزائر في نظر كبريات الصحف العالمية، من كبار المستفيدين من الحرب الأوكرانية التي غيّرت الكثير من التوازنات في سوق الطاقة العالمية بعد تنفيذ العقوبات الغربية على تجارة النفط والغاز الطبيعي الروسيين.
ونشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريراً قبل أيام، شرحت فيه التحوّلات التي حصلت في سوق الطاقة العالمية، وقالت إنّ أسعار الغاز المنخفضة لعمليات استيراد القارة العجوز عبر الأنابيب من روسيا، ظلّت تحول دون توسّع تجارة وكشوفات الغاز والنفط الجزائريين لعقود طويلة، غير أنّه بعد حظر أوروبا إمدادات الطاقة الروسية، غيّرت الشركات الغربية في كشوفات النفط والغاز في البلاد وارتفع الطلب الأوروبي على عقود الطاقة.
وذكر التقرير، أنّه وعلى رغم التحالف القوي للجزائر مع روسيا، بدليل باقتنائها كميات كبيرة من الأسلحة من موسكو، غير أنّ حاجة أوروبا المفاجئة للغاز الجزائري لم تمنع من رفع تدفق صادراتها من الغاز الطبيعي للدول الأوروبية، بخاصة دول الجنوب الأوروبي، القريبة من سواحل البحر الأبيض المتوسط، والمرتبطة بشبكة أنابيب مع الجزائر.
وبحسب التفاصيل التي نشرتها الصحيفة، فإنّ كبار المسؤولين الجزائريين يفاوضون بشأن صفقات غاز جديدة مع مشترين في ألمانيا وهولندا وأماكن أخرى في أوروبا، كما تضع شركة "إيني" الإيطالية استثمارات كبيرة في الإنتاج الجزائري، كذلك تجري الحكومة الجزائرية محادثات مع العملاقين الأميركيين "شيفرون" و "إكسون موبيل" بشأن صفقات لكشوفات جديدة محتملة، ربما ستمكّن الشركتين من إنتاج الغاز في البلاد للمرّة الأولى.